بقلم: د. عدنان بوزان
ها أنا أقف على حافة الصمت، أعدّ أنفاسي كما يعدّ العابر خطواته على رصيفٍ مهجور.
أنا بخير... حتى إشعارٍ آخر، حتى تكفّ اللحظة عن العبث بي، وحتى يتوقف الوقت عن التسلل إلى أضلعي كظلٍّ ثقيل لا مفرّ منه.
لأن الشوارع لم تعد تترصّد خطاي كذئبٍ صبور، ولأن إشارات المرور لم تعد تصرخ في وجهي بلغةٍ غريبة، ولأن الأرصفة لم تهتزّ تحت قدميّ كلما عبرتُ دون أن ألتفت، فأنا بخير. لأنني بتّ أفهم الصمت وأتقبّله كصديقٍ قديم، وأتعلم كيف أصنع قهوتي سوداء كما يجب، وكيف أفتح النافذة دون أن ينهار الليل فوق كتفيّ، فأنا بخير.
لأنني لم أعد أبحث عن وجهي في ملامح الغرباء، ولا أمدّ قلبي كعملةٍ تالفة على طاولات الوقت، ولا ألاحق الكلمات التي تهرب مني كما تهرب الطيور من صوت الرصاص، فأنا بخير.
لم يعد المطر يعاتبني على غيابي، لم يعد الهواء يثقل صدري، ولم تعد الذكريات تجرّ خطاي إلى الوراء. صرتُ أكتب دون أن أرتجف، وأمشي بلا قيود، وأتنفس بعمقٍ لا يخنقه الحنين.
رغم أن الريح لا تزال تعبث بأشرعتي، والليل يطوي المسافات على مهل كحكيمٍ يقرأ تعاويذ الغياب، ورغم أن الطرقات لم تنسَ اسمي تماماً، فأنا بخير.
لم تعد المرايا تسألني: "ماذا تبقى منك؟"، ولم أعد أبحث عن إجابة. تعلمتُ كيف أرتّق وحدتي بأغانٍ لا تحفظها الجدران، وأعدّ قهوتي دون أن أبحث عن السكر في جيوب الحنين، وأفتح نافذتي دون أن يسقط الليل على رأسي كقصيدةٍ مهجورة.
لم أعد أرتّب ملامحي وفق توقعات العابرين، ولا أُقايض قلبي بمواقيت المدن الباردة، ولا أركض خلف الكلمات الهاربة كأسراب السنونو في آخر الفصول. لم يعد المطر يسألني أين كنت حين كان يهطل وحده، ولم يعد صوت خطواتي يحمل صدى الحروق القديمة.
أنا بخير...
أو هكذا أقنع قلبي، حتى لا يشي بي النبض، وحتى لا تعود الأحلام مرتديةً لون الغياب.
نعم... هل قلتُ لكِ إنني بخير؟
وأنني أتذوّق مرارة حزني الأزلي ببطء، كمن يحتسي وجعه رشفةً بعد أخرى دون أن يرتوي؟
وهل أخبرتكِ أن الحنين يحترق على ملامح الغربة، ويتكئ على وجوه العابرين كظلٍّ لا يفنى؟
وأنني كلما فتحتُ نافذتي، وجدتُ الليل يحدّق بي بعينين مثقلتين بالذكرى، كأنني مرآته المنسية؟