بقلم: د. عدنان بوزان
ليست المأساة الكبرى في أن تحكم الشعوب أنظمة مستبدة، بل في أن تتعايش مع استبدادها، وتعيد إنتاجه، وتمنحه مع مرور الزمن شرعيةً نفسية وأخلاقية وثقافية. فالاستبداد لا يقوم على أجهزة القمع والسجون وحدها، بل يستند إلى قبولٍ ضمني، صامت أحياناً، ومتحمس أحياناً أخرى، يجعل الخضوع يبدو خياراً أقل كلفة من الحرية. هنا تتجلى العبودية الطوعية بوصفها أخطر أشكال السيطرة، لأنها لا تفرض بالقوة المباشرة، بل تغرس في الوعي، وتربى في العقول، وتتحول تدريجياً إلى نمط حياة.
تخضع الشعوب لحكامها حين يعاد تعريف الطاعة بوصفها فضيلة، والاعتراض بوصفه تهديداً، والحرية بوصفها فوضى. فالأجيال التي تنشأ داخل أنظمة سلطوية لا تتعلّم معنى المواطنة، بل معنى النجاة؛ لا تربى على الحقوق، بل على تفادي العقاب؛ ولا تدرب على المشاركة السياسية، بل على قراءة مزاج السلطة. ومع الزمن، لا يعود الخضوع فعلاً اضطرارياً، بل يتحول إلى سلوك تلقائي، وإلى قناعة غير معلنة بأن السياسة شأنٌ خطر، وأن السلامة تكمن في الصمت.
الخوف، في هذا السياق، لا يكون مجرد أداة قمع، بل يتحول إلى بنية داخلية، وإلى ذاكرة جماعية، بل وإلى هوية. فالمواطن لا يخاف فقط من أجهزة الأمن، بل من فكرة التغيير ذاتها، من المجهول، ومن انهيار ما تبقى من حياة هشة. تقنعه السلطة، عبر خطاب متكرر وممنهج، أن البديل عن الاستبداد هو الفوضى، وأن سقوط الحاكم يعني انهيار الدولة، وأن الحرية ترف لا تحتمله مجتمعات «غير جاهزة». وهكذا، يصبح المستبد، على نحوٍ مفارق، ضمانةً وهمية للاستقرار الذي دمره بنفسه، ويتحول الخضوع إلى ما يشبه غريزة دفاعية في مواجهة خوفٍ صنع بعناية.
ولا يكتمل هذا الخضوع من دون أيديولوجيا تبرره وتمنحه غطاءً أخلاقياً. فالقومية تستخدم لتحويل الحاكم إلى رمزٍ للأمة، والدين يوظف لإضفاء قداسة على السلطة، وشعارات السيادة والمؤامرة تستعمل لتجريم أي صوت نقدي. في هذا المناخ، لا يناقش الاستبداد بوصفه مشكلة سياسية بنيوية، بل يدافع عنه بوصفه خياراً وطنياً أو واجباً أخلاقياً. فيدافع المقموع عن قمعه، ويبرر الفساد بحجج «المرحلة الحساسة»، ويشيطن الضحية لأنها طالبت بحقها في حياة كريمة.
الفقر، بدوره، ليس نتيجةً عرضية للاستبداد، بل أحد أدواته الأكثر فاعلية. فحين يدفع الإنسان إلى حافة البقاء، ينشغل بتأمين يومه لا بتغيير واقعه. تدار الحاجة الاقتصادية بوصفها وسيلة ضبط اجتماعي: وظيفة مقابل ولاء، مساعدة مقابل صمت، واستقرار شكلي مقابل التنازل عن الكرامة. ومع مرور الوقت، تفرغ السياسة من مضمونها، وتختزل الدولة في كونها رب عملٍ كبيراً، يملك سلطة المنح والمنع.
الأخطر من ذلك أن العبودية لا تبقى محصورة في علاقة الشعب بالحاكم، بل تتسرب إلى نسيج المجتمع ذاته. فالثقافة السلطوية يعاد إنتاجها داخل الأسرة، والمدرسة، والحزب، والمؤسسة، وحتى في خطاب بعض المثقفين الذين يبررون القمع باسم الواقعية السياسية أو الخوف من الأسوأ. عند هذه النقطة، لا يعود الاستبداد مجرد نظام حكم، بل يتحول إلى عقلية عامة، ويغدو تغييره مهمة شديدة التعقيد، لأن المشكلة لم تعد في القصر فقط، بل في العقول التي اعتادت الطاعة.
ولهذا تفشل محاولات التغيير حين تكتفي بإسقاط الأشخاص دون تفكيك البنية الذهنية التي صنعتهم. فالثورات التي لا تمس ثقافة الخضوع، سرعان ما تعيد إنتاج الاستبداد بأسماء جديدة ووجوه مختلفة. والتحرر الذي لا يبدأ من الوعي، ينتهي غالباً إلى خيبة أمل، أو إلى طغيان أشدّ قسوة.
الحرية، في هذا المعنى، ليست حدثاً سياسياً عابراً، بل مساراً طويلاً ومؤلماً، يبدأ حين تعترف الشعوب بأن الطغاة لا يعيشون بالقوة وحدها، بل بالطاعة التي تمنح لهم، وبالخوف الذي يغذى، وبالصمت الذي يقدم بوصفه حكمة. وحين يكسر هذا العقد غير المكتوب بين الحاكم والمحكوم، تبدأ أولى خطوات الخلاص: لا بإسقاط المستبد فحسب، بل بتحرير الإنسان من عبوديته.