الحركة السياسية الكوردية في سوريا: من إرث النضال إلى ضرورة الولادة الجديدة
- Super User
- مقالات سياسية
- الزيارات: 1702
بقلم: د. عدنان بوزان
يصعب الحديث عن الحركة السياسية الكوردية في سوريا بمعزل عن تاريخٍ طويلٍ من المعاناة، فقد نشأت هذه الحركة في ظروفٍ استثنائية لم تشبه الظروف التي عملت في ظلها معظم الحركات السياسية الأخرى في المنطقة. فمنذ العقود الأولى لتشكّل الدولة السورية الحديثة، وجد الكورد أنفسهم أمام منظومةٍ سياسية لم تعترف بوجودهم القومي والثقافي على نحوٍ عادل، الأمر الذي جعل النشاط السياسي الكوردي يتحول إلى نضالٍ متواصل من أجل إثبات الوجود قبل المطالبة بالحقوق.
لقد دفعت أجيالٌ كاملة من السياسيين والمثقفين والناشطين الكورد أثماناً باهظة. فقد امتلأت السجون بمعتقلين لم يحملوا سوى أفكارهم، واضطر كثيرون إلى الهجرة أو المنفى، فيما عاش آخرون سنواتٍ طويلة تحت رقابة الأجهزة الأمنية العنصرية وملاحقاتها المستمرة. ولم يكن العمل السياسي آنذاك مجرد نشاطٍ حزبي، بل كان مخاطرةً يومية قد تنتهي بالاعتقال، أو الحرمان من العمل، أو النفي، أو التضييق على الأسرة بأكملها.
ومع ذلك، بقيت الحركة السياسية الكوردية حاضرة، مستندةً إلى إيمان قطاعٍ واسع من أبناء الشعب الكوردي بأن الحقوق لا تمنح، وإنما تنتزع عبر النضال السياسي السلمي، والتنظيم المجتمعي، والصبر الطويل.
لكن التاريخ لا يقاس بحجم التضحيات وحده، وإنما أيضاً بحجم النتائج التي تثمر عنها تلك التضحيات.
وهنا تبدأ المراجعة الحقيقية.
لقد جاءت الثورة السورية عام 2011 بوصفها لحظةً تاريخية غير مسبوقة، إذ انهارت معادلاتٌ كثيرة بدت، لعقودٍ طويلة، ثابتةً لا يمكن تغييرها. فقد أتاح تراجع القبضة الأمنية في أجزاء واسعة من البلاد، وظهور وقائع سياسية وإدارية جديدة، وانفتاح الملف السوري على المجتمع الدولي، فرصةً استثنائية أمام الحركة السياسية الكوردية لإعادة صياغة مشروعها السياسي، وبناء خطابٍ أكثر نضجاً وقدرةً على التأثير.
غير أن امتلاك الفرصة لا يعني، بالضرورة، القدرة على استثمارها.
ففي الوقت الذي كانت فيه التحولات الإقليمية والدولية تفتح آفاقاً جديدة، بدت قطاعاتٌ واسعة من الحركة السياسية الكوردية عاجزة عن الانتقال من عقلية المعارضة التقليدية إلى عقلية بناء المشروع السياسي. واستمرت كثيرٌ من الخلافات القديمة، وتكررت الانقسامات ذاتها، وعادت الشخصنة لتطغى على العمل المؤسسي، وأصبح الصراع بين القوى الكوردية يستنزف طاقاتٍ كان من المفترض أن توجه نحو بناء رؤيةٍ سياسية مشتركة للمستقبل.
إن المشكلة الكبرى لم تكن في قلة التضحيات، بل في ضعف القدرة على تحويل تلك التضحيات إلى مشروعٍ سياسي جامع.
فالسياسة الحديثة لا تقوم على التاريخ وحده، ولا على الرمزية النضالية وحدها، وإنما تقوم أيضاً على الكفاءة، والتخطيط، والمرونة، وبناء المؤسسات، وإعداد القيادات، وإدارة الاختلاف، وقراءة المتغيرات الإقليمية والدولية بعقلٍ استراتيجي.
ولعل من أبرز العوامل التي أضعفت الحركة السياسية الكوردية خلال السنوات الماضية استمرار الذهنية الحزبية المغلقة، حيث بقيت بعض القوى أسيرة مفاهيم قديمة لم تعد تنسجم مع التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا والمنطقة. وفي كثيرٍ من الأحيان، تحولت الخلافات التنظيمية إلى خلافاتٍ وجودية، وأصبح الحفاظ على الحزب أو التنظيم هدفاً بحد ذاته، بينما تراجع المشروع الوطني الكوردي إلى المرتبة الثانية.
كما أسهم غياب التجديد القيادي في تعميق الأزمة، إذ بقيت شخصياتٌ سياسية تتصدر المشهد لعقودٍ طويلة، دون أن تتمكن من إنتاج مدارس سياسية جديدة أو إعداد جيلٍ قادر على تحمل المسؤولية. وفي المقابل، وجد كثيرٌ من الشباب الكورد أنفسهم خارج دائرة صنع القرار، رغم ما يمتلكونه من تعليمٍ أفضل، وخبراتٍ أوسع، وقدرةٍ أكبر على التواصل مع العالم.
إن أي حركةٍ سياسية لا تجدد نخبها محكومةٌ بالدخول في حالةٍ من الجمود، والجمود في السياسة لا يعني الثبات، بل يعني التراجع.
ولا يمكن كذلك تجاهل أثر الانقسامات الإقليمية في الواقع الكوردي السوري، إذ أصبحت الساحة الكوردية، في كثيرٍ من الأحيان، انعكاساً لتجاذباتٍ تتجاوز الحدود السورية، الأمر الذي أضعف استقلالية القرار السياسي، وعمق حالة الاستقطاب، وأفقد الحركة جزءاً من قدرتها على صياغة أولوياتٍ تنطلق أولاً من احتياجات الشعب الكوردي داخل سوريا.
ومع ذلك، فإن قراءة هذا الواقع لا ينبغي أن تتحول إلى خطابٍ يائس أو إلى إعلان نهاية الحركة السياسية الكوردية، لأن الشعوب لا تختزل في أخطاء أحزابها، ولا تنتهي مسيرتها عند تعثر مرحلةٍ سياسية.
بل إن التاريخ يعلمنا أن كثيراً من الحركات السياسية الكبرى مرت بمراحل من الإخفاق والانهيار، ثم أعادت بناء نفسها بصورةٍ أكثر قوةً ونضجاً. وغالباً ما كانت لحظات الفشل هي التي دفعت إلى مراجعاتٍ عميقة أفرزت قياداتٍ جديدة، وأفكاراً أكثر واقعية، وأدوات عمل أكثر فاعلية.
ومن هنا يمكن فهم الأصوات التي بدأت ترتفع اليوم، مطالبةً بإعادة تجميع ما تبقى من الطاقات الكوردية، بعيداً عن منطق الإقصاء والانقسام، وبعيداً عن إرث الصراعات الشخصية والتنظيمية. فهذه الدعوات، مهما كانت لا تزال محدودة، تعكس إدراكاً متزايداً بأن استمرار التشرذم لن يؤدي إلا إلى مزيدٍ من إهدار الفرص، وأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى عقلٍ سياسي جديد، لا يكرر أخطاء الماضي، بل يتعلم منها ويؤسس لمرحلةٍ مختلفة.
إن الولادة الجديدة التي ينتظرها كثيرٌ من الكورد ليست مجرد تأسيس حزبٍ جديد أو استبدال أسماء القيادات، وإنما هي إعادة بناء الثقافة السياسية ذاتها. إنها ولادةٌ تقوم على المؤسسات بدلاً من الأشخاص، وعلى الكفاءة بدلاً من الولاءات الضيقة، وعلى الحوار بدلاً من التخوين، وعلى التخطيط الاستراتيجي بدلاً من الاكتفاء بردود الأفعال.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى مشروعٍ سياسي قادر على الجمع بين الدفاع عن الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي، والإسهام في بناء سوريا مستقرة وديمقراطية تتسع لجميع مكوناتها، وتقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، واللامركزية الديمقراطية، والمشاركة العادلة في إدارة الشأن العام.
كما تحتاج إلى خطابٍ يتوجه أولاً إلى الشعب الكوردي، فيعيد بناء الثقة بين المواطن والسياسي، ويقنع الشباب بأن السياسة ليست ساحةً للصراعات الشخصية، وإنما وسيلةٌ لصناعة المستقبل. وهي بحاجة أيضاً إلى الانفتاح على بقية القوى الوطنية السورية، لأن أي مشروعٍ كوردي مستدام سيكون أكثر قوة إذا استطاع بناء شراكاتٍ سياسية قائمة على المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، والحوار المسؤول.
لقد أثبتت العقود الماضية أن التضحيات وحدها لا تكفي، وأن التاريخ النضالي، مهما كان عظيماً، لا يعفي أحداً من مسؤولية المراجعة والنقد والتطوير. كما أثبتت أن الشعوب التي تمتلك الشجاعة للاعتراف بأخطائها هي الأكثر قدرةً على إعادة بناء مستقبلها.
وربما يكون أهم درسٍ يمكن استخلاصه اليوم هو أن الحركة السياسية الكوردية ليست بحاجة إلى إعادة إنتاج الماضي، بل إلى تجاوزه. فهي مطالبة بالانتقال من مرحلة الدفاع الدائم إلى مرحلة المبادرة، ومن عقلية إدارة الأزمات إلى عقلية صناعة الفرص، ومن الانشغال بالخلافات الداخلية إلى بناء مشروعٍ وطني واضح المعالم، يمتلك رؤيةً للمستقبل أكثر مما يمتلك روايةً عن الماضي.
إن مستقبل الكورد في سوريا لن تحدده الذاكرة وحدها، ولا التضحيات وحدها، ولا الشعارات وحدها، وإنما ستحدده قدرة النخب الجديدة على إنتاج سياسةٍ أكثر حكمة، وأكثر انفتاحاً، وأكثر التصاقاً بمصالح الشعب. فإذا نجحت هذه الولادة الجديدة في تجاوز أخطاء المراحل السابقة، فإنها قد تفتح صفحةً جديدة في التاريخ السياسي الكوردي السوري؛ صفحةً يكون عنوانها بناء المؤسسات، وترسيخ الشراكة، وتحويل عقود النضال الطويل إلى مشروعٍ سياسي قادر على حماية الحقوق، والإسهام في بناء دولة سورية ديمقراطية مستقرة، يتشارك جميع أبنائها في صياغة مستقبلها على أساس العدالة والمواطنة والشراكة الحقيقية.