بين الرمزية السياسية والحقوق الدستورية... هل نتعلم من التاريخ أم نكرر أخطاءه؟
- Super User
- مقالات سياسية
- الزيارات: 384
بقلم: د. عدنان بوزان
في السياسة، لا يهزم الشعب عندما يخسر معركة، وإنما يهزم عندما يعجز عن التمييز بين الرمز والحق، وبين الوعد والضمان، وبين المجاملة السياسية والاعتراف الدستوري. وهنا تكمن واحدة من أعقد أزمات الوعي السياسي الكوردي.
كم نحن الكورد، بحاجة إلى مراجعة ذواتنا قبل أن نطالب الآخرين بمراجعة سياساتهم. فليست المشكلة دائماً في خصومنا، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع السياسة، وفي سرعة انتقالنا من الشك إلى التصفيق، ومن اليأس إلى التفاؤل، ومن صناعة الزعماء إلى صناعة الخيبات.
والمؤلم أن الشعب الكوردي كثيراً ما يتحرك بعاطفته أكثر مما يتحرك بحساباته السياسية. فما إن تصدر إشارة إيجابية، أو خطاب ودي أو رسالة بلغته حتى تتحول في نظر كثيرين، إلى دليل على بداية مرحلة تاريخية جديدة وكأن قضيتنا الممتدة منذ أكثر من قرن يمكن أن تحل بمنشور على منصة للتواصل الاجتماعي أو بخطاب يتضمن بضع كلمات باللغة الكوردية.
لقد كتب الرئيس السوري المؤقت السيد أحمد الشرع رسالة باللغة الكوردية عبر منصة «إكس». وقد يرى البعض في ذلك خطوة إيجابية من الناحية الرمزية، ولا شك أن للرمزية السياسية أهميتها في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. لكن السؤال الحقيقي ليس بأي لغة كتبت التغريدة، ولا إن كانت قد صيغت بمساعدة الذكاء الاصطناعي أو بغيره، بل: ماذا سيترتب عليها سياسياً ودستورياً؟
فالقضايا القومية لا تحسم بالرموز وحدها وإنما تحسم بالنصوص الدستورية، والقوانين، والاعتراف الصريح بالحقوق والضمانات التي لا تتغير بتغير الحكومات أو الأشخاص.
وهنا يستحضر التاريخ نفسه. فقد شهدت تركيا، خلال السنوات الأولى من حكم السيد رجب طيب أردوغان، سلسلة من الخطوات التي اعتبرها كثير من الكورد آنذاك مؤشرات على تحول تاريخي، من بينها توسيع مساحة استخدام اللغة الكوردية، والسماح بوسائل إعلام ناطقة بها، وتعزيز حضور التمثيل السياسي الكوردي في البرلمان والإدارات المحلية. غير أن ذلك المسار واجه لاحقاً انتكاسات كبيرة، فعادت المواجهة وتراجعت كثير من المكاسب، الأمر الذي دفع قطاعاً واسعاً من الكورد إلى إعادة تقييم تلك المرحلة باعتبارها لم تحقق ما كانوا يأملونه.
ولذلك، فإن السؤال المشروع اليوم هو: هل ينبغي للكورد أن يكتفوا بالرسائل الرمزية، أم أن المطلوب هو انتظار ترجمة هذه الرسائل إلى ضمانات دستورية واضحة وملزمة؟
فالسياسة ليست فن التصفيق بل فن قراءة المصالح. ومن يخلط بين الإشارات الإعلامية والالتزامات القانونية قد يجد نفسه، بعد سنوات أمام المشهد ذاته الذي عاشته أجيال سابقة.
لقد علمتنا التجارب من سيفر إلى لوزان، ومن محطات عديدة في تاريخ المنطقة، أن الوعود السياسية وحدها لا تكفي؛ فالحقوق التي لا تكتب في الدساتير والاتفاقيات تبقى عرضة للتغيير بتغير موازين القوى.
ولهذا، فإن المطلوب من القوى السياسية الكوردية اليوم ليس الدخول في حالة عداء مع أي سلطة جديدة، ولا الانجرار إلى رفض كل مبادرة وإنما التفاوض بعقل بارد، وعدم استبدال الضمانات القانونية بالثقة الشخصية؛ لأن الدول تبنى بالمؤسسات، لا بالنوايا.
وفي المقابل، يتحمل جزء من الشارع الكوردي مسؤولية هذا المشهد أيضاً. فكثيراً ما ننتقل من تمجيد شخصية إلى تمجيد أخرى، ومن تعليق الآمال على زعيم إلى تعليقها على زعيم جديد، من دون أن نسأل عن البرنامج، أو الدستور، أو شكل الدولة، أو الضمانات الفعلية للحقوق.
إن القضية الكوردية ليست بحاجة إلى بطل جديد بقدر حاجتها إلى مشروع سياسي واضح، وإلى نخبة قادرة على التمييز بين الخطوة الرمزية والحق القانوني، وبين الخطاب السياسي والالتزام الدستوري.
أما ما يتداوله البعض من تسريبات، أو روايات أو تكهنات حول شخصيات أو تنظيمات أو ترتيبات سياسية غير معلنة، فإن التعامل معها يجب أن يكون بحذر شديد؛ لأن السياسة تعج بالشائعات بقدر ما تعج بالحقائق، ولا ينبغي بناء المواقف المصيرية على معلومات غير موثقة.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي شعب هو أن يفقد ذاكرته السياسية؛ فالأمم التي لا تقرأ تاريخها جيداً قد تجد نفسها تعيد السير في الطريق ذاته، مع اختلاف الأسماء والوجوه فقط.
إن المستقبل لا يصنعه التصفيق، ولا تصنعه الشعارات، وإنما تصنعه القدرة على تحويل أي انفتاح سياسي إلى حقوق دستورية ثابتة. وإلا فإن التاريخ سيبقى يعيد نفسه، وسيظل الكورد في كل مرحلة ينتظرون مخلّصاً جديداً، بينما تبقى قضيتهم معلقة بين الوعود والخيبات.