الحرب في سوريا: صراع داخلي مُؤمَّم أم حرب تركية بالوكالة ضد الكورد؟
- Super User
- التحاليل السياسية
- الزيارات: 204
بقلم: د. عدنان بوزان
لم تعد الحرب في سوريا، بعد أكثر من عقد على اندلاعها، مجرد نزاع داخلي بين أطراف محلية متصارعة، ولا ساحة لتصفية حسابات سياسية بين سلطة ومعارضات متناحرة، كما لم تعد قابلة للاختزال في سردية “الدولة في مواجهة الخارج” أو “وحدة البلاد في مواجهة الانفصال”. فالمشهد السوري، في مرحلته الراهنة، بات تعبيراً مكثفاً عن تحول الصراع من أزمة داخلية إلى حرب إقليمية مُؤمَّمة، تدار وفق مصالح دول الجوار، وتخاض بأدوات محلية، بينما تدفع الشعوب – وفي مقدمتها الشعب الكوردي – ثمناً مباشراً لهذا التموضع الجيوسياسي العنيف.
إن توصيف المواجهة الجارية اليوم بين ما يسمى بـ“سلطة دمشق المؤقتة” وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بوصفها صراعاً سورياً – سورياً، ليس سوى تبسيط سياسي مضلّل، يهدف إلى نزع الطابع الإقليمي عن الحرب، وإخفاء الفاعل الحقيقي الذي يحرك مساراتها وحدودها وسقوفها. فهذه الحرب لا تنبع من تناقضات داخلية حول شكل الحكم أو طبيعة الإدارة أو توزيع الصلاحيات بقدر ما تنبع من صراع على الوجود والهوية والدور، يتجاوز الجغرافيا السورية ليضرب في عمق المسألة الكوردية في الشرق الأوسط بأسره.
لقد تحولت سوريا، بفعل الانهيار البنيوي للدولة، إلى مساحة مفتوحة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية، حيث لم تعد السيادة مفهوماً وطنياً جامعاً، بل أداة انتقائية تستخدم ضد طرف دون آخر، وتستحضر فقط حين يتعلق الأمر بإجهاض أي تجربة سياسية خارجة عن النماذج السلطوية أو القومية السائدة. وفي هذا السياق، بات المشروع السياسي الكوردي في شمال وشرق سوريا، بما يحمله من ملامح ديمقراطية ولا مركزية وتعددية قومية، هدفاً مباشراً لقوى إقليمية ترى في هذا النموذج تهديداً يتجاوز حدود سوريا ليطال بنيتها الداخلية ومفهومها للدولة والأمة.
إن التدقيق في طبيعة التصعيد العسكري والإعلامي والسياسي ضد قسد يكشف أن ما يجري ليس نتاج خلاف إداري عابر، ولا نتيجة “سوء تفاهم” بين شركاء في الوطن، بل هو جزء من استراتيجية تركية طويلة الأمد، تسعى إلى ضرب أي كيان كوردي منظم، وإفراغ الجغرافيا الكوردية من مضمونها السياسي، عبر إدارة حرب غير مباشرة تنفذ بأيدٍ محلية، وتغطى بخطاب وطني أو ديني يعيد إنتاج الكراهية التاريخية ضد الكورد.
وفي هذا الإطار، لا يمكن تجاهل الدور الخطير الذي تلعبه قوى عربية سنية مسيَّسة، جرى تعبئتها أيديولوجياً وتحريضها سياسياً، لتكون في واجهة هذا الصراع، لا بوصفها فاعلاً مستقلاً، بل كأداة وظيفية في مشروع إقليمي أوسع. فبدل أن تتجه بوصلة الصراع نحو الاستبداد أو الاحتلال أو تفكيك البنية السلطوية التي دمرت سوريا، يجري توجيهها نحو الكورد، بوصفهم “الآخر” القابل للشيطنة، والخصم الأسهل نزعاً للشرعية والإنسانية معاً.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه لا يتعلق فقط بطبيعة الصراع الراهن، بل بمن يديره، ولماذا، ولصالح أي مشروع سياسي تخاض هذه الحرب. وهل ما يجري هو فعلاً محاولة لـ“استعادة الدولة”، أم أنه فصل جديد من فصول الحرب المفتوحة على الوجود الكوردي، تدار هذه المرة باسم سوريا، بينما جوهرها وغاياتها تتجاوزها بكثير؟
هذه المقدمة لا تسعى إلى إصدار أحكام مسبقة، بل إلى إعادة وضع الصراع في سياقه التاريخي والإقليمي الصحيح، بوصفه حرباً تتقاطع فيها مصالح الدولة التركية، وانهيار السيادة السورية، وتواطؤ الصمت الدولي، على حساب شعب ما زال يدفع إلى موقع الضحية، فقط لأنه تجرأ على التفكير بسوريا مختلفة.
أولاً: تفكيك وهم “الصراع السوري – السوري”
يصر الخطاب الرسمي لسلطة دمشق المؤقتة على توصيف المواجهة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بوصفها “معركة سيادة” أو “استعادة لهيبة الدولة”، في محاولة لإعادة إنتاج سردية الدولة المركزية التي تقدم نفسها كضحية لتفكك الداخل وتدخل الخارج. غير أن هذا الخطاب، عند إخضاعه للفحص السياسي الجاد، يتبين أنه خطاب إيديولوجي دفاعي أكثر منه توصيفاً واقعياً لطبيعة الصراع، إذ يقوم على طمس الفاعلين الحقيقيين، وتحويل الأنظار عن البنية الإقليمية التي تحكم مسار الحرب وحدودها.
إن توصيف المواجهة بوصفها صراعاً سورياً داخلياً يهدف بالدرجة الأولى إلى نزع الشرعية السياسية عن قسد، وتصويرها كطرف “خارج عن الدولة”، لا كجزء من معادلة وطنية معقدة فرضتها الحرب، وهو توصيف يتجاهل عمداً السياق الذي نشأت فيه هذه القوة، والدور الذي لعبته في مواجهة الإرهاب، وفي حماية مناطق كاملة من الانهيار والفوضى.
- غياب الإرادة السيادية المستقلة
أولى نقاط انهيار خطاب “السيادة” تكمن في حقيقة أن سلطة دمشق المؤقتة لا تمتلك إرادة سيادية مستقلة، لا على مستوى القرار العسكري ولا السياسي. فقرارات التصعيد أو التهدئة لا تتخذ انطلاقاً من مصلحة وطنية سورية جامعة، بل تأتي ضمن توازنات إقليمية شديدة التعقيد، تتحكم بها قوى خارجية، وفي مقدمتها تركيا.
إن خضوع هذه السلطة لمنطق التفاهمات الأمنية غير المعلنة، والصفقات الظرفية، يجعل من ادعاء السيادة مجرد شعار فارغ، يستخدم عند الحاجة السياسية فقط. فالسيادة، في معناها السياسي الحقيقي، تفترض استقلال القرار، ووحدة المعايير، والقدرة على فرض الإرادة الوطنية على كامل الجغرافيا، وهي شروط غائبة بالكامل في الحالة السورية الراهنة.
وعندما تصبح قرارات الحرب والسلم مرهونة بإشارات خارجية، فإن الحديث عن “استعادة الدولة” يتحول إلى إعادة توزيع للأدوار داخل منظومة الوصاية الإقليمية، لا إلى استعادة فعلية للسيادة.
- انتقائية مفهوم السيادة
تتجلى أزمة الخطاب الرسمي بشكل أوضح في الانتقائية الفاضحة لمفهوم السيادة. فهذه السيادة لا تستحضر إلا عندما يكون الطرف المقابل هو الكورد، أو عندما يتعلق الأمر بتجربة سياسية لا مركزية في شمال وشرق سوريا، بينما يجري التغاضي الكامل عن الاحتلال التركي المباشر لأراضٍ سورية واسعة.
فمن عفرين إلى سري كانيه (رأس العين) وكري سبي (تل أبيض)، تمارس تركيا احتلالاً عسكرياً واضحاً، مقروناً بتغيير ديمغرافي، وفرض إدارة تابعة لها، وانتهاكات موثقة لحقوق السكان الأصليين. ومع ذلك، لا نسمع خطاب “السيادة” بذات الحدة، ولا نرى أي تحرك جدي لـ“استعادة الدولة” من هذه المناطق.
هذا التناقض يكشف أن السيادة هنا ليست مبدأً وطنياً، بل أداة سياسية انتقائية، تستخدم ضد طرف بعينه، هو الطرف الكوردي، لا لأنه يهدد وحدة البلاد، بل لأنه يقدم نموذجاً سياسياً لا ينسجم مع بنية الدولة المركزية السلطوية، ولا مع المصالح الإقليمية التركية.
- تحالفات الأمر الواقع وتزامن التصعيد
أما النقطة الثالثة، فتتعلق بطبيعة التصعيد نفسه، الذي لا يحدث في فراغ، ولا يأتي نتيجة تطورات داخلية بحتة. فكل تصعيد سياسي أو عسكري ضد قسد يتزامن، بشكل لافت، مع ضغط تركي مباشر أو غير مباشر، أو ينسجم مع أولويات أنقرة الأمنية، سواء تعلّق الأمر بملفات الحدود، أو الانتخابات الداخلية التركية، أو إعادة ترتيب النفوذ في الشمال السوري.
هذا التزامن ليس مصادفة، بل يعكس وجود تحالفات أمر واقع، تدار خلف الكواليس، حيث تتحول بعض الأطراف السورية إلى أدوات تنفيذ لمشاريع إقليمية، مقابل وعود أو مكاسب ظرفية، غالباً ما تكون وهمية أو قصيرة الأمد.
وفي هذا السياق، لا تقاس مصلحة السوريين ككل، ولا تؤخذ بعين الاعتبار كلفة الحرب على المجتمع، أو خطر تفجير صراعات قومية ومجتمعية طويلة الأمد، بل يختزل القرار في خدمة أجندة أمنية إقليمية، على حساب الاستقرار الداخلي وإمكانية بناء دولة تعددية حقيقية.
خلاصة القول، من خلال ما سبق، يتضح أن توصيف الصراع الدائر اليوم كحرب أهلية سورية، أو كمواجهة بين “الدولة” و”قوة خارجة عنها”، ليس سوى تزييف سياسي متعمد، يهدف إلى إخفاء الطابع الإقليمي للحرب، وإعفاء الفاعل الخارجي – وعلى رأسه تركيا – من مسؤوليته المباشرة، وتحميل الضحية مسؤولية الصراع.
إن تفكيك وهم “الصراع السوري – السوري” هو الخطوة الأولى لفهم جوهر ما يجري: حرب مدارة من الخارج، تخاض على الأرض السورية، ويستهدف فيها مشروع سياسي كوردي بوصفه الخطر الحقيقي، لا على وحدة سوريا، بل على منظومات الهيمنة القائمة في المنطقة.
ثانياً: تركيا كفاعل مركزي في الحرب
ليست تركيا طرفاً خارجياً “قلقاً” من تطورات أمنية على حدودها الجنوبية، كما تحاول أن تظهر في خطابها الرسمي، ولا مجرد دولة تسعى إلى حماية أمنها القومي من “تهديدات عابرة للحدود”. فالدور التركي في سوريا، وخصوصاً في الصراع الدائر ضد قوات سوريا الديمقراطية، يتجاوز بكثير منطق الدفاع الوقائي، ليصل إلى مستوى القيادة الفعلية لمسار الحرب وأهدافها. إننا أمام دولة ترى في الجغرافيا السورية امتداداً مباشراً لصراعها البنيوي مع المسألة الكوردية، وتتعامل مع سوريا لا كدولة مستقلة، بل كساحة مفتوحة لإعادة إنتاج نموذجها القومي – الأمني.
- العقدة الكوردية البنيوية في الدولة التركية
منذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، بنيت الدولة على إنكار التعدد القومي والثقافي، وعلى فرض هوية أحادية صلبة تعرف “الأمة” بوصفها تركية صافية. وفي هذا السياق، لم يكن إنكار الوجود الكوردي مجرد سياسة عابرة، بل ركيزة تأسيسية في بنية الدولة نفسها. فالكورد لم يعاملوا كقومية، ولا حتى كأقلية، بل كـ“أتراك الجبال”، في محاولة منهجية لمحو الهوية واللغة والتاريخ.
هذه العقدة البنيوية لم تحل مع الزمن، بل أعيد إنتاجها بأشكال مختلفة، عسكرية وأمنية وسياسية، بحيث بات أي تعبير كوردي مستقل – ثقافياً كان أو سياسياً – ينظر إليه كتهديد وجودي للدولة. ومن هنا، فإن أي تجربة كورديّة ناجحة خارج حدود تركيا، خصوصاً إذا كانت ديمقراطية وتعددية وقابلة للاستمرار، تتحول تلقائياً إلى خطر استراتيجي، لأنها تكشف زيف السردية التركية القائلة باستحالة التعايش أو اللامركزية أو الشراكة القومية.
إن الخطر، في نظر أنقرة، لا يكمن في السلاح بحد ذاته، بل في الفكرة: فكرة أن الكورد قادرون على إدارة أنفسهم، وبناء نموذج سياسي مختلف، دون أن يؤدي ذلك إلى تفكك الدولة أو انهيار المجتمع.
- قسد كنقيض استراتيجي للمشروع التركي
في هذا الإطار، تمثل قوات سوريا الديمقراطية أكثر من مجرد تشكيل عسكري محلي؛ إنها تجسيد سياسي وعسكري لنقيض النموذج التركي. فقسد ليست مشروعاً قوميّاً مغلقاً، ولا حركة انفصالية، كما يروج، بل إطاراً متعدد المكونات، نشأ في ظروف الحرب، وحمل معه ملامح مشروع سياسي بديل، يتناقض جوهرياً مع الدولة القومية المركزية.
يقوم هذا المشروع على أسس تشكل كابوساً استراتيجياً لأنقرة، أبرزها:
- الديمقراطية القاعدية، التي تنطلق من المجتمع المحلي لا من المركز السلطوي.
- الشراكة القومية، التي تعترف بتعدد الهويات دون فرض هوية مهيمنة.
- تحرر المرأة، بوصفه عنصراً بنيوياً في السياسة والمجتمع، لا شعاراً تجميلياً.
- اللامركزية السياسية، التي تفكك احتكار السلطة وتعيد توزيعها أفقياً.
إن خطورة هذا النموذج، من وجهة النظر التركية، لا تكمن في كونه “انفصالياً”، بل في كونه قابلاً للحياة، وقابلاً للتكرار، وقابلاً للتعميم، سواء داخل سوريا أو في عموم المنطقة. فنجاح تجربة كهذه يعني سقوط الحجة التاريخية التي تبرر القمع باسم “وحدة الدولة”، ويفتح الباب أمام مساءلة النموذج القومي الصلب الذي قامت عليه الجمهورية التركية.
- الحرب بالوكالة: من التدخل المباشر إلى الإبادة المُدارة
بعد سنوات من التدخل العسكري المباشر في شمال سوريا، وما رافقه من كلفة سياسية وأمنية واقتصادية، أدركت أنقرة حدود هذا الخيار، ومخاطره على المدى البعيد. ومن هنا، انتقلت إلى استراتيجية أكثر دهاءً وأخطر أثراً: الحرب بالوكالة.
لم تعد تركيا بحاجة إلى أن تكون في الواجهة دائماً، بل باتت تفضل إدارة الصراع من الخلف، عبر:
- تمكين قوى محلية وتنشيطها سياسياً وعسكرياً
- توفير الغطاء السياسي والدعم اللوجستي
- ضخ خطاب تحريضي داخلي يلبس الحرب لبوساً “سورياً” أو “وطنياً” أو “دينياً”
في هذه الاستراتيجية، تتحول الحرب ضد قسد من عدوان خارجي واضح إلى صراع داخلي مصطنع، يدار بأدوات سورية، لكنه يخدم، في جوهره، أهداف الدولة التركية. والأخطر من ذلك أن هذه الحرب لا تستهدف النفوذ أو السيطرة فقط، بل تميل في كثير من مظاهرها إلى سياسات إفراغ وإقصاء وتدمير منظم، ما يجعلها أقرب إلى حرب إبادة سياسية وجغرافية، لا إلى مواجهة عسكرية تقليدية.
خلاصة القول: إن فهم الدور التركي بوصفه فاعلاً مركزياً في الحرب هو مفتاح أساسي لفهم ما يجري في سوريا اليوم. فتركيا لا تتدخل لأنها تخشى الفوضى، بل لأنها تخشى النموذج؛ ولا تحارب قسد لأنها قوة مسلحة، بل لأنها مشروع سياسي يهدد البنية القومية التي قامت عليها الدولة التركية.
ومن دون تفكيك هذا الدور، ستبقى كل القراءات التي تصف الصراع بأنه “سوري داخلي” أو “خلاف على الإدارة” قراءات ناقصة، إن لم تكن مضللة، لأنها تتجاهل الفاعل الذي يمسك بالخيوط، ويدير الحرب، ويحدد سقوفها، بينما تدفع الشعوب ثمناً مفتوحاً لهذا الصراع.
ثالثاً: تسليح الكراهية وتحويل العرب السنة إلى أداة
إذا كانت المدافع والطائرات تدمر الجغرافيا، فإن أخطر ما في هذه الحرب هو ما يدمر الوعي. فالصراع الدائر اليوم لا يخاض بالسلاح وحده، بل يدار، في جوهره، عبر إعادة إنتاج خطاب الإبادة، أي عبر تحويل الكراهية إلى أداة سياسية، وتطبيع العنف بوصفه فعلاً “مشروعاً” أو “واجباً وطنياً” أو حتى “تكليفاً دينياً”. وفي هذا السياق، يجري توظيف قطاعات من العرب السنّة، لا بوصفهم جماعة إثنية أو دينية، بل بوصفهم جمهوراً مسيّساً ومعبأً ضمن استراتيجية إقليمية واعية.
- شيطنة الكورد سياسياً ودينياً
المرحلة الأولى في أي مشروع إقصائي أو إبادي تبدأ دائماً بـ نزع الإنسانية والشرعية عن الضحية، وهذا ما يجري بشكل منهجي بحق الكورد في الخطاب السياسي والإعلامي والديني المتداول. فالكوردي لا يقدم كمواطن سوري له حقوق سياسية وثقافية، بل يعاد تعريفه ضمن ثلاث صور نمطية خطيرة:
- الانفصالي:
حيث يصور أي مطلب باللامركزية أو الإدارة الذاتية بوصفه مشروع تقسيم، في تجاهل متعمد للفارق الجوهري بين اللامركزية والانفصال، وبين الشراكة السياسية وتفكيك الدولة.
- الكافر أو الخارج عن الدين:
عبر ربط المشروع الكوردي بخطابات الإلحاد أو “الانحلال الأخلاقي”، واستثمار تحرر المرأة والتعددية الفكرية لتأليب المزاج الديني الشعبي، وتحويل الخلاف السياسي إلى صراع عقدي.
- العميل أو الأداة الأجنبية:
بنزع أي صفة وطنية عن الكورد، وتصويرهم كأداة بيد قوى خارجية، في حين يتم التغاضي عن ارتهان أطراف أخرى بشكل صريح لدول إقليمية.
هذا الخطاب لا يهدف إلى النقد السياسي، بل إلى شرعنة العنف، لأن تحويل الخصم إلى “خطر وجودي” أو “خارج عن الجماعة” هو الشرط الأول لتبرير سحقه دون مساءلة أخلاقية.
- استثمار المظلومية السنّية وتوجيهها
لا يمكن فهم فعالية هذا الخطاب دون التوقف عند المظلومية السنّية الحقيقية التي راكمها الاستبداد السوري على مدى عقود. غير أن الخطير هنا ليس وجود هذه المظلومية، بل كيفية استثمارها سياسياً. فبدل توجيه الغضب الشعبي نحو بنية الاستبداد التي أنتجت القمع والدمار، أو نحو الاحتلالات المتعددة التي مزقت البلاد، يجري تحويل هذا الغضب باتجاه الكورد، بوصفهم “العدو الأقرب” و”الأسهل شيطنة”.
بهذا المعنى، لا تستخدم المظلومية بوصفها مدخلاً للتحرر أو العدالة، بل بوصفها وقوداً لإنتاج عدو بديل. ويجري اختزال الصراع المعقد في ثنائية زائفة:
“نحن” المظلومون في مواجهة “هم” الذين اغتصبوا الأرض أو السلطة، في تجاهل تام لحقيقة أن الكورد كانوا، تاريخياً، من أكثر ضحايا الاستبداد والتهميش.
هذا التحويل المقصود للبوصلة يخدم هدفين متلازمين:
- تفريغ الغضب الشعبي من مضمونه التحرري.
- توجيهه نحو صراع أفقي بين ضحايا، بدل صراع عمودي مع بنى الهيمنة.
- إعادة إنتاج منطق 1915 و1925 و1963
ما يجري اليوم ليس جديداً في تاريخ المنطقة، بل هو إعادة إنتاج لآلية إبادة مجربة، تغيرت أدواتها وبقي جوهرها ثابتاً. فالنموذج نفسه يتكرر:
- دولة إقليمية تسعى إلى حل “مسألتها القومية” بالقوة.
- أداة محلية تعبأ بخطاب ديني أو قومي أو وطني.
- ضحية كوردية تجرد من الشرعية والإنسانية.
- صمت دولي يبرر الجريمة بذريعة “الاستقرار” أو “محاربة الفوضى”.
عام 1915 لم تكن الإبادة مجرد قرار، بل عملية تعبئة وتحريض.
عام 1925 جرى سحق الانتفاضات الكوردية بذات المنطق.
وعام 1963 أُعيد إنتاج الإقصاء بصيغة قومية “حديثة”.
اليوم، يتكرر السيناريو ذاته، ولكن بأدوات معاصرة: إعلام، منصات رقمية، فتاوى، وخطاب “سيادي” معلب.
- من الجماعة إلى الأداة: التفريق الضروري
من الضروري هنا التشديد على نقطة أخلاقية وسياسية مركزية:
إن الحديث عن “تسليح العرب السنّة” لا يعني اتهام جماعة إثنية أو دينية، بل توصيف عملية تسييس ممنهجة، تحول قطاعات من المجتمع إلى أدوات تنفيذ في مشروع لا يخدم مصالحها الفعلية.
فالعرب السنّة، بوصفهم مكوناً اجتماعياً، هم أيضاً ضحايا هذا الصراع؛ لكن بعض القوى السياسية والدينية نجحت في تجيير غضبهم المشروع لصالح حرب لا تخدم إلا مشاريع الهيمنة الإقليمية، وتفتح الباب أمام صراعات مجتمعية طويلة الأمد، سيدفع الجميع ثمنها.
خلاصة: إن أخطر ما في هذه الحرب ليس عدد الضحايا، بل تطبيع منطق الإبادة، وتحويل الكراهية إلى سياسة، والاختلاف إلى ذريعة للإلغاء. فحين يقنع مجتمع ما بأن جاره هو عدوه الوجودي، تصبح الجريمة ممكنة، بل مبرَّرة.
وهكذا، تتحول الحرب من صراع سياسي قابل للحل، إلى صراع هوياتي مفتوح، لا رابح فيه، سوى القوى التي تدير المشهد من الخلف، بينما تستنزف الشعوب، وتكسر إمكانية بناء وطن مشترك.
رابعاً: لماذا قسد هي الهدف؟
لا يمكن فهم الاستهداف المتواصل لقوات سوريا الديمقراطية بوصفه نتيجة توازنات عسكرية عابرة، أو خلافاً ظرفياً على النفوذ والجغرافيا، فلو كانت قسد مجرد قوة مسلحة محلية، لكان من الممكن احتواؤها أو تحييدها أو تفكيكها عبر صفقات سياسية، كما جرى مع عشرات التشكيلات الأخرى في المشهد السوري. غير أن ما يجعل قسد هدفاً دائماً ومركزياً هو أنها تتجاوز كونها فاعلاً عسكرياً، لتغدو حاملاً لمشروع سياسي واجتماعي يهدد البنى السائدة في سوريا والمنطقة معاً.
- قسد كمشروع سياسي بديل
تمثل قسد، في جوهرها، محاولة نادرة في السياق السوري لتأسيس مشروع سياسي بديل، لا يقوم على منطق الدولة الأمنية، ولا على احتكار السلطة من قبل نخبة عسكرية أو دينية أو قومية. فهذا المشروع نشأ من قلب الحرب، لكنه لم يختزل في العسكرة، بل اقترن ببناء مؤسسات مدنية، وهياكل إدارة محلية، وآليات مشاركة سياسية، وإن كانت لا تخلو من التحديات.
إن خطورة هذا المشروع، بالنسبة لخصومه، لا تكمن في كماله، بل في قدرته على الاستمرار، وفي كونه يقدم، ولو جزئياً، جواباً عملياً عن سؤال ظل معلقاً في سوريا لعقود: هل يمكن بناء سلطة خارج منطق الاستبداد المركزي؟ إن مجرد طرح هذا السؤال، مقروناً بتجربة واقعية، كفيل بإرباك كل القوى التي قامت شرعيتها على نفي البديل.
- نموذج لسوريا لا مركزية
في مواجهة النموذج السوري التقليدي، القائم على المركز الواحد والقرار الواحد والهوية الواحدة، تطرح قسد، من خلال تجربتها السياسية، تصوراً لسوريا لا مركزية، تدار فيها المجتمعات المحلية وفق خصوصياتها، ضمن إطار وطني جامع. هذا الطرح لا يعني تفكيك الدولة، بل إعادة تعريفها، من دولة قهرية إلى دولة شراكة.
غير أن اللامركزية، في المخيال السلطوي والقومي السائد، تعد خطراً وجودياً، لأنها تسحب من المركز احتكاره للسلطة والثروة والقرار. ومن هنا، فإن محاربة قسد هي، في أحد أبعادها، محاربة لفكرة اللامركزية ذاتها، بوصفها بديلاً محتملاً عن الدولة الشمولية التي حكمت سوريا لعقود.
- تجربة تعايش حقيقي لا مجرد شعار
على عكس كثير من الخطابات التي ترفع شعار “الوحدة الوطنية” دون مضمون عملي، قدمت مناطق شمال وشرق سوريا تجربة تعايش نسبي بين مكونات قومية ودينية متعددة: كورد، عرب، سريان، آشوريون، شيشان وغيرهم. ورغم كل الاختلالات والانتقادات المشروعة، فإن هذه التجربة كسرت، عملياً، سردية استحالة العيش المشترك، التي طالما استخدمت لتبرير القمع أو الهيمنة.
إن نجاح أي تجربة تعايش، ولو جزئياً، يشكل تهديداً مباشراً للقوى التي تقوم مشاريعها على تغذية الانقسام، سواء باسم العروبة القومية أو باسم الإسلام السياسي. فالتعايش ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل أداة سياسية تقوض منطق الاصطفاف الحاد، وتفتح المجال أمام بناء هوية وطنية مركبة، لا تختزل المواطن في قوميته أو مذهبه.
- كسر احتكار العروبة القومية والإسلام السياسي
لعل أخطر ما تمثله قسد، في نظر خصومها، هو أنها تكسر، في آن واحد، احتكارين تاريخيين للسلطة والشرعية في سوريا والمنطقة: احتكار العروبة القومية من جهة، واحتكار الإسلام السياسي من جهة أخرى.
فالعروبة القومية، بصيغتها الإقصائية، لطالما تعاملت مع الكورد بوصفهم “طارئين” أو “أقليات يجب دمجها قسراً”، بينما يرى الإسلام السياسي في أي مشروع مدني تعددي تهديداً لهيمنته العقدية والسياسية. وقسد، بما تحمله من خطاب مدني، وتعددية قومية، وحضور نسوي فاعل، تقف على النقيض من هذين المشروعين معاً.
إن هذا التلاقي بين خصمين تاريخيين – القومية الإقصائية والإسلام السياسي – على معاداة قسد، ليس صدفة، بل دليل على أن المشروع الذي تمثله يضرب أسس الشرعية التي يستند إليها الطرفان.
خلاصة : إن استهداف قسد ليس استهدافاً لقوة عسكرية، بل استهدافاً لإمكانية سياسية. هو محاولة لإجهاض فكرة سوريا مختلفة:
سوريا لا تدار من مركز واحد، ولا تبنى على الإقصاء، ولا تختزل في هوية واحدة أو خطاب واحد.
وفي هذا المعنى، فإن الدفاع عن قسد، أو عن حقها في الوجود السياسي، لا ينفصل عن الدفاع عن حق السوريين جميعاً في تخيل مستقبل مختلف عن الماضي الذي دمرهم. فحين يستهدف البديل، لا يعود الصراع على النفوذ، بل على الخيال السياسي ذاته: هل يسمح لسوريا أن تكون شيئاً آخر غير ما كانت عليه؟ أم يحكم عليها بإعادة إنتاج الكارثة نفسها، بأدوات مختلفة؟
خامساً: الخلاصة – حرب على الوجود لا على النفوذ
ما يجري اليوم في سوريا، وخصوصاً في شمال وشرق البلاد، لا يمكن قراءته بوصفه صراعاً تقليدياً على السلطة أو النفوذ، ولا نزاعاً إدارياً حول من يدير هذه المنطقة أو تلك. إن هذا التوصيف، في أحسن الأحوال، ساذج، وفي أسوئها متواطئ. فنحن أمام صراع على الوجود ذاته: على حق شعب في أن يكون، وعلى حقه في أن يعبر عن نفسه سياسياً وثقافياً، خارج قوالب الإقصاء والإنكار التاريخي.
ليست المسألة خلافاً حول شكل الحكم، بل مشروع تصفية سياسية وقومية، يستهدف الكورد بوصفهم حاملين لإمكانية سياسية غير مرغوب بها إقليمياً. مشروع لا يسعى فقط إلى كسر قوة عسكرية، بل إلى تفكيك نموذج، وإلغاء تجربة، ومحو فكرة تقول إن سوريا يمكن أن تدار بطريقة أخرى، وبعقد اجتماعي مختلف.
ومن هنا، فإن الإصرار على توصيف ما يجري كـ“حرب سورية داخلية” لا يعدو كونه إنكاراً متعمّداً لطبيعة الصراع، ومحاولة لتبرئة الفاعل الإقليمي الأساسي، أي الدولة التركية، التي تدير هذه الحرب عبر أدوات محلية، وبخطاب سوري معلب، وبغطاء سياسي دولي يراوح بين الصمت والتواطؤ. فالصمت الدولي هنا ليس حياداً، بل موقف سياسي يسمح باستمرار الجريمة، طالما أنها لا تهدد “الاستقرار” بمعناه الضيق والمصلحي.
إن أي محاولة لفصل ما يحدث في شمال وشرق سوريا عن المشروع التركي الإقليمي، أو عن التاريخ الطويل للإبادة الممنهجة ضد الكورد، سواء في الأناضول أو في سوريا أو في عموم المنطقة، ليست قراءة خاطئة فحسب، بل مشاركة غير مباشرة في إعادة إنتاج الجريمة. فالإبادة لا تبدأ بالقتل الجماعي، بل بإنكار السياق، وتشويه الضحية، وتفكيك الذاكرة، وتحويل الصراع من قضية وجود إلى “خلاف سياسي”.
وفي هذا السياق، يصبح الدفاع عن قوات سوريا الديمقراطية أكثر من مجرد موقف سياسي ظرفي؛ إنه دفاع عن حق شعب في الحياة والكرامة، وعن حقه في أن يكون شريكاً لا تابعاً، ومواطناً لا فائضاً عن الحاجة. كما أنه، في الوقت ذاته، دفاع عن فكرة سوريا ذاتها: سوريا بوصفها وطناً للتعدد، لا مقبرة للهويات؛ مساحة للعيش المشترك، لا ساحة لتصفية الحسابات القومية والإقليمية.
إن سقوط قسد، أو سحق المشروع الذي تمثله، لن يكون هزيمة لفصيل بعينه، بل هزيمة لإمكانية سوريا مختلفة. سوريا لا تدار من مركز واحد، ولا تختزل في هوية واحدة، ولا تحكم بمنطق الغلبة والإلغاء. ومن هنا، فإن المعركة الدائرة اليوم ليست معركة الكورد وحدهم، بل معركة كل من يرى في سوريا وطناً ممكناً، لا مجرد خريطة تعاد صياغتها على مقاس القوى الأقوى.
هذه ليست حرب نفوذ…
هذه حرب على الحق في الوجود.