بقلم: د. عدنان بوزان
لا تشتكِ من الريح… بل تعلم كيف تقرأ وجهها، وتفهم لغتها الخفية حين تمر فوقك كما تمر الذكريات على قلبٍ أنهكته الحكايات.
لا تشتكِ من الأيام… فهي ليست خصمك، ولا هي التي اختارت أن تكون دربك الوحيد. إنها تمضي كما تمضي الريح فوق الحقول: لا تسأل عن وجع السنابل، ولا تعاتب التمثال في الميدان مرفوعَ الرأس، لا تلتفت إلى صمته، ولا تعتذر للأغصان التي انحنت تحت ثقل العبور؛ فهي تمضي، لا ترهقها الرحلة، ولا يعنيها ما تتركه خلفها من انكسارات. هي لا ترى دموعك، ولا تسمع ارتجافك الداخلي، لأنها ببساطة لا خلِقت لتواسيك، بل لتدفعك… لتأخذك من حالٍ إلى حال، ومن صورةٍ إلى أخرى، حتى لو بدا ذلك قاسياً.
الأيام لا تملك قلباً لتقسو، ولا ذاكرة لتندم، ولا ضميراً لتراجع نفسها. هي فقط مرآةٌ عميقة، تعكس ما تختبئ به روحك في الظل. إن أقبلتَ عليها مثقلاً بالخذلان، أعادتك أكثر ثقلاً، وإن واجهتها بروحٍ تعرف كيف تنحني دون أن تنكسر، منحتك فسحةً صغيرة من الضوء… ذلك الضوء الذي لا يرى، لكنه يحس في الداخل، كنبضٍ خافتٍ يرفض أن يموت.
فلماذا الشكوى إذن؟
ولمن تقال؟
والزمن لا يصغي، ولا يتوقف عند أبوابنا ليعتذر، والعمر لا يعود ليجمع ما تناثر منا في الطرقات. إن الشكوى ليست سوى صدىً يضيع في فراغٍ لا يرد، بينما الحياة تستمر كأن شيئاً لم يكن، وكأننا لم نصرخ يوماً.
لا تحزن على الدنيا… فهي لم تكن يوماً بيتاً لنا، ولا وعداً بالبقاء. إنها ممرٌّ طويلٌ تزدحم فيه الخطوات، ونزلٌ عابر نضع فيه حقائبنا المتعبة، ثم نرحل دون أن نأخذ معنا إلا ما صار جزءاً منا. لا شيء فيها يثبت، ولا شيء يكتمل كما نشتهي.
كل ما فيها عابر:
الفرحُ ضيفٌ خجول، يطرق الباب قليلاً ثم يمضي، والحزنُ ظل طويل، يتمدد حتى نظنه الأبد، ثم يتلاشى فجأةً كأن لم يكن. والأحلام؟ هي طيورٌ برية، لا تعرف القفص، تحط على أكتافنا لحظةً، تمنحنا دفئها، ثم تتركنا لنحدّق في السماء طويلاً… نبحث عنها في الأفق البعيد.
فلماذا نغرق في ما لا يبقى؟
ولماذا نثقل قلوبنا بأشياء كتب عليها أن ترحل؟
ولماذا نتمسك بما يتفلت من بين أصابعنا كالماء، ثم نندهش حين نجد أنفسنا فارغين؟
تعلم أن تحيا بخفة… أن تمشي دون أن تجر خلفك أثقال الأمس، أن تحب دون أن تخاف الفقد، أن تعطي دون أن تنتظر بقاءً.
عش كأنك تدرك السر منذ البداية:
أن النهاية ليست هزيمة، ولا خسارة، بل عودةٌ هادئة إلى أصلٍ أوسع، إلى معنى لا تحده هذه الحياة الضيقة. فكل ما نمر به ليس إلا عبوراً، وكل ما نفقده ليس إلا تحرراً خفياً من ثقلٍ لم نكن نراه.
لا تشتكِ من الريح… فهي لا تعاديك، بل تعلمك كيف تثبت، وكيف تميل دون أن تسقط.
لا تشتكِ من الرحيل… فهو ليس نهاية الحكاية، بل تحولها إلى شكلٍ آخر.
تأمل… ولا تندب.
افهم… ولا تنكسر.
ففي عمق الرحيل يكمن سر الطمأنينة، وفي حضن الفناء تولد حياةٌ أخرى، أكثر نقاءً، وأكثر اتساعاً، وأقل ألماً… حياةٌ لا تقاس بما نملك، بل بما فهمناه ونحن نعبر.