بقلم: د. عدنان بوزان
بكل تأكيد، لا أحد يقرأ ما أكتب، ولا أحد يريد أن يقرأ؛ لأننا أمام واقعٍ اجتماعي مشلولٍ سياسياً، ما زال أسير البنية القبلية والعشائرية، حيث تختزل القضية الكوردية في سوريا في علاقات ولاءٍ ضيقة، ومصالحَ شخصية، وشخصياتٍ تتقن الظهور أكثر مما تتقن الفعل. إن ما يسمى بـ"الوعي السياسي" لدى شريحةٍ واسعة ليس إلا صدىً لخطابٍ تقليدي موروث، عاجزٍ عن إنتاج مشروعٍ حقيقي، أو حتى عن طرح أسئلةٍ جدية حول المصير.
نحن لا نعيش أزمةَ أحزاب، بل نعيش تضخماً مرضياً في عددها، حتى باتت الحالة الكوردية مثالاً على التشظي العبثي، حيث تحولت السياسة إلى سوقٍ مفتوح، وكل من أراد دوراً أو مالاً أو حضوراً إعلامياً أنشأ حزباً وادعى تمثيل الشعب. هذه “الولادات القيصرية” للأحزاب لم تكن تعبيراً عن حيويةٍ سياسية، بل عن عجزٍ بنيوي، وعن غياب أي معيارٍ وطني أو تنظيمي حقيقي.
أما تجربة حزب الاتحاد الديمقراطي، التي روّج لها بوصفها مشروع “أخوة الشعوب”، فقد كشفت حدودها سريعاً؛ إذ اصطدمت بواقع التناقضات القومية، وفشلت في تقديم نموذجٍ جامع يشعر الكوردي بأن قضيته ممثلة فعلاً، لا مؤجَّلة أو مذابة ضمن شعاراتٍ أمميةٍ فضفاضة. وكذلك بقية الأحزاب العائلية الموسمية التي رفعت شعارات الفيدرالية أو الحقوق الثقافية، لم تستطع تجاوز مرحلة الخطاب إلى مرحلة الإنجاز، فبقيت المطالب حبيسةَ البيانات، وبقي الواقع على حاله.
وفي ظل هذا الفراغ، تتعاظم المخاطر الوجودية، خاصة مع صعود قوى متطرفة والعنصرية، التي لا ترى في الكورد سوى هدفٍ للإلغاء. ومع ذلك، لا يبدو أن هناك إدراكاً جماعياً حقيقياً لحجم التهديد؛ إذ يستمر الانشغال بالصراعات الصغيرة، وبإعادة إنتاج الوجوه والخطابات نفسها.
المشكلة لم تعد تقتصر على القيادات، بل تمتد إلى حالةٍ من التواطؤ الصامت بين مجتمعٍ يكرس النخب نفسها، ونخبٍ تعيد إنتاج الفشل ذاته. فبدلاً من طرح سؤالٍ جدي حول المستقبل، يتحول المشهد إلى دعمٍ أعمى لشخصياتٍ تقليدية، تقاس قيمتها بمدى قربها من النفوذ، لا بمدى قدرتها على الفعل.
نحن أمام لحظةٍ حاسمة: إما الاستمرار في هذا الانحدار، حيث يتحول الكوردي إلى مجرد هامشٍ داخل معادلات الآخرين، ويذوب تدريجياً في محيطه—لغةً وهويةً وقضيةً—أو الدخول في مواجهةٍ صريحة مع الذات، تعيد تعريف الأولويات، وتكسر هذا الجمود القاتل.
ما بعد هذا الفشل لا يمكن أن يكون استمراراً له، وما بعد هذا التشظي لا يمكن أن يكون مزيداً من التشتت. إن اللحظة تتطلب وضوحاً قاسياً: لا مستقبل لقضيةٍ بلا وعي، ولا وعي بلا صدمة، ولا صدمة بلا جرأة في قول الحقيقة كما هي، لا كما نريد لها أن تكون.