ما الذي يجري في سوريا؟ حين يتحول الجوع إلى أداة لإعادة هندسة السلطة
- Super User
- التحاليل السياسية
- الزيارات: 529
بقلم: د. عدنان بوزان
ليست المظاهرات التي تجتاح سوريا اليوم مجرد احتجاجات على ارتفاع أسعار المحروقات، ولا مجرد انفجار اجتماعي لشعب أنهكه الفقر والحرب والانهيار الاقتصادي، وإن كان الجوع هو الوقود المباشر لهذه الموجة. فالسياسة، في الدول التي تعيش انتقالاً تاريخياً، لا تظهر دائماً في الشعارات الأولى التي ترفعها الجماهير؛ كثيراً ما تختبئ خلف اللحظة الاجتماعية، ثم تنتظر اللحظة المناسبة لتنتقل من الشارع إلى بنية السلطة. وما يجري في سوريا اليوم ينبغي أن يقرأ من هذه الزاوية تحديداً: هل نحن أمام احتجاج شعبي على الغلاء، أم أمام بداية عملية سياسية أوسع لإعادة ترتيب السلطة السورية، وإنهاء مرحلة أحمد الشرع، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة يجري إعدادها في دوائر إقليمية ودولية متشابكة؟
لقد خرج السوريون إلى الشوارع لأن الوقود ارتفع، ولأن الأسعار تلتهم ما تبقى من دخولهم، ولأن بلداً أنهكه الفقر لم يعد يحتمل مزيداً من الأعباء. غير أن تحويل الاحتجاج الاقتصادي إلى مطالبة بإسقاط السلطة الجديدة يفتح الباب أمام سؤال مختلف تماماً عن سؤال الجوع: هل تحولت الأزمة المعيشية إلى مدخل لأزمة حكم؟ وهل ما نراه مجرد انفجار اجتماعي عفوي، أم أن قوى داخلية وخارجية بدأت تتعامل مع هذا الانفجار باعتباره فرصة لإعادة هندسة السلطة في دمشق؟
الجوع حقيقة، والغضب الشعبي حقيقة، والانهيار الاقتصادي حقيقة؛ لكن الحقائق الاجتماعية لا تلغي السياسة، بل قد تصبح في لحظة معينة أداتها الأكثر فاعلية. فالجائع يخرج إلى الشارع بحثاً عن الخبز والوقود، لكن القوى السياسية تبحث في الشارع نفسه عن لحظة تغيير. ومن هنا يصبح السؤال الأهم ليس: لماذا غضب السوريون؟ بل: لماذا انتقل الغضب بهذه السرعة من الاحتجاج على الأسعار إلى المطالبة بإسقاط السلطة الجديدة؟ ولماذا يحدث ذلك في هذه اللحظة بالذات؟
فالسلطة التي جاءت إلى دمشق بعد سقوط بشار الأسد لم ترث دولة مستقرة، بل ورثت جغرافيا ممزقة، ومؤسسات منهكة، واقتصاداً متهالكاً، ومجتمعاً مثقلاً بالسلاح والانقسامات، وحدوداً مفتوحة على صراعات إقليمية، وجنوباً تتحرك فيه إسرائيل، وشمالاً وشرقاً تحضر فيه القضية الكوردية بوصفها واحدة من أعقد مسائل الدولة السورية، فضلاً عن شبكة مصالح دولية وإقليمية تتعامل مع سوريا باعتبارها جزءاً من إعادة ترتيب الشرق الأوسط كله.
ولهذا لم يكن أحمد الشرع مجرد رئيس انتقالي وصل إلى قصر الحكم في فراغ سياسي؛ كان رأس مرحلة لها وظيفتها وحدودها وشروطها. ومن هنا يصبح السؤال أكثر عمقاً: هل بدأت وظيفة أحمد الشرع السياسية تنتهي قبل أن تنتهي المرحلة الانتقالية التي جاء لقيادتها؟
قد تكون هذه هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها تحليل ما يحدث.
فالشخص الذي يصل إلى السلطة في لحظة إسقاط نظام ليس بالضرورة هو الشخص الذي تحتاجه الدولة في مرحلة إعادة البناء وترتيب العلاقات الدولية وتثبيت التوازنات الإقليمية. هناك فرق بين رجل مرحلة إسقاط النظام ورجل مرحلة إعادة تأسيس النظام. وبين المرحلتين يمكن أن يصبح تغيير رأس السلطة جزءاً من إعادة ضبط المشهد بأكمله، لا مجرد استبدال شخص بآخر.
وهنا تبدأ القراءة السياسية الحقيقية للاحتجاجات. فالاحتجاج قد لا يكون هو الذي يصنع التغيير وحده؛ قد يكون التغيير السياسي المقبل هو الذي وجد في الاحتجاج مدخله الاجتماعي.
إذا تحولت أزمة الوقود إلى أزمة ثقة، وأزمة الثقة إلى أزمة شرعية، وأزمة الشرعية إلى شعار لإسقاط السلطة، فإن القضية لن تبقى قضية مازوت وبنزين. عندها تصبح القضية: من يملك حق إدارة المرحلة السورية المقبلة؟
وهنا لا يعود أحمد الشرع وحده هو المعني، بل تصبح دمشق كلها موضع إعادة تفاوض.
من الجولاني إلى الشيباني: تغيير الوظيفة قبل تغيير الاسم.
إن انتقال السلطة، إذا حدث، قد لا يأتي على صورة انقلاب عسكري أو مشهد درامي؛ فقد يأتي أكثر هدوءاً، من خلال إعادة توزيع وظائف السلطة نفسها، بحيث ينتقل مركز القرار من شخصية إلى أخرى تحت عنوان إعادة هيكلة المرحلة الانتقالية.
وهنا يبرز اسم أسعد الشيباني. فالشيباني ليس اسماً هامشياً في السلطة الحالية، بل أصبح من أبرز وجوهها السياسية والدبلوماسية، ولا سيما في الملفات الإقليمية والدولية الحساسة. وإذا كانت المرحلة الأولى قد احتاجت إلى شخصية خرجت من الحرب وأمسكت بمفاتيح السلطة بعد إسقاط النظام السابق، فإن المرحلة التالية قد تحتاج إلى شخصية مختلفة في أدواتها، أكثر التصاقاً بالدبلوماسية والتفاهمات الإقليمية والدولية، وأكثر قدرة على إدارة شبكة المصالح المتناقضة التي تحيط بسوريا.
ولهذا فإن انتقال مركز الثقل من أحمد الشرع إلى أسعد الشيباني المدعوم من تركيا، إذا حدث، يمكن أن يقرأ باعتباره انتقالاً من مرحلة تأسيس السلطة إلى مرحلة إعادة ترتيب السلطة.
الأولى تحتاج إلى رجل الحرب والانقلاب على النظام السابق. أما الثانية فتحتاج إلى رجل التفاوض والاتصال وإدارة العلاقات مع تركيا وإسرائيل وروسيا والولايات المتحدة والعواصم العربية، في لحظة تتحول فيها سوريا من ساحة حرب إلى ساحة تفاوض على النفوذ والشكل السياسي للدولة.
إنها ليست مسألة شخصين؛ إنها مسألة وظيفتين سياسيتين مختلفتين.
وقد تكون الاحتجاجات الحالية جزءاً من الضغط الذي يمكن أن يستخدم لتبرير الانتقال من وظيفة إلى أخرى.
فالشارع يبدأ من عبارة: لا نريد الغلاء. ثم تتسع الدائرة: لا نريد الحكومة. ثم تتحول المطالب إلى: لا نريد السلطة.
وعند اللحظة التي تفقد فيها السلطة قدرتها على إقناع الشارع بأنها قادرة على إدارة البلاد، يصبح السؤال جاهزاً: إذا كانت هذه السلطة قد استنفدت مرحلتها، فمن البديل؟
وهنا تبدأ الأسماء التي كانت تبدو بعيدة عن مركز المشهد في الاقتراب منه.
مناف طلاس: العودة من بوابة مختلفة
إذا كانت سوريا تتجه فعلاً إلى إعادة تركيب سلطتها، فإن مناف طلاس يصبح اسماً ذا دلالة سياسية خاصة، ليس لأنه حسم رئيساً قادماً، وإنما لأن تركيبته السياسية والتاريخية تجعله صالحاً، من حيث موقعه، للمرحلة التي قد تحتاج فيها سوريا إلى شخصية تجمع بين أجزاء متناقضة من تاريخها.
مناف طلاس ابن المؤسسة العسكرية السورية القديمة، وابن مصطفى طلاس، أحد أبرز أركان الدولة في عهد حافظ الأسد، لكنه في الوقت نفسه انشق عن بشار الأسد وغادر النظام قبل سقوطه بسنوات.
وهذا الموقع الوسيط يمكن أن يتحول، في لحظة سياسية معينة، إلى رأس مال سياسي.
فهو ليس بشار الأسد، وليس من رموز السلطة الجديدة، وليس شخصية جاءت بالكامل من خارج الدولة السورية؛ بل يمكن تقديمه بوصفه جسراً بين الدولة القديمة والدولة الجديدة، وبين المؤسسة العسكرية التي كانت قائمة والنظام السياسي الذي يحاول أن يولد.
وهذا تحديداً ما يجعل اسمه قابلاً للدخول في أي نقاش جدي حول إعادة بناء السلطة السورية. لكن الأهم من مناف طلاس نفسه هو السؤال الذي يحيط به:
من يستطيع أن يكون مقبولاً في أنقرة وتل أبيب ودمشق، وفي الوقت نفسه لا يفتح جبهة جديدة مع إسرائيل؟
هنا تصبح العلاقة التركية–الإسرائيلية واحدة من مفاتيح المرحلة المقبلة.
فالتفاهمات الكبرى لا تبدأ دائماً باتفاق معلن وموقع؛ قد تبدأ بإزالة الاعتراضات، وفتح القنوات، واختبار الأسماء، وقياس ردود الفعل، ثم صناعة الظروف التي تجعل الاسم الذي جرى اختباره يبدو في النهاية وكأنه جاء استجابة للواقع، لا نتيجة قرار سبق الواقع.
وهذا هو أخطر ما في السياسة:
أن يصنع القرار قبل أن يعرف الشارع أن القرار قد صنع. وإذا كانت تركيا تبحث عن سوريا لا تتحول إلى مصدر تهديد على حدودها، وكانت إسرائيل تبحث عن سوريا لا تتحول إلى جبهة عسكرية ضدها، وكانت روسيا تبحث عن الحفاظ على مصالحها وموقعها، وكانت الولايات المتحدة تبحث عن انتقال لا يفتح فراغاً جديداً، فإن تقاطع هذه المصالح قد ينتج في لحظة معينة شخصية لا تكون نتاج التنافس السوري الداخلي وحده، بل نتاج تقاطع المصالح التي أصبحت تمتلك مفاتيح اللعبة السورية.
وهنا لا تعود القضية: من يريد السوريون؟
بل تصبح: من تستطيع القوى المؤثرة أن تتفق على قبوله؟
مظلوم عبدي في قلب المعادلة
لكن أي قراءة لمستقبل سوريا تتجاهل مظلوم عبدي تبقى قراءة ناقصة؛ لأن القضية الكوردية لم تعد ملفاً يمكن وضعه في هامش جدول الأعمال السوري. لقد أصبحت جزءاً من بنية الدولة الجديدة نفسها.
فالشمال والشرق السوريان لا يواجهان أزمة اقتصادية فقط، بل تتقاطع فيهما قضايا اللغة والهوية والحقوق السياسية ومصير المؤسسات الكوردية ومستقبل القوات الكوردية وعلاقتها بدمشق. ولذلك فإن الاحتجاجات في هذه المناطق لا يمكن فصلها عن السؤال الأكبر: أي سوريا ستولد بعد هذه المرحلة؟
وهنا يجب قراءة مظلوم عبدي في سياق مختلف. فإذا كانت المرحلة المقبلة ستتجه إلى إعادة بناء الجيش السوري، فإن إدخال القوة الكوردية في المؤسسة العسكرية ليس مجرد تفصيل إداري؛ إنه جزء من إعادة تعريف الدولة نفسها.
ولهذا فإن وضع مظلوم عبدي في موقع وزير الدفاع، كما تفترض هذه الرؤية، لن يكون مجرد تعيين شخصية كوردية في منصب سيادي؛ بل سيكون مؤشراً إلى صيغة جديدة للدولة، أو محاولة لإدخال القوة الكوردية في بنية الدولة من دون إبقائها قوة منفصلة عنها.
لكن المسألة أعمق من منصب أو حقيبة. دمج السلاح أسهل بكثير من دمج القضية. فالقوة العسكرية يمكن دمجها بقرار، أما القضية القومية فلا تدمج بمرسوم. والحقوق السياسية لا تستوعب داخل الدولة بإلغاء أصحابها، وإنما بالاعتراف بهم شركاء في تعريف الدولة نفسها.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي:
هل ستقبل دمشق بسوريا متعددة القوميات، أم ستعمل على إدخال الكورد إلى الدولة من دون إدخال حقوقهم السياسية والقومية معها؟
لأن القضية الكوردية، إذا لم تجد حلاً سياسياً، ستبقى تنتج أزمات أمنية وسياسية مهما تغيرت الحكومات والرؤساء.
إسرائيل: الرئيس الذي لا يواجهها
من هنا يمكن فهم أهمية إسرائيل في أي تركيبة سورية قادمة.
إسرائيل لا تنظر إلى سوريا من زاوية اسم الرئيس وحده، بل من زاوية بنية الدولة والجيش والحدود والجنوب وموازين القوى. ومنذ سقوط النظام السابق، دخلت العلاقة السورية–الإسرائيلية مساراً جديداً يقوم على الاتصالات الأمنية والسياسية ومحاولة منع تحول سوريا إلى جبهة مواجهة جديدة.
وهنا تصبح شخصية الرئيس القادم ذات أهمية استثنائية.
إسرائيل لا تحتاج بالضرورة إلى رئيس تابع لها؛ ما تحتاجه، وفق منطق مصالحها الأمنية، هو رئيس لا يحول سوريا إلى منصة تهديد عسكري مباشر ضدها.
وتركيا لا تريد سوريا معادية لها أو قوة كوردية مستقلة على حدودها. وروسيا تريد الحفاظ على مواقعها ومصالحها. والولايات المتحدة تريد منع عودة إيران إلى موقعها السابق ومنع سوريا من الانزلاق مجدداً إلى الفوضى. أما القوى العربية، فلها حساباتها الخاصة في الدولة السورية المقبلة.
وهكذا، عندما تتقاطع هذه المصالح، لا تبحث كل دولة بالضرورة عن الشخص نفسه، لكنها تبحث عن سوريا التي لا تهدد مصالحها.
ومن هنا قد يصبح الرئيس السوري المقبل نتيجة توازن المصالح الإقليمية والدولية أكثر من كونه نتيجة تنافس سياسي داخلي تقليدي.
روسيا والأسد الابن: عودة الماضي من المستقبل
وهنا نصل إلى الفرضية الأكثر إثارة وخطورة: حافظ بشار الأسد.
قد يبدو الحديث عن عودة اسم من عائلة الأسد إلى السلطة بعد سقوط بشار الأسد ضرباً من الخيال السياسي، لكن التاريخ السياسي للمنطقة لا يعرف المستحيل عندما تنهار البدائل.
إذا وصلت سوريا إلى مرحلة من الفقر والانهيار والانقسام، بحيث يصبح المواطن مستعداً لقبول أي صيغة تعيد إليه الأمن والخبز والكهرباء والوقود، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يحب السوريون الماضي، وإنما أن يبدأوا بمقارنته بالمستقبل.
وهنا تبدأ عملية إعادة تأهيل الماضي.
لن يعود آل الأسد بالضرورة لأن الشعب السوري قرر إعادتهم؛ قد يعودون لأن البديل فشل.
وهذه هي أخطر آلية يمكن أن تعمل في السياسة. حين يترك بلد كامل تحت ضغط اقتصادي هائل، وحين تتعاقب الأزمات، ويصبح الأمن هشاً، وتفشل السلطة الانتقالية في بناء مؤسسات وطنية حقيقية، ويشعر المواطن أن الثورة لم تمنحه سوى تغيير الوجوه، يبدأ سؤال قديم بالعودة:
هل كان الماضي أفضل؟
وقد يتحول هذا السؤال، مهما كان مؤلماً، إلى أخطر ورقة سياسية في مستقبل سوريا.
ومن هنا تأتي فرضية أن تكون روسيا وإسرائيل وتركيا، رغم اختلاف مصالحها، مستعدة في مرحلة معينة للتعامل مع حافظ بشار الأسد باعتباره أحد الخيارات الممكنة، إذا وصلت سوريا إلى نقطة يصبح فيها الشعب نفسه يبحث عن «الاستقرار بأي ثمن».
لا يعني ذلك أن هناك اتفاقاً معلناً على عودته؛ بل يعني أن إعادة تدوير النظام القديم بوجه جديد تظل احتمالاً قائماً في لعبة إعادة تشكيل السلطة السورية.
فالسياسة لا تعيد الماضي كما كان؛ إنها تعيد إنتاجه عندما تحتاج إليه، وتمنحه اسماً جديداً، ووجهاً جديداً، وشروطاً جديدة.
من يسقط الجولاني؟
لهذا لا ينبغي أن يتوقف السؤال عن الاحتجاجات الحالية عند أسعار الوقود.
السؤال الحقيقي هو:
من الذي يستفيد من تحويل الأزمة الاقتصادية إلى أزمة حكم؟
إذا بقيت الاحتجاجات في حدود الغلاء، تستطيع السلطة التراجع عن بعض القرارات وامتصاص الغضب. أما إذا تحولت إلى شعار «إسقاط النظام الجديد»، فإن المسألة تتغير جذرياً. عندها يصبح الشارع نفسه جزءاً من عملية إعادة تشكيل السلطة.
وقد لا يكون الهدف إسقاط الشرع من أجل تسليم الحكم مباشرة إلى الشيباني؛ فقد تكون المسألة أكثر تعقيداً. قد يكون الشيباني مرحلة وسيطة. وقد تكون مرحلة مناف طلاس هي المرحلة التالية. وقد يكون مظلوم عبدي جزءاً من صيغة عسكرية جديدة.
ثم، إذا فشلت هذه الصيغة أو احتاجت القوى الدولية والإقليمية إلى إعادة تدوير أوسع للدولة والنظام، فقد يعود اسم من آل الأسد إلى الواجهة.
أي أننا أمام احتمال مراحل متعاقبة، لا أمام رئيس واحد ينتظر دوره.
الجولاني للمرحلة الأولى. الشيباني للمرحلة الثانية. مناف طلاس لمرحلة إعادة تركيب الدولة. مظلوم عبدي لإعادة صياغة العلاقة الكوردية–السورية والمؤسسة العسكرية.
ثم في نهاية مسار محتمل، قد يظهر حافظ بشار الأسد باعتباره محاولة لإعادة إنتاج الدولة القديمة بعد أن تكون ذاكرة الناس قد أُنهكت بما يكفي.
هذه ليست قائمة تعيينات. إنها، في جوهرها، قراءة لمسار محتمل لإعادة تدوير السلطة السورية.
المشكلة ليست من يحكم دمشق... بل من يملك دمشق
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
سوريا، منذ سقوط الأسد، لم تتحول إلى دولة مستقلة القرار بالكامل؛ بل تحولت إلى ساحة تفاوض مفتوحة بين قوى متعددة.
تركيا لها حساباتها. إسرائيل لها حساباتها. روسيا لها حساباتها. الولايات المتحدة لها حساباتها. إيران تحاول استعادة ما يمكن استعادته من نفوذ. الدول العربية تبحث عن موقعها في سوريا الجديدة. والكورد يحاولون ألا يخسروا ما بنوه خلال سنوات الحرب. أما السوري العادي، فيقف وسط كل ذلك يبحث عن رغيف الخبز والوقود والكهرباء والأمان.
وهنا تكمن المأساة السورية:
كل القوى تتحدث عن مستقبل سوريا، بينما السوري نفسه قد لا يكون صاحب القرار في تحديد ذلك المستقبل. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لسوريا ليس أن يتغير الرئيس، بل أن تتغير الرئاسة ويبقى منطق صناعة الرئيس كما هو.
أن يسقط بشار الأسد، ثم يأتي الجولاني. ثم يسقط الجولاني، فيأتي الشيباني. ثم يتغير الشيباني، فيأتي طلاس. ثم يعاد تدوير الأسد. وفي كل مرة يقال للسوريين: هذه هي المرحلة الجديدة.
لكن أين الدولة الجديدة؟ أين العقد الوطني الجديد؟ أين التمثيل الحقيقي للكورد؟ أين اللامركزية؟ أين الضمانات السياسية؟ أين الجيش الوطني الذي لا يكون جيش شخص أو حزب أو جماعة؟ وأين القرار السوري المستقل؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد مستقبل سوريا، وليس اسم الرجل الجالس في قصر الشعب.
الجوع قد يسقط حكومة... لكنه قد يصنع عودة النظام
لذلك فإن ما يحدث الآن أخطر بكثير من أزمة محروقات. إنه اختبار للسلطة الجديدة، لكنه في الوقت نفسه اختبار للشعوب السورية كلها. فإذا نجحت السلطة في احتواء الأزمة، فقد تنجو المرحلة. أما إذا تحولت الأزمة الاقتصادية إلى انهيار سياسي، فإن أبواباً كثيرة ستفتح في وقت واحد:
باب الشيباني. باب طلاس. باب عبدي. وباب الأسد، الذي قد يبدو اليوم مغلقاً، لكن في السياسة لا يوجد باب يغلق إلى الأبد.
قد تكون سوريا أمام عملية انتقال ثانية؛ ليس انتقالاً من الأسد إلى الجولاني، وإنما انتقالاً من الجولاني إلى صيغة جديدة لم تتضح ملامحها بعد.
وهنا لا ينبغي النظر إلى المظاهرات باعتبارها مجرد صرخة جائع؛ فقد تكون، في لحظة تاريخية معينة، الأداة التي ستستخدم لإعلان انتهاء مرحلة وبداية أخرى.
والسؤال الذي سيبقى مفتوحاً ليس: لماذا خرج السوريون؟
لقد خرجوا لأنهم جائعون.
السؤال الأخطر هو:
من سيخرج من دمشق بعد هذه الاحتجاجات؟ ومن سيدخل إليها؟ ومن سيقرر الاسم؟ ومن سيحدد شكل الدولة؟ ومن سيضمن إسرائيل؟ ومن سيطمئن تركيا؟ ومن سيحفظ لروسيا مصالحها؟ ومن سيعيد ترتيب المؤسسة العسكرية؟ ومن سيقرر موقع الكورد؟ ومن سيقول للسوريين في النهاية إن هذه هي «سوريا الجديدة»؟ فقد لا تكون المعركة الحالية معركة على سعر المازوت. قد تكون معركة على من يملك حق كتابة الفصل التالي من تاريخ سوريا.
وإذا كانت القراءة التي تقول إن مرحلة أحمد الشرع تقترب من نهايتها صحيحة، فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة حكومة، ولا مجرد احتجاج على الغلاء، ولا حتى مجرد صراع على السلطة؛ بل قد يكون بداية صراع أكثر تعقيداً على النظام الذي سيأتي بعد النظام القائم. وعندها سيكون من السذاجة السياسية الاعتقاد أن الشارع وحده يكتب النهاية. فالشارع قد يفتح الباب، لكن الذين يقفون خلف الباب هم الذين يملكون، في كثير من الأحيان، مفاتيح المرحلة التالية.
وهنا تحديداً تكمن المسألة السورية: ليس من يجلس في دمشق، بل من يملك القرار في أن يجلس فيها، ومن يملك القدرة على إخراجه منها عندما تنتهي مهمته.