من قضية شعب إلى صراع جماعات: أين ضاع المشروع الكوردي؟ في نقد الواقع السياسي الكوردي في سوريا وانهيار البوصلة السياسية
- Super User
- مقالات سياسية
- الزيارات: 167
بقلم: د. عدنان بوزان
تابعت وقرأت بتمعن أغلب التعليقات التي كتبت على مقالي السابق: «حين يتراجع العلم.. تعود العشيرة: عن انتكاسة الوعي الكوردي في كوباني»، ولم أكن أبحث فيها عن المديح أو التأييد، بقدر ما كنت أبحث عن إجابة لسؤال أكثر خطورة وأهمية: هل ما زال في المجتمع الكوردي من يدرك أن ما يجري ليس مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، وإنما مؤشر على خلل عميق في مسار الوعي السياسي والاجتماعي الذي دفع الكورد ثمناً باهظاً من أجله؟ والحقيقة التي خرجت بها من قراءة تلك التعليقات كانت أكثر إيلاماً من الظاهرة نفسها؛ فأغلب من كتبوا ليسوا من عامة الناس، وإنما من النخبة المثقفة، والسياسيين، ومسؤولي الأحزاب والمنظمات، ومن أبناء الجيل السياسي القديم الذي عاش القمع والاعتقال والمطاردة والتعذيب والتشريد والمنفى، وعرف عن قرب معنى أن يجرد الإنسان من حقه في التعبير، وأن يطارد بسبب اسمه وهويته، وأن يعتقل لأنه قال كلمة، وأن يجبر على مغادرة أرضه ووطنه. وهؤلاء، قبل غيرهم، يعرفون أن المجتمع الذي يدفع من السياسة إلى العشيرة، ومن المواطنة إلى العصبية، ومن الفكر إلى الولاء الشخصي، لا يتقدم، وإنما يتراجع إلى الخلف. لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل نحن ضد عودة العشائرية؟ فأغلبنا سيجيب: نعم. وإنما السؤال الذي يجب أن يواجهنا جميعاً هو: ماذا فعلنا لمنعها؟
هنا تبدأ المشكلة، وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي للنخبة الكوردية. لقد أصبحنا بارعين في تشخيص المرض، لكننا عاجزون عن إنتاج العلاج؛ نعرف الخطر، ونصفه بدقة، ونكتب عنه، ونتحدث في المجالس والمنصات، ثم نعود إلى بيوتنا ومكاتبنا وكأن شيئاً لم يحدث. نعرف أن العشائرية ليست مشروعاً سياسياً حديثاً للكورد، وأن إعادة المجتمع إلى منطق العشيرة والقبيلة والزعامة المحلية لا يمكن أن تكون بديلاً عن الوعي السياسي والمواطنة والمؤسسة، ونعرف أن الإنسان الكوردي الذي دفع حياته وكرامته ثمناً لانتمائه السياسي والوطني لا يجوز اختزاله في اسم عشيرة أو عائلة أو وجاهة اجتماعية؛ لكننا، رغم معرفتنا بكل ذلك، نسمح لهذا المسار بأن يتمدد أمام أعيننا. وهنا يجب أن نتوقف طويلاً، لأن القضية لم تعد قضية عشيرة هنا أو عائلة هناك، ولا قضية شخص يحاول استعادة نفوذه الاجتماعي، ولا ظاهرة محلية في مدينة أو منطقة؛ القضية أعمق بكثير: ماذا بقي من الوعي السياسي الكوردي؟
ماذا بقي من ذلك الجيل الذي كان يرى في السياسة وسيلة لتحرير الإنسان لا وسيلة للحصول على موقع؟ ماذا بقي من المثقف الذي كان يضع مصلحة الشعب فوق مصلحة الحزب؟ ماذا بقي من السياسي الذي كان يعرف أن الخلاف السياسي لا يعني تحويل المجتمع إلى جزر متناحرة؟ وماذا بقي من الإنسان الذي كان يرى مستقبله جزءاً من مستقبل شعب كامل، لا مشروعاً شخصياً أو عائلياً؟ لقد أصبحنا أمام مفارقة مؤلمة: أحزاب كثيرة، ومؤسسات ومنظمات ومثقفون وناشطون ووسائل إعلام وخطابات سياسية لا تنتهي، لكننا عندما تصل القضية إلى لحظة تحتاج فيها إلى إرادة سياسية مشتركة، نجد أنفسنا عاجزين حتى عن الاتفاق على الحد الأدنى من الأولويات. وهذا هو المأزق الحقيقي.
ليس تعدد الأحزاب وحده المشكلة، ولا كثرة الشخصيات، ولا تعدد التيارات؛ المشكلة أن السياسة الكوردية السورية لم تستطع، حتى الآن، تحويل هذا التنوع إلى قوة سياسية منظمة. بل تحول التنوع في كثير من الأحيان إلى انقسام، والانقسام إلى خصومة، والخصومة إلى تخوين، والتخوين إلى تعطيل، بينما يتقدم الآخرون في بناء مشاريعهم السياسية والاستراتيجية.
وهنا لا بد من قول الكلام بصراحة، مهما كان مؤلماً: ليس من حق أي حزب كوردي أن يضع نفسه فوق الشعب، وليس من حق أي شخصية سياسية أن تتعامل مع القضية الكوردية باعتبارها ملكاً حزبياً، وليس من حق أي تيار أن يختصر الكورد في نفسه، كما ليس من حق أي طرف أن يتحدث باسم الكورد جميعاً من دون توافق سياسي ومجتمعي حقيقي. فالواقع الكوردي ليس حزباً واحداً، ولا تياراً واحداً، ولا مشروعاً واحداً، لكن تعدد المشاريع لا يعني أن نبقى أسرى للخلاف.
يمكن للكورد أن يختلفوا في شكل الدولة، ودرجة اللامركزية، وطبيعة العلاقة بين المركز والمناطق، والبرامج الاقتصادية والاجتماعية، والتحالفات الإقليمية والدولية، والوسائل السياسية، وقراءة التاريخ؛ لكن هناك قضايا لا يجوز أن تكون موضع مساومة أو تجزئة: كرامة الإنسان الكوردي، الاعتراف بالوجود الكوردي، الحقوق القومية والثقافية واللغوية، المساواة السياسية، منع التمييز، ضمان المشاركة السياسية، حماية الشعب من سياسات التغيير القسري، ورفض تحويل الكورد إلى أدوات في صراعات الآخرين. هذه ليست ملكاً لحزب، ولا لزعيم، ولا لعشيرة؛ هذه ملك للشعب، ومن واجب كل قوة سياسية أن تتعامل معها بوصفها أرضية مشتركة لا ورقة للمزايدة.
والأخطر من ذلك أن الواقع السوري لا ينتظر أحداً. سوريا دخلت مرحلة سياسية جديدة، ومعها بدأت إعادة ترتيب مؤسسات الدولة وعلاقات القوى وموقع المكونات المختلفة، فيما لا تزال المسألة الكوردية وقضايا الحقوق والتمثيل واللامركزية وطبيعة العلاقة مع المركز موضع تفاوض وصراع. وفي مثل هذه اللحظة لا يملك الكورد رفاهية إضاعة الوقت في صراعاتهم الداخلية؛ لأن الفراغ السياسي لا يبقى فراغاً. إذا لم نملأه نحن، ملأه غيرنا؛ وإذا لم نحدد موقعنا في الخريطة السياسية، سيحدد الآخرون موقعنا نيابة عنا؛ وإذا لم ننتج رؤيتنا السياسية، سنجد أنفسنا في النهاية داخل رؤية لم نصنعها.
وليس المطلوب أن نتفق جميعاً على حزب واحد، ولا أن نلغي الاختلاف، ولا أن نعود إلى صيغة سياسية جامدة تحت شعار الوحدة. المطلوب أبسط من ذلك وأعمق: أن نتفق على مصلحة الشعب قبل مصلحة التنظيم. هذه هي نقطة البداية. لأن أكبر كارثة أصابت السياسة الكوردية ليست الانقسام الحزبي وحده، وإنما تحول بعض الأحزاب من وسيلة لخدمة الشعب إلى غاية قائمة بذاتها؛ فعندما يصبح الحزب أهم من الشعب تبدأ الكارثة، وعندما يصبح الزعيم أهم من القضية تبدأ الكارثة، وعندما تصبح العلاقة الشخصية أهم من المشروع السياسي تبدأ الكارثة، وعندما يصبح التمويل الخارجي أهم من القرار السياسي المستقل تبدأ الكارثة، وعندما يصبح الحساب الحزبي أهم من مستقبل الأجيال تبدأ الكارثة. وعندما يعود المجتمع إلى العشيرة لأن النخب السياسية عجزت عن تقديم مشروع وطني جامع، فهذه ليست مشكلة العشيرة وحدها، بل إدانة لفشل النخبة السياسية في أداء وظيفتها التاريخية.
ولا يمكن أن نلوم الناس دائماً. إذا تركت النخبة السياسية الشعب بلا مشروع، سيبحث الشعب عن بديل؛ وإذا لم يجد المواطن مؤسسة تحمي مصالحه، قد يعود إلى العائلة؛ وإذا لم يجد دولة تحميه، قد يبحث عن العشيرة؛ وإذا لم يجد حزباً يمثل صوته، قد يبحث عن زعيم محلي؛ وإذا فقد الإنسان ثقته بالمؤسسات، فسوف يبحث بصورة طبيعية عن أقرب دائرة اجتماعية تمنحه شعوراً بالأمان. هذا لا يعني تبرئة القبلية والعشائرية، لكنه يفسر أحد أسباب عودتها. ولذلك فإن مواجهة العشائرية لا تكون بمحاضرة أخلاقية عن سلبياتها، وإنما ببناء البديل: ابنوا المؤسسات تتراجع العشيرة، ابنوا السياسة يتراجع الولاء الشخصي، ابنوا المواطنة تتراجع العصبية، ابنوا دولة القانون يتراجع نفوذ الوجاهة، وابنوا مجتمعاً مدنياً حقيقياً يتراجع منطق الزعامة التقليدية. أما أن نترك الناس بلا مشروع ثم نلومهم لأنهم بحثوا عن ملاذ اجتماعي بديل، فذلك ليس حلاً، بل هروب من أصل المشكلة.
وهناك سؤال آخر يجب ألا نهرب منه: لماذا تستفيد بعض القوى من إعادة الشعب إلى هذه الحالة؟ لا أقول إن كل مظاهر العشائرية صناعة خارجية، ولا يجوز بناء تحليل سياسي كامل على نظرية المؤامرة، لكن من السذاجة السياسية أيضاً أن نتصرف وكأن القوى الإقليمية والدولية لا تستثمر في الانقسامات الاجتماعية والسياسية. كل قوة سياسية تبحث عن نقاط القوة والضعف في المجتمعات التي تتعامل معها، والشعب المنقسم أسهل في الاحتواء من الشعب المتماسك، والمجتمع المنشغل بالصراعات العائلية أسهل في التأثير فيه من مجتمع يمتلك مؤسسات سياسية قوية، والسياسي الذي يبحث عن حماية خارجية أسهل في استخدامه من مجتمع يمتلك قراراً سياسياً مستقلاً. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نختلف على كل شيء، ثم نترك الآخرين يختلفون بالنيابة عنا، ويتفاوضون باسمنا، ويقررون مستقبل مناطقنا، بينما نحن منشغلون بالسؤال: من يمثل الكورد أكثر؟
السؤال الحقيقي ليس من يمثل الكورد أكثر، وإنما: كيف يستطيع الكورد أن يمثلوا أنفسهم سياسياً بطريقة تحفظ تعددهم وتمنع احتكار تمثيلهم؟ وهنا يأتي دور المثقف. المثقف الكوردي ليس موظف علاقات عامة لهذا الحزب أو ذاك، وليس مطلوباً منه أن يصفق للزعيم أو يهاجم خصومه نيابة عنه أو يصنع تبريرات سياسية للأخطاء. المثقف الحقيقي يجب أن يكون قادراً على قول الحقيقة للجميع: للحزب الذي يؤيده، وللحزب الذي يختلف معه، وللقيادة التي يعرفها، وللقيادة التي لا يعرفها، وللمجتمع نفسه عندما يخطئ. لأن أخطر لحظة على أي شعب ليست لحظة وجود عدو خارجي، وإنما اللحظة التي تفقد فيها النخبة القدرة على نقد الذات.
نحن نعرف كيف ننتقد دمشق، ونعرف كيف ننتقد أنقرة، ونعرف كيف ننتقد القوى الإقليمية والدولية، لكن هل نعرف كيف ننتقد أنفسنا؟ هل نملك الشجاعة لنقول إن جزءاً من مأزقنا نحن من صنعناه؟ هل نملك الشجاعة لنقول إن الانقسام الكوردي ليس قدراً؟ وإن بعض الأحزاب أخطأت؟ وإن بعض القيادات أخطأت؟ وإن بعض المثقفين صمتوا عندما كان يجب أن يتكلموا؟ وإن بعض السياسيين حولوا الخلاف السياسي إلى خصومة شخصية؟ وإن بعض النخب ساهمت، بقصد أو من دون قصد، في تحويل الشعب إلى جمهور حزبي بدلاً من مواطنين؟ إذا لم نمتلك هذه الشجاعة، فلن يتغير شيء. فالاعتراف بالخطأ ليس هزيمة؛ الهزيمة الحقيقية أن تعرف أنك تسير في الطريق الخطأ ثم تستمر فيه لأن الاعتراف بالخطأ قد يكلفك موقعاً أو نفوذاً أو صورة سياسية.
إن الشعب الكوردي في سوريا لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الشعارات، وإنما يحتاج إلى عقل سياسي جديد؛ عقل يخرج من ثنائية التخوين والتقديس، ومن عقلية «معنا أو ضدنا»، ومن فكرة أن الحزب هو القضية، وأن الزعيم هو التاريخ، وأن الخلاف مع القيادة خيانة، وأن النقد مؤامرة، وأن كل من يختلف معنا يعمل لحساب الآخرين. هذه العقلية يجب أن تنتهي. نحن بحاجة إلى سياسة تستطيع أن تقول بوضوح: نختلف، ولكننا لا نتحارب؛ نختلف، ولكننا لا نخون؛ نختلف، ولكننا لا نستخدم الشعب ضد بعضنا؛ نختلف، ولكننا لا نقدم مصالح الآخرين على مصالح شعبنا؛ ونختلف، ولكن عندما يتعلق الأمر بالحقوق الأساسية نقف معاً. هذه ليست مثالية سياسية، وإنما ضرورة وجودية.
لقد شهدت السنوات الماضية محاولات لتوحيد الموقف الكوردي السوري، لكن الخلافات السياسية والتنظيمية ظلت تحول دون بناء تمثيل كوردي موحد قادر على تحويل التعدد إلى قوة تفاوضية حقيقية. وهذا تحديداً ما يجب أن يدفعنا إلى السؤال: كم فرصة أخرى نحتاج حتى نفهم؟ كم مرة يجب أن ننتظر حتى ندرك أن التاريخ لا ينتظر الشعوب المترددة؟ لقد مر الكورد في سوريا بعقود من التمييز والقمع والاعتقال والحرمان من الحقوق، ثم جاءت سنوات الحرب بما حملته من تهجير ونزوح وانقسام وتدخلات إقليمية ودولية، واليوم، مع إعادة تشكيل الدولة السورية، يتشكل في الوقت نفسه مستقبل الحقوق الكوردية وموقع الكورد داخل الدولة الجديدة. وهنا تصبح المسؤولية التاريخية أكبر من أي وقت مضى.
فإذا دخلنا المرحلة الجديدة ونحن منقسمون إلى أحزاب وعشائر ومراكز نفوذ وشخصيات ومناطق، فسيكون الآخرون أكثر قدرة على صياغة مستقبلنا. أما إذا دخلناها بعقل سياسي موحد، لا يعني إلغاء التعدد، وإنما امتلاك حد أدنى مشترك من الرؤية، فإننا نستطيع أن نكون طرفاً سياسياً حقيقياً، لا مجرد موضوع للتفاوض. وهذا هو الفارق بين شعب يمتلك قضية ويعمل من أجلها، وشعب يتحول إلى ورقة في قضايا الآخرين.
لذلك أقولها بوضوح شديد: كفى انتظاراً. كفى انتظاراً أن يأتي الحل من الخارج، وكفى انتظاراً أن يتفق الآخرون نيابة عنا، وكفى انتظاراً أن ينقذنا حزب واحد أو زعيم واحد، وكفى انتظاراً أن تأتي دولة إقليمية وتحمل قضيتنا، وكفى انتظاراً أن تأتي واشنطن أو موسكو أو أنقرة أو دمشق لتقرر لنا ماذا نريد. لا أحد سيحمل قضيتنا بدلاً منا. قد تساعدنا القوى الدولية، وقد تتقاطع مصالحها معنا، وقد تعترف بحقوقنا في مرحلة وتضغط علينا في مرحلة أخرى، لكن الدول تتحرك وفق مصالحها، لا وفق عاطفة قومية تجاهنا. ولهذا فإن أول درس في السياسة يجب أن نفهمه هو: الصديق الخارجي مهم، لكن القرار الداخلي أهم؛ والمساعدة الدولية مفيدة، لكن الوحدة السياسية أقوى؛ والتحالفات ضرورية، لكن من دون مشروع ذاتي يمكن أن تتحول إلى تبعية.
أما نحن فما زلنا نهدر جزءاً كبيراً من طاقتنا في سؤال عبثي: من هو الكوردي الأكثر وطنية؟ لا أحد يستطيع احتكار الوطنية؛ الوطنية ليست بطاقة حزبية، والقضية ليست ملكاً لتنظيم، والكوردية ليست شهادة يمنحها حزب لآخر، والاختلاف في الرؤية السياسية لا يسقط عن الإنسان انتماءه. فلنترك هذه اللغة القديمة، ولننتقل إلى لغة سياسية جديدة تقوم على المسؤولية لا على التخوين، وعلى المشروع لا على الشخص، وعلى المصلحة العامة لا على الولاء التنظيمي.
نحن أمام جيل جديد لم يعش بالضرورة كل تجارب القمع التي عاشها الجيل السابق، لكنه يعيش في عالم مختلف؛ عالم الإنترنت والهجرة والحدود المفتوحة والتحولات الجيوسياسية وتراجع الأحزاب التقليدية وصعود أشكال جديدة من السياسة والمجتمع. وإذا لم نقدم لهذا الجيل مشروعاً سياسياً وفكرياً حديثاً، فسيبحث عن مشروع آخر؛ وإذا لم نعطه معنى للانتماء، فقد تعطيه العشيرة ذلك المعنى؛ وإذا لم نعطه مؤسسة، سيبحث عن شخص؛ وإذا لم نعطه أملاً سياسياً، فقد يبحث عن باب للهجرة. ولذلك فإن المسألة أخطر بكثير من مجرد عودة بعض المظاهر العشائرية؛ إنها مسألة مستقبل شعب بأكمله.
المعركة الحقيقية، إذن، ليست بين العشيرة والحزب، وإنما بين الوعي والتراجع، والمواطنة والعصبية، والمؤسسة والزعامة الشخصية، والسياسة الحديثة والولاءات التقليدية، ومشروع المستقبل وحنين الماضي. وإذا كنا نرفض أن يعود المجتمع إلى الوراء، فعلينا أن نقدم له شيئاً يتقدم به إلى الأمام. لا يكفي أن نقول للشاب: لا تكن عشائرياً؛ يجب أن نسأله: ماذا أعطيناك بديلاً؟ ولا يكفي أن نقول للناس: لا تنقسموا؛ يجب أن نبني لهم إطاراً سياسياً يستطيعون الالتقاء فيه. ولا يكفي أن نقول إن الوحدة الكوردية مهمة؛ يجب أن نحول الوحدة من شعار إلى مؤسسات وآليات وقرارات ومصالح مشتركة.
ومن هنا، فإن ما تحتاجه النخبة الكوردية اليوم ليس اجتماعاً جديداً للصور والبيانات والخطب، وإنما عقداً سياسياً كوردياً جديداً؛ عقداً لا يقوم على توحيد الأحزاب، بل على توحيد الأولويات؛ لا يلغي الاختلاف، بل ينظمه؛ لا يلغي التعدد، بل يحوله إلى قوة؛ لا يفرض زعيماً واحداً، بل يرسخ مبدأ تداول المسؤولية؛ ولا يبحث عن إجماع كامل، بل عن حد أدنى وطني واضح. وأهم ما يجب أن يقوم عليه هذا العقد هو الاتفاق على أن المصلحة الكوردية السورية لا يمكن أن تكون رهينة لأي محور إقليمي أو دولي.
نحن جزء من سوريا، لكن لنا حقوقنا القومية والثقافية والسياسية. نريد دولة سورية حديثة وديمقراطية تضمن المساواة، لكننا نرفض أن تكون وحدة الدولة ذريعة لإنكار الوجود والحقوق. نريد علاقة متوازنة مع جميع المكونات السورية، لأن حقوق الكورد لا ينبغي أن تقوم على إنكار حقوق الآخرين. ونريد للكورد موقعهم السياسي الواضح في مستقبل سوريا، لكن هذا الموقع لا يبنى بإقصاء الكورد الآخرين ولا باحتكار التمثيل. هذه هي السياسة التي نحتاجها: سياسة لا تبحث عن انتصار حزب على حزب، وإنما عن انتصار الشعب على أزمته.
وأخيراً، أقول لكل من كتب تعليقاً على المقال السابق، ولكل مثقف وسياسي ومسؤول ومناضل كوردي: إذا كنتم جميعاً ترفضون عودة العشائرية، وإذا كنتم جميعاً تعرفون خطورتها، وإذا كنتم جميعاً تعرفون أن الانقسام يخدم الآخرين، وإذا كنتم جميعاً تعرفون أن المرحلة خطيرة، فماذا ننتظر؟ ماذا ننتظر حتى نتحرك؟ هل ننتظر أن تتغير الخريطة مرة أخرى؟ هل ننتظر أن تنتهي المفاوضات؟ هل ننتظر أن يقرر الآخرون مستقبلنا؟ هل ننتظر أن يفقد الجيل الجديد ثقته بنا؟ هل ننتظر أن تصبح العشيرة أقوى من المؤسسة؟ هل ننتظر أن تصبح الهجرة المشروع الوحيد أمام الشباب؟ أم ننتظر حتى يصبح الحديث عن الحقوق الكوردية مجرد فصل في كتاب التاريخ؟
لا أريد أن أكون متشائماً، لكنني أيضاً لا أريد أن أخدع نفسي بالتفاؤل المجاني. الشعوب لا تخسر فقط عندما يهزمها الآخرون؛ أحياناً تخسر عندما تعرف الخطر ولا تفعل شيئاً. والكورد في سوريا اليوم لا يحتاجون إلى مزيد من الخطابات التي تطمئنهم، بل إلى خطاب يوقظهم؛ لا يحتاجون إلى من يقول لهم إن كل شيء بخير، بل إلى من يقول لهم إن الوقت ضيق، وإن الفرص لا تتكرر، وإن الخلافات التي تبدو اليوم حزبية قد تتحول غداً إلى خسائر تاريخية.
ولهذا فإن المطلوب منا جميعاً، أحزاباً ومثقفين ومنظمات وفعاليات اجتماعية ونخباً وشخصيات مستقلة، أن نخرج من منطق «ماذا سيعطيني هذا المشروع؟» إلى منطق «ماذا سيعطي هذا المشروع لشعبي؟»؛ أن نضع القضية قبل الحزب، والشعب قبل التنظيم، والمستقبل قبل الماضي، والعقل قبل العاطفة، والحكمة قبل الانفعال، والسياسة قبل العشيرة، والوعي قبل العصبية، والمصلحة العامة قبل الأجندات الشخصية والإقليمية. لأننا إذا لم نفعل ذلك الآن، فقد لا يكون السؤال غداً: لماذا عادت العشيرة؟ بل سيكون السؤال الأكثر قسوة: كيف عرفنا جميعاً ما كان يحدث، ثم تركناه يحدث؟
وهذا هو السؤال الذي لا ينبغي أن نتركه للتاريخ.