بقلم: د. عدنان بوزان
ليس المقصود من هذا المقال الدفاع عن هذا الطرف أو ذاك، ولا تبرئة أي مسؤول من أخطائه السياسية أو الإعلامية، بل محاولة قراءة المشهد الكوردي كما هو، بعيداً عن العواطف والانفعالات؛ لأن القضية الكوردية اليوم أحوج إلى النقد العقلاني من حاجتها إلى التصفيق أو التخوين.
تابعتُ عن كثب المقابلة التي أجراها السيد سمير آسو (سيبان حمو) ، القائد العسكري السابق في قوات سوريا الديمقراطية، والذي يشغل اليوم منصب معاون وزير في الحكومة السورية الجديدة لشؤون المنطقة الشرقية. ومن الناحية المهنية، لا يمكن القول إن المقابلة كانت قوية؛ فقد شابها ضعف في الخطاب السياسي، وارتباك في التعبير، وبعض زلات اللسان التي كان بالإمكان تجنبها، فضلاً عن رسائل لم تصغ بالقدر الكافي من الدقة والوضوح.
لكن هل هذه هي القضية الأساسية؟
في تقديري، لا.
فالسياسي، عندما ينتقل من موقع الصراع العسكري إلى موقع الاندماج في مؤسسات الدولة، يصبح مضطراً إلى تغيير لغته وخطابه وأولوياته. ومن الواضح أن سيبان حاول، بحسن نية أو ببراءة سياسية، بناء مساحةٍ للتقارب بين قوات سوريا الديمقراطية والسلطة الجديدة في دمشق. وقد ينجح في ذلك أو يفشل، وقد يحسن التعبير أو يسيء إليه، لكن قراءة تصريحاته ينبغي أن تتم في سياق المرحلة السياسية الجديدة، لا من خلال اقتطاع الجمل من سياقها وتحويلها إلى مادة للتشهير.
المفارقة الحقيقية لم تكن في المقابلة، بل في ردود الفعل التي صدرت عن بعض الأوساط الكوردية، والتي انشغلت بمحاكمة الرجل أكثر من انشغالها بتحليل الواقع السياسي.
وهنا يبرز سؤال مشروع:
إذا كانت هذه الفئة تمتلك كل هذا الوعي السياسي، وكل هذه القدرة على توزيع الاتهامات والأحكام، فأين كانت عندما كانت المدن الكوردية تواجه أخطر مراحلها؟ ولماذا غادر كثير منهم إلى أوروبا أو إلى دول الجوار مع بدايات الحرب، تاركين إدارة الملف الكوردي لمن بقوا على الأرض، مهما اختلفنا معهم؟
إن من حق أي إنسان أن يهاجر بحثاً عن الأمن والحياة الكريمة، ولا يجوز تخوين أحد بسبب الهجرة. لكن من غير المقبول أن يتحول بعض من ابتعدوا عن الميدان إلى أوصياء على القضية الكوردية، وأن يمارسوا دور البطولة من خلف الشاشات، بينما يتحمل الآخرون وحدهم كلفة القرار السياسي والعسكري.
ولو كان لدى هؤلاء مشروع سياسي حقيقي، فلماذا تركت الساحة، إلى حد كبير، لقوى مثل حزب العمال الكوردستاني، وقوات سوريا الديمقراطية، ومجلس سوريا الديمقراطية، وغيرها من القوى التي أصبحت اللاعب الرئيس في المنطقة؟ وأين كانت الأحزاب، والنخب، والتيارات التي تدعي اليوم امتلاك الحقيقة الكاملة؟
إن السياسة لا تقاس ببلاغة المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بالقدرة على التنظيم، وبناء المؤسسات، وإدارة الأزمات، وتحمل المسؤولية. ومن السهل جداً انتقاد كل شيء بعد انتهاء المعركة، لكن الأصعب هو اتخاذ القرار عندما تكون النتائج مجهولة.
ومن الملاحظ أيضاً أن كثيراً من الأصوات الأكثر صخباً في النقد لم تعرف يوماً بانخراط فعلي في العمل السياسي الكوردي، لا في مرحلة حكم حزب البعث، ولا بعد عام 2011. كما أن بعضها لم يقدم مشروعاً سياسياً، أو مبادرة وطنية، أو رؤية قابلة للتطبيق، بل اكتفى بدور المعلق الذي يرى الأخطاء في الجميع، من دون أن يضع نفسه يوماً في موقع المسؤولية.
أما الجدل الذي أُثير حول حديث سيبان عن أصوله العربية، فهو في رأيي.. قد جرى تضخيمه أكثر مما يستحق. فالهويات في سوريا، ولا سيما في المناطق المختلطة، تشكلت عبر قرون من التداخل الاجتماعي والعشائري، ولا ينبغي أن تتحول إلى أداة للتخوين أو وسيلة لإثبات الوطنية. وحتى لو اختار الرجل استخدام لغة أكثر شمولاً في مخاطبة الدولة السورية الجديدة، فإن ذلك قد يكون جزءاً من مقتضيات الخطاب السياسي في مرحلة انتقالية، وليس بالضرورة تخلياً عن انتمائه أو تاريخه.
ومن المعروف أن حزب العمال الكوردستاني، بوصفه حزباً ذا مرجعية يسارية وأممية، لم يقم مشروعه على أساس الانتماء القومي الخالص، بل ضم في صفوفه أفراداً من قوميات وخلفيات مختلفة. ومن ثم، فإن اختزال هذا السياق المعقد في جملة واحدة أو تصريح واحد لا يعكس حقيقة المشروع ولا طبيعة المرحلة.
وفي المقابل، فإن دعاة القومية الكوردية الصرفة مدعوون أيضاً إلى مراجعة تجربتهم السياسية، بقدر ما يطالبون الآخرين بالمراجعة. فالقضية الكوردية لا تبنى بالشعارات، ولا بالخطابات النارية، ولا بالمزايدة على من هم في الميدان، وإنما تبنى بالمشروع السياسي، وبالمؤسسات، وبالقدرة على جمع الكورد حول رؤية وطنية مشتركة.
لقد عانت الحركة السياسية الكوردية طويلاً من ثقافة التخوين المتبادل، حتى أصبح الخطأ اللفظي أخطر من الخطأ الاستراتيجي، وأصبحت محاكمة الأشخاص تطغى على مناقشة المشاريع. وهذا أحد أسباب تعثر الخطاب الكوردي، وفشله في بناء رأي عام موحد قادر على الدفاع عن الحقوق القومية ضمن رؤية سياسية واقعية.
إن القضية الكوردية اليوم لا تحتاج إلى مزيد من القضاة، بل إلى مزيد من السياسيين. ولا تحتاج إلى أبطال افتراضيين، بل إلى رجال دولة يمتلكون شجاعة القرار، حتى وإن أخطأوا. فالسياسة ليست فن العصمة، وإنما فن إدارة الممكن في زمن تتغير فيه الموازين كل يوم.
ولهذا، فإن النقد الحقيقي يجب أن يكون موجهاً إلى الأداء، والبرامج، والقرارات، لا إلى حملات التشهير والمزايدات. أما الذين يرفعون سقف الخطاب القومي، دون أن يقدموا مشروعاً سياسياً أو يتحملوا مسؤولية وطنية، فعليهم أن يجيبوا أولاً عن سؤال بسيط: ماذا قدمتم للقضية الكوردية، غير الكلام؟