بقلم: د. عدنان بوزان
في التاريخ لا تموت الأساليب، بل يموت أصحابها، بينما تبقى طرائقهم تتبدل وجوهاً وأسماءً وأدوات. وما بين تيمورلنك، الذي كان يطوق المدن بخيامه الثلاث، وبين الدول الحديثة التي تحسن إدارة الضغوط السياسية والعسكرية، لا يبدو الفارق كبيراً إلا في الوسائل؛ فالسيف تحول إلى دبلوماسية قسرية، والحصار أصبح تفاوضاً تحت الإكراه، أما الغاية فما تزال واحدة: انتزاع الإرادة قبل انتزاع الأرض.
يروي المؤرخون أن تيمورلنك كان، كلما حاصر مدينة، ينصب أمام أسوارها ثلاث خيام، لكل واحدة منها رسالة لا تحتاج إلى ترجمان. فالخيمة البيضاء كانت تعني أن باب التسوية لا يزال مفتوحاً، وأن الاستسلام سيجنب المدينة حمامات الدم. فإذا رفض أهلها، ارتفعت الخيمة الحمراء إيذاناً بانتهاء مرحلة الإنذار، وأن القوة أصبحت اللغة الوحيدة المتبقية. أما إذا استمر الرفض، فإن الخيمة السوداء كانت تنصب إعلاناً للحسم الشامل، حيث لا يعود هناك مجال للمساومة، بل يبدأ فصلٌ جديد من الدمار.
ورغم مرور قرون على تلك الحروب، فإن منطق «الخيام الثلاث» لم يغادر عالم السياسة، بل أعيد إنتاجه بأشكال أكثر حداثة وتعقيداً. فالخيمة البيضاء أصبحت اتفاقاً مؤقتاً، أو هدنةً مشروطة، أو تسويةً تقدم بوصفها الفرصة الأخيرة. والخيمة الحمراء تحولت إلى سلسلة من الإنذارات والضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية، تترافق مع رفع سقف المطالب إلى حدود تمس جوهر الوجود السياسي للطرف المقابل. أما الخيمة السوداء فلم تعد ترفع من قماش أسود، بل قد تتجسد في عمليات عسكرية واسعة، أو في فرض وقائع جديدة على الأرض، أو في إعادة رسم خرائط النفوذ بقوة السلاح.
وفي المشهد الراهن في منطقة الجزيرة، تبدو هذه الإستراتيجية وكأنها تستعاد بروح جديدة وأدوات معاصرة. فما جرى في المرحلة الأولى قدم بوصفه تسويةً مؤقتة هدفها تجنيب المنطقة مزيداً من سفك الدماء، وهو خيار قد تفرضه أحياناً ضرورات الواقع وتعقيدات موازين القوى. غير أن ما أعقب ذلك يوحي بأن تلك التسوية لم تكن سوى محطة أولى ضمن مسار تصاعدي من الضغوط، حيث تتحول المطالب تدريجياً من إجراءات محدودة إلى اشتراطات تمس البنية الأمنية والسياسية للطرف المقابل، وكأن المطلوب ليس تنظيم العلاقة، بل إعادة صياغتها من موقع الغالب والمغلوب.
غير أن التاريخ يقدم درساً آخر لا يقل أهمية، وهو أن منطق الترهيب، مهما بدا ناجحاً في لحظة معينة، لا يستطيع أن يصنع شرعيةً دائمة. فالقوة قد تفرض الصمت، لكنها لا تنتج القبول، وقد تؤجل الصراع، لكنها نادراً ما تنهي أسبابه. وكل سياسة تبنى على إلغاء إرادة الجماعات أو إنكار وجودها تحمل في داخلها بذور أزمة جديدة؛ لأن الشعوب لا تقاس بما تملكه من سلاح فحسب، بل بما تختزنه من ذاكرة وهوية، وبما تمتلكه من قدرة على الصمود والاستمرار.
ومن هنا، فإن الرهان على سياسة الإنذارات المتتابعة قد يحقق مكاسب آنية، لكنه لا يؤسس لاستقرار طويل الأمد. فالاستقرار الحقيقي لا يولد من فائض القوة، وإنما من فائض العدالة، ولا يبنى على معادلة الإذعان، بل على الاعتراف المتبادل، والبحث عن حلول سياسية تضمن الحقوق، وتؤسس لسلامٍ أكثر رسوخاً واستدامة.
لقد مات تيمورلنك، وانطفأت خيامه، واندثرت إمبراطوريته، لكن الفكرة التي حكمت سلوكه ما تزال تتنقل بين العصور، تتغير لغتها ولا تتغير غايتها. غير أن التاريخ لا يروي قصة الغزاة وحدهم، بل يروي أيضاً قصة المدن التي بقيت بعدهم، والشعوب التي نجت من سطوة الحديد والنار. فالبقاء في نهاية المطاف ليس للأقوى عسكرياً، بل للأكثر رسوخاً في أرضه، والأشد تمسكاً بذاكرته، والأقدر على تحويل المحنة إلى سببٍ للاستمرار.
فمن هنا، لو كان القرار الكوردي بيدي، لما تعاملت مع هذه «الخيام» بوصفها مجرد رسائلٍ تستوجب الانحناء، بل بوصفها اختباراً حقيقياً لإرادة البقاء. فحين يتحول الإنذار إلى مشروعٍ يستهدف الوجود ذاته، لا يبقى أمام الشعوب إلا التمسك بحقها في الحياة، والدفاع عن كرامتها السياسية، والتشبث بحقوقها بكل ما تملكه من وحدةٍ وصلابةٍ وإصرار. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم لا تقاس بما تقدمه من تنازلات تحت وطأة الضغوط، بل بما تمتلكه من قدرة على الصمود والثبات عندما يصبح وجودها نفسه موضع اختبار. وعندئذٍ، لا تعود القضية قضية مكاسب أو خسائر، ولا خلافاً على حدودٍ أو ترتيباتٍ سياسية، بل تتحول إلى معادلة وجودٍ أو اندثار؛ وهي معادلة لم تستطع قوةٌ عبر التاريخ أن تفرضها على شعبٍ آمن بحقه في أرضه، وتمسك بهويته، وأصر على صناعة مستقبله.
ولعل الشاعر محمود درويش اختصر هذه الحقيقة الخالدة حين قال:
لا غرفةُ التوقيفِ باقيةٌ
ولا زَرَدُ السلاسلْ،
نيرونُ ماتَ... ولم تَمُتْ روما،
بعينيها تُقاتلْ.
وهكذا يمضي التاريخ في دوراته؛ يسقط الطغاة، وتتبدل الإمبراطوريات، وتتغير الخرائط، لكن الأوطان التي تتجذر في ذاكرة شعوبها تظل عصيةً على المحو، مصداقاً للحكمة التي لا يمل التاريخ من تكرارها:
وهنا أقول :
وصايا الوطن للطغاة
أيها العابرونَ على صهوةِ الوقت...
لا تطيلوا الوقوفَ عند أبوابِ البلاد.
فالبلادُ
لا تشرِعُ أبوابها للخوف ..
ولا تسلمُ مفاتيحها لريحٍ تتوهمُ
أنَّ العاصفةَ ..
أمُّ التاريخ.
كم مرَّ من هنا ..
ملكٌ
كان يظنُّ
أنَّ الأرضَ تتبدل
كلما تبدلتْ خطاه.
وكم مرَّ من هنا ..
جبارٌ
كتب اسمه بحدِّ السيف
فمحاه طفلٌ بإصبعٍ مبللٍ
بماءِ النهر.
أنتم...
تبنون عروشكم
من عظامِ الخائفين.
ونحن...
نبني أوطاننا
من صدورِ الذين يعرفون
أنَّ الجبلَ لا ينحني
بل يهبطُ قليلاً
ليعانقَ الغيم.
أيها الطغاة...
لا ترهقوا خيولكم.
فالطريقُ ..
يحفظُ وقعَ أقدامِ العابرين
لكنه ينسى أسماءَ الذين توهموا
أنهم الطريق.
كم إمبراطوريةٍ دخلتِ التاريخَ
على إيقاعِ الطبول
ثم خرجتْ منه
صامتةً
كذرةِ غبارٍ
على نافذةِ النسيان.
وكم رايةٍ
خاصمتِ السماءَ بغرورِها
ثم سقطتْ
ولم تجدْ يداً واحدةً تنتشلها
من وحلِ النسيان.
أما الوطن...
فليس رايةً ترفعُ أو تنزل.
الوطنُ نبضٌ ..
إذا توقف
ماتتِ الخرائطُ جميعها.
وهو الاسمُ
الذي تعجزُ السجونُ
عن تغييرِ هجائِه.
وهو الشجرةُ ..
التي كلما قطعوا غصناً من أغصانها
أنبتتْ من الجرح غابةً.
أيُّها القادمونَ
بخوذاتِ الحديد...
جربوا
أن تحاصروا الفجر.
وجربوا
أن تمنعوا المطرَ
من العودةِ إلى سنابلِه.
وجربوا
أن تقنعوا الشمسَ
أن تستقيل ..
لأنَّ الليلَ أصدر أمراً بذلك.
ستكتشفون
أنَّ بعضَ الأشياء
أكبرُ من جيوشِكم.
وأنَّ بعضَ الأوطان
كلما ضاقتْ بها الأرض
اتسعتْ في قلوبِ أبنائِها
حتى يغدو الكونُ
أضيقَ من ذاكرتِها.
اسألوا التاريخ...
كم طاغيةً
ظنَّ
أنَّه الاسمُ الأخيرُ للقوة.
ثم أصبح سطراً باهتاً
في هامشِ كتاب
يقلبُه تلميذٌ دون أن يتوقف
عند صورتِه.
واسألوا التراب...
كم تاجاً ابتلع.
وكم صولجاناً
حوله إلى صدأ.
أما الوطن...
فما يزال ..
في كلِّ صباح يقفُ
على شرفةِ الزمن
ويقولُ للطغاة:
أنا لستُ عمرَ حاكمٍ...
أنا عمرُ شعب.
أنا لستُ حدوداً
ترسمونها بقلمٍ ثم تمحونها
بتوقيع.
أنا الاسمُ
الذي يخطه الأطفالُ
على الصفحةِ الأولى
من دفاترِهم.
وأحملهُ الشهداءُ
في آخرِ أنفاسِهم.
وتورثُه الأمهاتُ
كما يورثُ الضوء ..
وكما يورثُ الخبزُ ..
وكما يورثُ الحلم.
فامضوا...
وشيِّدوا ما شئتم
من عروشٍ ..
وسجونٍ ..
وأسوار.
فالريحُ لا تبايعُ أحداً.
والجبالُ لا تحفظُ
إلا خطى أبنائِها.
والتاريخُ...
ذلك القاضي الذي لا ينام
ولا يخطئُ في نطقِ الأحكام...
سينطقُ ..
كما نطقَ ..
منذ فجرِ الخليقة:
يموتُ الجبار...
ويبقى الوطن.
ويذبلُ التاج...
وتبقى الجذور.
وتسقطُ الإمبراطوريات...
وتنهضُ البلاد
كأنها خلقتْ
من عنادِ الخلود.