بقلم: د. عدنان بوزان
لابد من توضيح بعض المصطلحات التي يجري تداولها في الخطاب السياسي حول الكورد في سوريا؛ لأن التلاعب بالمصطلحات لا يغير الكلمات فقط، بل قد يغير معنى القضية نفسها، ويحول الحقوق من مضمون سياسي ودستوري إلى عناوين ثقافية ولغوية محدودة، وقد يمرَّر عبرها استخفاف بعقول شعب كامل، حين يطلب منه أن يرى في جزء من حقوقه صورة القضية كلها.
فهل نحن أمام شعب أم مكون؟ وقضية أم مسألة؟ وحقوق سياسية ودستورية أم حقوق ثقافية ولغوية فقط؟ وهل اللغة الكوردية لغة وطنية أم لغة رسمية؟ وهل الاعتراف بالهوية يعني بالضرورة الاعتراف بالحقوق التي تترتب عليها؟ وهل يكفي أن تدخل اللغة الكوردية إلى المدرسة لكي يقال إن القضية الكوردية دخلت مرحلة الحل؟
هذه ليست لعبة مصطلحات؛ لأن الكلمة هنا قد ترسم حدود الحق، وقد تختصر قضية شعب في حصة دراسية. ومن هنا يبدأ سُلَّم الحقيقة؛ نصعده درجةً درجة، حتى تتساقط الأقنعة وتظهر الأشياء بأسمائها.
وليست المشكلة في أن تدرس اللغة الكوردية في المدارس، ولا في أن تعترف الدولة بالوجود الثقافي واللغوي للكورد؛ فتعليم اللغة الأم، وصون الثقافة، وحماية التراث، وممارسة الخصوصية اللغوية، ليست امتيازات تمنحها السلطة لمن تشاء، وإنما حقوق أصيلة لا ينبغي أن تكون موضع منّة سياسية من أي حكومة. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول هذه الحقوق، التي تمثل جزءاً من قضية أكبر بكثير، إلى سقف نهائي للمطالب السياسية، وعندما يجري اختزال قضية شعب كامل في كتاب مدرسي، وعدد من الحصص الأسبوعية، وبعض الأنشطة الثقافية.
هنا تحديداً ينبغي إعادة فتح النقاش من أساسه، لا من هامشه؛ لأن القضية الكوردية ليست قضية لغة فقط، ولا قضية ثقافة فقط، ولا قضية اعتراف رمزي بالهوية. إنها قضية شعب له وجود تاريخي، وهوية قومية، وحقوق سياسية ومدنية ودستورية. ومن ثم، فإن التعامل معها باعتبارها مجرد ملف ثقافي يعني، في جوهره، إعادة تعريف القضية قبل حلها.
وهذا هو الفارق الذي يجب أن يكون واضحاً في الخطاب السياسي والقانوني: اللغة جزء من الهوية، لكنها ليست كل الهوية؛ والثقافة مكوّن من مكونات الوجود القومي، لكنها ليست بديلاً عن الحقوق السياسية؛ والتعليم باللغة الأم حق أساسي، لكنه لا يساوي الاعتراف السياسي الكامل بشعب وحقوقه.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل حصل الكورد على حق تعليم لغتهم؟ فهذا حق ينبغي تثبيته وحمايته. ومن جانب الاخر هل أصبح الاعتراف باللغة بديلاً عن الاعتراف السياسي؟ وهل يجري التعامل مع القضية الكوردية بوصفها قضية شعب، أم يجري اختزالها تدريجياً إلى قضية جماعة ثقافية ولغوية داخل الدولة؟
هذه ليست قضية لغوية في جوهرها، وإنما قضية تتعلق بطبيعة الدولة ذاتها، وبحدود المواطنة، وبمفهوم المساواة، وبالعلاقة بين الوحدة السياسية والتعدد القومي، وبالحقوق التي يمكن أن تترتب قانوناً ودستورياً على وجود شعب ذي هوية قومية متميزة داخل دولة متعددة المكونات والقوميات.
ومن هذه الزاوية، فإن المرسوم رقم 13 لعام 2026 يمثل تطوراً قانونياً مهماً لا يصح إنكاره أو التقليل من شأنه. فقد نص صراحة على أن المواطنين السوريين الكورد ( هل السوريين الكورد أم الكورد السوريين) «جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري»، واعتبر هويتهم الثقافية واللغوية جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة، وألزم الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي، واعتبر اللغة الكوردية «لغة وطنية»، كما ألغى التدابير الاستثنائية المرتبطة بإحصاء عام 1962، ونص على منح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كوردية المشمولين بأحكامه، وأعلن نوروز عطلة رسمية.
وهذه كلها تطورات ذات قيمة قانونية وسياسية، ولا ينبغي إنكارها لمجرد أنها لا تحقق كل ما يراه الكورد حقاً لهم. لكن الاعتراف القانوني بوجود الكورد بوصفهم جزءاً أصيلاً من الشعب السوري لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإغلاق النقاش حول طبيعة الحقوق التي تترتب على هذا الاعتراف.
فالقاعدة القانونية البسيطة تقول إن الاعتراف بواقعة أو هوية لا ينهي بالضرورة البحث في الآثار القانونية المترتبة عليها. وإذا كانت الدولة تعترف بالكورد جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، فإن السؤال التالي يصبح مشروعاً، بل ضرورياً: ما النتائج الدستورية والسياسية والقانونية التي ينبغي أن تترتب على هذا الاعتراف؟
هنا تبدأ القضية الحقيقية.
فأن تقول الدولة إن الكورد جزء أصيل من الشعب السوري هو مستوى من الاعتراف؛ وأن تحدد، دستورياً وقانونياً، ما يترتب على هذا الاعتراف من حقوق ومشاركة وتمثيل وضمانات مؤسساتية، هو مستوى آخر. وبين الاعتراف بالوجود والاعتراف بالحقوق مساحة سياسية وقانونية لا يجوز القفز فوقها.
والأمر نفسه ينطبق على اللغة. فالمرسوم وصف الكوردية بأنها «لغة وطنية»، وسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكل فيها المواطنون الكورد نسبة ملحوظة من السكان، ضمن إطار المناهج والتعليم. ثم اعتمدت وزارة التربية في بداية العام الدراسي 2026-2027 تدريسها في المدارس، قبل أن تعدل التعليمات التنفيذية في آب/أغسطس، بحيث أصبحت المادة تدرس بثلاث حصص أسبوعياً، إلى جانب مادة الأنشطة.
وهنا تظهر ضرورة التمييز القانوني الدقيق بين اللغة الوطنية واللغة الرسمية. فالمرسوم لم يمنح الكوردية صفة اللغة الرسمية للدولة، وإنما منحها وصف «لغة وطنية»، وأقر حق تدريسها في نطاق محدد. وهذا فرق ليس شكلياً؛ لأن اللغة الرسمية ترتبط، عادةً، بممارسة وظائف الدولة ومؤسساتها وإدارتها وقضائها وتشريعاتها، بينما يمكن للغة أن تكون وطنية ومحمية ومعترفاً بها من دون أن تتمتع بالمكانة القانونية نفسها في مؤسسات الدولة.
ولذلك، فإن الاحتفال بالاعتراف بالكوردية بوصفها لغة وطنية ينبغي ألا يقود إلى الخلط بين مستويين مختلفين من الاعتراف: الاعتراف الثقافي واللغوي من جهة، والاعتراف المؤسسي والسياسي والدستوري من جهة أخرى.
إن القضية الكوردية لا تقاس بعدد الحصص الأسبوعية، مهما كان عددها، ولا بعدد الكتب التي تطبع بالكوردية، ولا بعدد المناسبات التي تعترف بها الدولة. هذه كلها عناصر مهمة، لكنها تقع في مجال الحقوق الثقافية واللغوية، بينما تطرح القضية الكوردية أسئلة تتجاوز الثقافة إلى بنية الدولة نفسها.
من يشارك في صناعة القرار؟ كيف يضمن التمثيل السياسي؟ ما حدود المركزية؟ ما شكل اللامركزية؟ كيف توزع الصلاحيات بين المركز والمناطق؟ كيف تحمى الحقوق الجماعية؟ كيف تصاغ الضمانات الدستورية؟ وما المكانة القانونية للغة الكوردية في الإدارة والتعليم والقضاء والحياة العامة؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها حصة دراسية، ولا يمكن لمرسوم ثقافي، مهما كانت أهميته، أن يحسمها وحده.
وهنا يجب أن نميز أيضاً بين التعدد الثقافي والتعدد القومي. فالتعدد الثقافي يعني وجود لغات وثقافات وأديان وتقاليد متعددة داخل الدولة، ويمكن للدولة أن تحمي هذا التنوع من خلال التشريعات الثقافية والتعليمية والإدارية. أما التعدد القومي فيتصل بمسألة أعمق: وجود جماعات قومية ذات هوية ووعي وخصوصية تاريخية وسياسية، وما إذا كان هذا الوجود يترتب عليه الاعتراف بحقوق جماعية وسياسية إلى جانب الحقوق الفردية.
ولهذا، فإن القول إن «سوريا متعددة» لا يكفي وحده لحسم القضية الكوردية. وكذلك القول إن «الكورد جزء من النسيج السوري» لا ينبغي أن يتحول إلى عبارة سياسية تستخدم لإلغاء خصوصية الكورد أو لتذويب حقوقهم في مفهوم عام للمواطنة.
فالمواطنة المتساوية لا تعني بالضرورة إنكار التعدد القومي، كما أن الاعتراف بالتعدد القومي لا يعني بالضرورة تفكيك الدولة أو تقسيمها. هذه ثنائية زائفة ينبغي التخلص منها. يمكن للدولة أن تكون موحدة وسيادية، وفي الوقت نفسه تعترف بتعددها القومي والثقافي، وتضع ترتيبات دستورية ومؤسساتية تضمن مشاركة مكوناتها وحقوقها.
ومن هنا، فإن الخطأ الأكبر هو وضع الوحدة الوطنية في مواجهة الحقوق القومية، وكأن الاعتراف بحقوق الكورد تهديد لوحدة سوريا. الوحدة التي تحتاج إلى إنكار هوية جزء من مواطنيها ليست وحدة سياسية راسخة، بل وحدة هشة تحتاج دائماً إلى أدوات الإكراه لحماية نفسها. أما الوحدة القائمة على الاعتراف والمساواة والضمانات الدستورية، فهي أكثر قدرة على الاستمرار؛ لأنها لا تطلب من أحد أن يتخلى عن هويته لكي يصبح مواطناً.
لكن النقد لا ينبغي أن يتوجه إلى الدولة وحدها.
فإذا كانت هناك قيادة كوردية تدّعي تمثيل الكورد والتفاوض باسمهم، فإن من حق الشعب الكوردي، بل من واجبه، أن يسألها عن مضمون ما تفاوضت عليه وعن حدود ما قبلته. ما الذي طلب باسم الكورد؟ وما الذي قبل؟ وما الذي رفض؟ وما الذي أُجّل؟ وهل كانت الحقوق السياسية والدستورية، واللامركزية، والتمثيل، والمشاركة في مؤسسات الدولة، جزءاً من جدول المطالب؟ أم أن التفاوض انتهى، بصورة أو بأخرى، إلى ملف اللغة والثقافة والتعليم؟
هذه ليست أسئلة تخوين، وليست محاولة لإسقاط أحد، وإنما هي جوهر المساءلة السياسية في أي مجتمع ديمقراطي.
فالقيادة التي تطلب من شعبها الاعتراف بها ممثلاً سياسياً لا تستطيع، في الوقت نفسه، أن تعتبر الشعب خارج دائرة المعرفة والمساءلة. ولا يجوز أن تتحول المفاوضات السياسية إلى مساحة مغلقة، ثم يطلب من الجمهور لاحقاً التصفيق لنتائجها من دون معرفة ما كان مطروحاً على الطاولة وما تم التخلي عنه.
وإذا ثبت أن سقف التفاوض قد انخفض من المطالب السياسية والدستورية إلى الاعتراف باللغة والثقافة والتعليم، فإن المشكلة لا تعود مرتبطة فقط بما تريده الدولة، وإنما أيضاً بما تقبله القيادة التي تفاوض باسم الشعب.
وهنا يجب أن يكون النقد صريحاً: القيادة السياسية لا تقاس فقط بما تنتزعه من حقوق، وإنما أيضاً بما تتنازل عنه، وبما تضعه أصلاً على طاولة التفاوض، وبالسقف الذي تقرر أن تتفاوض تحته.
فإذا دخلت القيادة التفاوض وهي لا تطالب إلا بالحقوق الثقافية، فلا يجوز لها أن تقدم النتيجة لاحقاً بوصفها حلاً للقضية القومية.
وإذا دخلت بمطالب سياسية واسعة ثم خرجت منها بمكاسب ثقافية محدودة، فمن حق الجمهور أن يسأل عن الفجوة بين المطالب والنتائج.
وهذا تحديداً ما يجعل القضية أبعد من مجرد خلاف على صياغة أو مصطلح.
إن القضية الكوردية ليست «قضية لغة» حتى يكون حلها بتعليم اللغة، وليست «قضية ثقافة» حتى يكون حلها بحماية التراث، وليست «قضية مواطنة» بالمعنى الضيق الذي يساوي بين جميع المواطنين نظرياً ثم يتجاهل تاريخ التمييز الذي طال جماعة قومية بعينها.
إنها قضية مركبة تتداخل فيها الهوية واللغة والتاريخ والحقوق المدنية والسياسية والدستورية، وطبيعة الدولة، وتوزيع السلطة.
ومن الخطأ المنهجي أن نضع هذه العناصر كلها في سلة واحدة، ثم نسميها «تنوعاً ثقافياً».
وهنا يصبح النموذج التركي ذا صلة بالنقاش، لا لأن التجربتين السورية والتركية متطابقتان، بل لأنهما تطرحان سؤالاً مشتركاً حول حدود الاعتراف الثقافي عندما لا يصاحبه تحول في تعريف الدولة وعلاقتها بالهوية القومية. فالمشكلة لا تنتهي بمجرد الانتقال من مرحلة منع اللغة إلى مرحلة السماح بها؛ إذ يبقى السؤال قائماً حول المواطنة، والتمثيل، وتوزيع السلطة، والضمانات الدستورية، وموقع الكورد في الدولة.
إن الانتقال من المنع إلى الاعتراف خطوة ضرورية، لكنه ليس بالضرورة انتقالاً من الإنكار إلى الحل.
وقد يكون أخطر ما في بعض الحلول السياسية أنها لا ترفض القضية بصورة مباشرة، بل تعيد تعريفها بطريقة تجعلها أقل كلفة على الدولة: تتحول القضية السياسية إلى ثقافية، والحقوق الجماعية إلى فردية، والمطالبة بالمشاركة في السلطة إلى مطالبة بالتعليم، والاعتراف بالشعب إلى اعتراف بتراثه.
وهكذا لا تلغى القضية، وإنما يجري تصغيرها قانونياً وسياسياً حتى تصبح قابلة للإدارة من دون أن تضطر الدولة إلى إعادة النظر في بنيتها السياسية.
وهنا ينبغي أن يكون الخطاب الكوردي أكثر وعياً وأكثر صرامة.
ليس المطلوب رفض تدريس اللغة الكوردية لأنها غير كافية؛ بل المطلوب رفض اعتبارها كافية.
وليس المطلوب التقليل من أهمية الاعتراف بالهوية؛ بل رفض استخدام الاعتراف الثقافي لإغلاق الباب أمام الاعتراف السياسي.
وليس المطلوب إنكار أي تقدم قانوني تحقق؛ بل وضع كل تقدم في مكانه الصحيح، وعدم تحميله أكثر مما يحتمل.
فالاعتراف بالكورد جزءاً أصيلاً من الشعب السوري مهم.
وإلغاء آثار إحصاء 1962 مهم. ومعالجة أوضاع الجنسية مهمة. والاعتراف باللغة الكوردية لغة وطنية مهم. وتدريسها في المدارس مهم. والاعتراف بنوروز عطلة رسمية مهم.
لكن أياً من هذه الخطوات، منفردةً أو مجتمعةً، لا يجيب تلقائياً عن السؤال المتعلق بالمكانة السياسية والدستورية للشعب الكوردي وحقوقه الجماعية داخل الدولة.
وهنا تحديداً يجب أن ينتقل النقاش من الاحتفال بالمكسب إلى دراسة موقعه في البناء القانوني للدولة.
فالقانون لا يقرأ فقط من خلال ما يمنحه، بل أيضاً من خلال ما لا يمنحه.
والدستور لا يقاس فقط بما يعترف به، بل كذلك بالضمانات التي يوفرها لهذا الاعتراف.
والحق لا يصبح مستقراً لمجرد وروده في نص، إذا لم توجد مؤسسات وآليات قانونية وقضائية تحميه من التراجع أو التأويل أو التبدل السياسي.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الكوردي ينبغي ألا يكون فقط: ماذا أعطتنا الدولة؟
بل: ما الذي أصبح حقاً ثابتاً لا تستطيع أي حكومة مقبلة سحبه؟
ولا ينبغي أن يكون السؤال فقط: هل أصبح بإمكاننا تعليم أطفالنا اللغة الكوردية؟
بل: ما المكانة التي تتمتع بها اللغة الكوردية في النظام الدستوري والقانوني للدولة، وما حدود استخدامها في التعليم والإدارة والقضاء والحياة العامة؟
ولا ينبغي أن يكون السؤال فقط: هل اعترفت الدولة بوجودنا؟
بل: ماذا يترتب قانوناً وسياسياً على هذا الاعتراف؟
هذه هي النقلة التي يحتاج إليها الخطاب السياسي الكوردي: الانتقال من منطق الحصول على الاعتراف إلى منطق تحديد الحقوق المترتبة على الاعتراف.
فالشعوب لا تحافظ على حقوقها بمجرد الحصول عليها، وإنما عندما تتحول تلك الحقوق إلى قواعد دستورية ومؤسساتية مستقرة، وإلى ممارسة فعلية محمية بالقانون.
ومن هنا، فإن القضية الكوردية لا تحتاج إلى قيادات تحتفل بكل تنازل تقدمه الدولة، كما لا تحتاج إلى قيادات ترفض كل خطوة لا تحقق المشروع الكامل دفعة واحدة. ما تحتاج إليه هو قيادة تعرف الفرق بين المكسب الجزئي والحل النهائي، وبين الحق الثقافي والحق السياسي، وبين الاعتراف الرمزي والضمانة الدستورية.
إن أخطر خطأ يمكن أن ترتكبه النخب الكوردية هو أن تسمح بإعادة تعريف قضية شعب كامل وفق ما تستطيع الدولة تقديمه، بدلاً من أن تحدد هي، بالاستناد إلى التاريخ والقانون والسياسة، ما هي الحقوق التي ينبغي أن تكون موضع تفاوض.
فإذا كان سقف الدولة هو اللغة، فلا يجوز أن يصبح سقف القيادة هو اللغة أيضاً.
وإذا كان أقصى ما تعرضه السلطة هو الثقافة، فلا ينبغي أن يتحول العرض إلى تعريف للقضية.
وإذا أصبح الاعتراف بالكوردية هو عنوان التسوية، فعلينا أن نسأل: أين الدولة؟ أين الدستور؟ أين المشاركة؟ أين توزيع السلطة؟ أين اللامركزية؟ أين الضمانات؟ وأين الموقع السياسي للكورد في الدولة السورية؟
هذه ليست أسئلة زائدة عن الحاجة، بل هي جوهر القضية.
لذلك، فإن القول إن «القضية الكوردية حُلّت» لمجرد أن اللغة الكوردية دخلت المدرسة سيكون خطأً سياسياً وقانونياً ومنهجياً. كما أن القول إن كل ما تحقق لا قيمة له سيكون خطأً من النوع نفسه.
الموقف الأكثر جدية هو وضع كل حق في مكانه: اللغة حق، والثقافة حق، والتعليم باللغة الأم حق، والمواطنة المتساوية حق؛ لكن هذه الحقوق لا تلغي السؤال عن الحقوق السياسية والدستورية التي تفرضها طبيعة وجود شعب كوردي داخل الدولة السورية.
وهنا يصبح العنوان أكثر من مجرد استعارة.
حين تتحول قضية شعب كامل إلى حصة دراسية، لا تكون المشكلة في الحصة، وإنما في أن يطلب من شعب كامل أن يرى في الحصة نهاية قضيته.
فاللغة لا تختصر الأمة، والثقافة لا تختصر السياسة، والمدرسة لا تختصر الدولة، والاعتراف بالهوية لا يختصر الحقوق.
والقضية الكوردية أكبر من أن تحشر في منهاج دراسي، وأعمق من أن تقاس بعدد الحصص، وأشد تعقيداً من أن تنتهي عند باب المدرسة.
إن السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً، لا أن يغلق بالاحتفال، هو:
إذا كانت الدولة قد اعترفت بأن الكورد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، فما الذي يترتب دستورياً وسياسياً وقانونياً على هذا الاعتراف؟
هناك تبدأ السياسة.
وهناك يبدأ القانون.
وهناك، قبل كل شيء، تبدأ القضية الحقيقية.