حين يتراجع العلم.. تعود العشيرة عن انتكاسة الوعي الكوردي في كوباني
- Super User
- مقالات سياسية
- الزيارات: 583
بقلم: د. عدنان بوزان
هناك لحظات في حياة الشعوب لا يكون الخطر فيها من عدو خارجي، بقدر ما يكون من تراجع الوعي داخل المجتمع نفسه. وحين يغيب العلم والمعرفة، يملأ الجهل الفراغ؛ وحين يتراجع التفكير السياسي والمدني، تتقدم العصبية العشائرية؛ وحين تضعف المؤسسات والأحزاب والنخب، يعود المجتمع إلى البحث عن الشيخ والوجيه وابن العشيرة، ليحلوا محل السياسي والمثقف والحقوقي.
وهذا تحديداً ما يثير القلق في بعض الأصوات الشاذة التي بدأت تظهر في المجتمع الكوردي في سوريا، ولا سيما في كوباني؛ أصوات لا تكتفي باعتبار العشيرة مكوناً اجتماعياً، بل تريد تحويلها إلى مرجعية سياسية، بل وإلى بديل عن الأحزاب والسياسيين والحقوقيين والمثقفين.
والمفارقة الأكثر إيلاماً أن بعض المروجين لهذا الخطاب من حملة الشهادات الجامعية والأكاديمية. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: ما قيمة الشهادة إذا لم تنتج وعياً؟ وما قيمة الطب إذا كان الطبيب، بما يحمله من شهادة ومعرفة، يريد إعادة المجتمع إلى ما قبل الدولة؟ وما جدوى الجامعة إذا خرج الإنسان منها بشهادة في يده، وعقله لا يزال أسيراً لمنطق العشيرة والولاء الشخصي؟
المشكلة ليست في العشيرة بوصفها رابطة اجتماعية، فهي جزء من التاريخ الاجتماعي للكورد كما هي جزء من تاريخ مجتمعات كثيرة في المنطقة. المشكلة تبدأ حين تتحول العشيرة من رابطة اجتماعية إلى سلطة سياسية، ومن انتماء أهلي إلى مصدر للشرعية، ومن اسم العائلة إلى معيار لاختيار من يتحدث باسم شعب بأكمله.
فالتمثيل السياسي لا يمنح بالمبايعة، ولا ينتقل بالوراثة، ولا يستمد شرعيته من حجم العشيرة أو مكانة العائلة؛ وإنما يقوم على المشروع والكفاءة والتفويض العام والمؤسسات والمساءلة والقدرة على التفاوض.
فكيف، بعد كل ما مر به الكورد في سوريا، نعود إلى السؤال البدائي: من هو شيخ العشيرة؟ ومن هو كبير العائلة؟ ومن ينبغي أن نبايع؟
أين ذهبت عقود النضال الكوردي؟ أين ذهبت الأحزاب والتنظيمات والشخصيات السياسية والحقوقية والمثقفون الذين دفعوا أثماناً باهظة بسبب مواقفهم؟ وأين ذهب الذين اعتقلوا وطوردوا وحرموا من أبسط حقوقهم دفاعاً عن الهوية واللغة والحقوق السياسية؟
هل يكون جوابنا على كل ذلك إحياء العصبية العشائرية؟
إذا كان هذا هو الجواب، فنحن لا نتقدم؛ بل نتراجع.
والأخطر أن بعض هؤلاء «المثقفين الغافلين» يريدون إرسال أشخاص إلى دمشق ليتحدثوا باسم الكورد، وكأن تمثيل شعبٍ بأكمله أصبح يمنح بالمبايعة والوجاهة العشائرية. لا على أساس مشروع سياسي أو تفويض شعبي أو خبرة قانونية وتاريخية، وإنما على أساس المكانة العشائرية والاجتماعية.
وهذا اختزال خطير لقضية سياسية وتاريخية وقانونية معقدة. دمشق لا تحتاج إلى شيخ عشيرة يتحدث باسم الكورد، بل إلى ممثلين يعرفون ماذا يريد الكورد، وكيف يطالبون بحقوقهم، وعلى أي أساس دستوري وقانوني، وما هي أدوات التفاوض وحدود الممكن.
القضية الكوردية ليست مجلس صلح عشائري، وليست خلافاً بين عائلتين حتى يجلس وجهاء أو عصابات القوم لحله. إنها مسألة سياسية وتاريخية وقانونية تشكلت عبر عقود من التمييز والإقصاء وسياسات الدولة، كما تشكلت عبر تطور الحركة السياسية الكوردية وانقساماتها وتحالفاتها وصراعاتها.
ولهذا فإن اختزال كل هذا التاريخ في «فلان شيخ عشيرة» أو «فلان وجيه» أو «فلان كبير قومه» أو «فلان سرق كم ليرة أو أستفاد من الثورة وأصبح شيخ الطفرة » ليس سذاجة سياسية فحسب؛ بل استخفاف بعقل الشعب نفسه.
والسؤال البسيط أمام كل من يريد أن يتحدث باسم الكورد هو: بأي تفويض؟ من انتخبه؟ من فوضه؟ ما مشروعه؟ ما رؤيته للدستور؟ ما موقفه من الحقوق القومية والثقافية واللغوية؟ ما تصوره لشكل الدولة السورية؟ ما موقفه من اللامركزية؟ وما خبرته في القانون والسياسة والتفاوض؟
إذا لم تكن هناك إجابات واضحة، فكيف يتحول «وجيه عشيرة» إلى ممثل لشعب؟
أما الأكثر إثارة للدهشة، فهو أن يأتي هذا الخطاب أحياناً من أصحاب الشهادات الأكاديمية.
وهنا يجب قول الحقيقة بلا مواربة: الشهادة ليست دليلاً على الوعي. قد يكون الإنسان طبيباً بارعاً، لكنه سياسي ساذج؛ وقد يكون مهندساً متميزاً، لكنه يجهل التاريخ؛ وقد يكون أستاذاً جامعياً، لكنه أسير للعصبية الاجتماعية. فالشهادة تمنح معرفة متخصصة، لكنها لا تمنح بالضرورة وعياً سياسياً أو مدنياً.
والوعي لا يقاس بعدد الشهادات المعلقة على الجدران، بل بقدرة الإنسان على تحرير عقله من سلطة الماضي حين يتحول الماضي إلى عائق أمام المستقبل.
لكن أغلب هؤلاء كانت لهم صلات سابقة بالأجهزة الأمنية، ولا يمكن لمن ارتبط بالأمن أو خدم مصالحه أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى مناضل وشريف؛ فالماضي لا يمحى بتغيير المواقف، ولا تغسل صفحات التاريخ بشعارات جديدة.
ومن حق الشعب، بل من واجبه، أن يسأل عن السجل السياسي لكل من يريد تمثيله، وأن يطالب بالشفافية والمساءلة قبل منحه حق التحدث باسمه.
فالسؤال السياسي الحقيقي ليس: إلى أي عشيرة ينتمي هذا الرجل؟
بل: ما تاريخه؟ ماذا فعل؟ ماذا قال؟ مع من وقف؟ ما مشروعه؟ ومن فوضه؟
هذه هي السياسة.
أما أن نبحث عن اسم العائلة قبل البرنامج، وعن العشيرة قبل الكفاءة، وعن الوجاهة قبل النزاهة، فذلك يعني أننا لم نتعلم شيئاً من قرن كامل من المآسي.
الشعب الذي دفع ثمناً باهظاً من الدم والتهجير والخراب لا ينبغي أن تعيده نخبه إلى نقطة الصفر. لا يمكن أن يكون الرد على عقود من الاستبداد إنتاج استبداد اجتماعي مصغر، ولا يمكن أن يكون الرد على الدولة الأمنية بناء سلطة عشائرية، ولا يمكن أن يكون الرد على الإقصاء السياسي إقصاء السياسيين والمثقفين والحقوقيين لصالح وجهاء العشائر.
نحن بحاجة إلى الانتقال من مجتمع الأشخاص إلى مجتمع المؤسسات، ومن الولاء للأفراد إلى الولاء للمشروع، ومن العصبية إلى المواطنة، ومن الوجاهة إلى الكفاءة، ومن المبايعة إلى التفويض.
والكورد في سوريا، بعد كل هذه العقود، يستحقون خطاباً سياسياً أكثر نضجاً.
أما كوباني، التي دفعت من دمها وبيوتها وأبنائها ثمناً هائلاً، فلا ينبغي أن تتحول إلى مختبر لإحياء العصبيات القديمة.
كوباني تستحق أن تكون مدينة للوعي لا سوقاً للوجاهة، ومدينة للمؤسسات لا للمبايعات، ومدينة للسياسة لا للعصبية.
وأخطر ما يمكن أن يحدث لشعب عانى من الاستبداد والقمع والتهجير والقتل ليس أن يخسر معركة سياسية، بل أن يفقد القدرة على التمييز بين من يمثله ومن يريد أن يمثله.
فإذا أصبح الطبيب والمثقف والأكاديمي يقف خلف رجل لا يعرف مشروعه السياسي لمجرد أنه «شيخ عشيرة»، فالمشكلة لم تعد في شيخ العشيرة وحده؛ بل في النخبة التي صنعت له منصة.
وحين تصبح الشهادة غطاءً للجهل، والثقافة غطاءً للعصبية، والوجاهة بديلاً عن السياسة، لا يعود السؤال: من يقود الشعب؟
بل يصبح السؤال الأكثر مرارة:
إلى أين يتجه الشعب يفقد بوصلته كلما تراجع فيه العلم، وتقدمت فيه العصبية؟
وفي النتيجة، ماذا تبقى من قيمة الشهادة الأكاديمية حين يتحول صاحبها إلى مروج للجهل والعشائرية؟ تباً لشهادةٍ لم تنتج وعياً، وتباً لعلمٍ لم يحرر صاحبه من عقلية القبيلة. ومن أي حظيرة تخرجت، أيها «المتعلم الجاهل»، حتى أصبحت شهادتك غطاءً للعصبية والارتزاق السياسي؟ إن المشكلة ليست في الشهادة، بل في عقلٍ حملها ولم يتعلم منها شيئاً.