بقلم: د. عدنان بوزان
لم تعد السياسة، في واقعنا المعاصر، ممارسةً عقلانية لتنظيم العيش المشترك، بل غدت شكلاً من أشكال تنظيم الهيمنة. فما نواجهه اليوم ليس خللاً عابراً في إدارة السلطة، بل تحولاً في طبيعتها ذاتها؛ إذ انفصلت السياسة عن وظيفتها التاريخية بوصفها تعبيراً عن الإرادة العامة، لتغدو أداة لإعادة إنتاج السيطرة، وضبط المجتمع، وتأبيد علاقات القوة القائمة.
في هذا السياق، لا يمكن فهم السياسة بمعزل عن البنية الاجتماعية التي تنبثق منها. فالسلطة لا تعمل في الفراغ، ولا تمارس بوصفها انحرافاً أخلاقياً فردياً، بل تتشكل باعتبارها نتاجاً لعلاقات مادية واقتصادية تحدد من يملك القرار، ومن يدفع إلى الهامش. وحين تختزل الدولة في جهاز قمع، فإن ذلك لا يعد استثناءً تاريخياً، بل تعبيراً مكثفاً عن وظيفتها حين تنفصل عن المجتمع وتتعالى عليه.
العدالة، من هذا المنظور، ليست قيمة أخلاقية مجردة، بل معياراً كاشفاً لطبيعة النظام السياسي. فحين تنتج السياسة تفاوتاً دائماً، وتراكماً للامتيازات في يد قلة، وتحول الأغلبية إلى مجرد قوة عمل أو كتلة صامتة، نكون إزاء سياسة تؤدي وظيفة ضبط الصراع الاجتماعي لا حله. هنا لا يقمع التعدد لأنه خطر في ذاته، بل لأنه يهدد احتكار السلطة واحتكار المعنى في آنٍ واحد.
إن الأنظمة لا تسقط بفعل فسادها فقط، بل لأن بنيتها تغدو عاجزة عن تمثيل التناقضات الاجتماعية التي أنتجتها. وحين تفشل في استيعاب هذه التناقضات ضمن أطر سياسية مشروعة، تلجأ إلى أدوات فوق سياسية: العنف، والأيديولوجيا، والخوف. فيستدعى الدين، أو القومية، أو العدو الخارجي، لا بوصفها قناعات فكرية، بل باعتبارها آليات لضبط المجتمع وإعادة توجيه الصراع بعيداً عن جذوره الفعلية.
الأخطر في هذا المسار ليس القمع بحد ذاته، بل تحوله إلى وعيٍ عام. فعندما يعاد تعريف الخضوع بوصفه استقراراً، والصمت بوصفه حكمة، والظلم بوصفه ثمناً لا بد منه، تكون السلطة قد نجحت في تحويل السيطرة المادية إلى هيمنة فكرية. عندها لا يعود القهر مفروضاً من الخارج، بل يعاد إنتاجه من داخل المجتمع نفسه، بوصفه خياراً عقلانياً أو ضرورة واقعية.
لسنا، إذاً، أمام أزمة سياسية طارئة، بل أمام أزمة بنيوية في معنى السياسة ودورها. فالدولة التي لا تعبر عن المصالح الاجتماعية الحقيقية، ولا تخضع للمساءلة، ولا تفصل بين السلطة والقوة، تتحول بالضرورة إلى جهاز لإدارة الأزمات لا حلها، وإلى بنية تحافظ على ذاتها عبر تعطيل أي أفق فعلي للتغيير.
من هذا المنظور، تستعاد السياسة بوصفها فعلاً تحررياً، لا بوصفها إدارة تقنية للسلطة. سياسة تفهم باعتبارها ساحة صراع اجتماعي مشروع، لا أداة لإلغائه، وفضاءً لإنتاج المعنى المشترك، لا لفرضه بالقوة. فالإنسان لا يكون غاية السياسة إلا حين يعاد إليه دوره بوصفه فاعلاً تاريخياً، لا موضوعاً للضبط والإدارة.
هنا تقف السياسة أمام اختبارها الجوهري: إما أن تستعاد بوصفها أفقاً للتحرر والعدالة الاجتماعية، وإما أن تستمر كآلية لإدامة الهيمنة حتى لحظة الانفجار. وما بين الاحتمالين لا يوجد حل وسط، بل مسار تاريخي يحسم دائماً لمصلحة من يمتلك الوعي بآليات السيطرة والقدرة على تفكيكها.