سوريا في زمن الهيمنة المرنة: حين تدار المآسي بوصفها استثماراً سياسياً
- Super User
- مقالات سياسية
- الزيارات: 1091
بقلم: د. عدنان بوزان
نعيش لحظة تاريخية يمكن توصيفها بوصفها ذروةً في إعادة إنتاج الهيمنة، حيث لم تعد الإمبريالية الأمريكية تمارس نفوذها عبر الاحتلال المباشر أو الشعارات الكبرى، بل من خلال إدارة الفوضى، وتدوير الوكلاء، واستثمار الانقسامات المحلية إلى أقصى حد ممكن. في هذا السياق، لم تعد المآسي أحداثاً معزولة، بل غدت حلقات ضمن منظومة واحدة تدار بعقلٍ بارد، وتقاس فيها الخسائر والأرباح بلغة الأسواق، لا بلغة القيم أو المبادئ.
ما جرى في الأشرفية والشيخ مقصود لا يمكن فصله عن هذا الإطار العام. فهذه الأحداث ليست مجرد صدامات عابرة أو أخطاء ميدانية، بل لحظة كاشفة لطبيعة الصراع الحقيقي على سوريا، وللموقع الذي أُريد لها أن تشغله: مساحة مفتوحة للاختبار، وحقل استثمار سياسي وأمني تتقاطع فيه مصالح واشنطن وأنقرة وتل أبيب، كل وفق أدواته وحساباته. هنا لا تدار الأمور بمنطق الحلول، بل بمنطق الاستنزاف؛ إذ لا أحد يسعى إلى استقرار فعلي، لأن الاستقرار ينهي وظيفة الوكلاء ويغلق سوق الصراع.
السلطة القائمة في دمشق، مهما تبدلت أسماؤها أو تبدلت خطاباتها، لم تعد فاعلاً سيادياً بقدر ما أصبحت واجهة تشغيلية لمشاريع أكبر منها. تمنح هامش حركة بقدر ما تخدم التوازنات المطلوبة، وتسحب منها الشرعية فور خروجها عن النص المرسوم. في هذا المعنى، يتحول “الحكم” إلى وظيفة مؤقتة لا إلى عقد اجتماعي، وتغدو الدولة أشبه بشركة خدمات أمنية تدار من الخارج، فيما يترك المجتمع ليدفع الكلفة السياسية والإنسانية وحده.
وسط هذا المشهد، تبدو المناطق الكوردية هدفاً دائماً، لا لأنها مشكلة بحد ذاتها، بل لأنها تمثل نقيضاً خطيراً لمنطق الهيمنة السائد: تجربة تسعى، رغم كل عثراتها ونواقصها، إلى بناء إرادة سياسية محلية خارج الاصطفافات الطائفية والقومية التقليدية. وهذا بالضبط ما لا تحتمله المنظومتان الإقليمية والدولية؛ فوجود نموذج مختلف، حتى لو كان هشاً، يفتح الباب أمام أسئلة محرجة، ويهدد سرديات راسخة عن “حتمية” الاستبداد أو الفوضى.
لا يمكن إنكار أن ما حدث شكل خسارةً قاسية، لكن الخسارة هنا لا تساوي الهزيمة. فالهزيمة الحقيقية تكمن في الاستسلام للرواية التي يريدها الخصم: رواية العجز، والاتهام الداخلي، وتفكيك الثقة بين المجتمع وقياداته. ما تحقق ميدانياً، رغم الاختلال الفادح في موازين القوى، كان كافياً لكشف حجم المؤامرة وحدودها، وكسر اندفاعها نحو ما هو أوسع وأخطر. في الحروب غير المتكافئة، لا تقاس النتائج فقط بما يفقد من أرض، بل أيضاً بما يمنع وقوعه.
من الخطأ تحميل القيادات المحلية وحدها وزر ما جرى، وكأن القرار كان ذاتياً أو المعركة كانت متكافئة. فما واجهه المقاتلون والمقاتلات لم يكن طرفاً واحداً، بل شبكة معقدة من المصالح الإقليمية والدولية، تلاقت في لحظة واحدة، مستفيدة من صمت العالم، وتواطئه، وازدواجيته الأخلاقية. ومع ذلك، صمدت الإرادة، وهذا بحد ذاته معطى سياسي لا يجوز التقليل من شأنه أو التعامل معه بخفة.
التاريخ لا يكتب فقط بلحظات الانتصار الواضح، بل أيضاً بلحظات الصمود التي تمنع الإبادة السياسية والمعنوية. وكل تجربة تحرر حقيقية تمر بمحطات تراجع وانسحاب، لكنها تستمر ما دامت الذاكرة حية، وما دامت الإرادة لم تكسر. ما يراد اليوم هو إنهاك هذه الإرادة، ودفع المجتمع إلى جلد ذاته بدل قراءة المشهد كما هو: صراع على الوجود والقرار، لا على معركة واحدة أو حيٍّ واحد.
في زمن الإمبريالية المرنة، حيث تدار الحروب بأدوات ناعمة وخشنة في آنٍ معاً، يصبح الوعي السياسي شكلاً من أشكال المقاومة. والتمسك بالرواية الذاتية، بعيداً عن بروباغندا المنتصر المؤقت، هو الشرط الأول لفتح أي أفق قادم. ما لم يهزم بعد هو المعنى، وما دام المعنى قائماً، فإن المعركة لم تحسم.