جرطو وفرطو... من المفرزة الأمنية إلى المضافة الاجتماعية ، حكاية من ذاكرة كوباني الجريحة في زمن البعث
- Super User
- بانوراما ثقافية
- الزيارات: 562
بقلم: د. عدنان بوزان
في واحدة من تلك السنوات الثقيلة التي كان فيها البعث لا يحكم سوريا فحسب، بل يحاول أن يتسلل إلى البيوت والمدارس والمجالس وحتى إلى الهمس خلف الأبواب، كانت كوباني تبدو كمدينة موضوعة عمداً على هامش الخريطة.
مدينة كوردية في أقصى الشمال، بعيدة عن دمشق ومراكز القرار، لكنها لم تكن بعيدة عن عين الأمن. كان النظام يعرف أن الجغرافيا وحدها لا تكفي لإخضاع الناس؛ لذلك احتاج إلى الخوف. والخوف، حين يطول، لا يبقى شعوراً فردياً، بل يتحول إلى نظام اجتماعي.
يجعل الجار يراقب جاره، والصديق يشك في صديقه، وصاحب الدكان مصدراً للمعلومة، والمجلس السياسي مخاطرة، والصمت وسيلة للنجاة، والكلمة جريمة محتملة.
وهكذا عاشت كوباني سنواتها الثقيلة وهي تعرف أن للجدران آذاناً، وللشوارع عيوناً، وللمقاهي ذاكرة لا تنام. لكن النظام لم يكن يستطيع أن يراقب الجميع بنفسه. كان يحتاج إلى أبناء المدينة. وكان بين هؤلاء رجل يعرف باسم جرطو.
في تلك الحقبة الزمنية، لم يكن انتساب كوردي من كوباني إلى حزب البعث أمراً عادياً في نظر كثير من أبناء المدينة؛ فقد كان الحزب، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الكورد، يمثل سلطةً عربيةً مركزيةً ارتبطت بسياسات التهميش والرقابة والضغط على الهوية الكوردية.
لكن جرطو وفرطو اختارا طريقاً خاصاً بهما، طريقاً قادهما تدريجياً إلى الاقتراب من السلطة وأجهزتها.
انتسب جرطو إلى الحزب، ثم التحق بدورة الصاعقة البعثية، وأخذ بعد ذلك يقترب تدريجياً من دوائر الأجهزة الأمنية، إلى أن أصبح على صلة بالأمن العسكري في المنطقة.
كان رئيس مفرزة الأمن العسكري آنذاك رجلاً يعرف باسم «أبو الفيدا»، وكان يحمل رتبة مساعد في الأمن العسكري.
وبحكم سنوات وجوده في كوباني، صار يعرف معظم الوجوه والأسماء والبيوت والعائلات؛ يعرف من يتحدث في السياسة، ومن يعارض، ومن يخاف، ومن يستطيع أن يدفع، ومن لا يستطيع.
ومع مرور الوقت، نشأت علاقة غريبة بين الأمن وأهل المدينة: خوف من جهة، ومال من جهة أخرى، وتجاوزات يقابلها التغاضي.
كان أبو الفيدا، وفق الرواية المتداولة، يتلقى الرشى من الناس، وفي المقابل يغض الطرف عن بعض المخالفات، حتى إن بعض السياسيين الكورد لم يكونوا ينتهون دائماً خلف أبواب المفرزة.
كان هناك هامش للمساومة. وهنا بدأت حكاية جرطو تأخذ منحى آخر. لم يعجبه أن يرى أبا الفيدا يتساهل.
كان يرى أن الناس يتحركون أكثر مما ينبغي، وأن بعض السياسيين ما زالوا يتحدثون، وأن المدينة لم تتحول بالكامل إلى صمت.
فقرر أن يكون أمناً أكثر من الأمن نفسه.
بدأ يتصل بضباط أكبر منه.
فتح خطوطاً مع مسؤولين في حلب، ثم امتدت اتصالاته إلى ضباط في الرقة، رغم أن الرقة محافظة أخرى ولا علاقة إدارية مباشرة لها بكوباني.
لم يكن يريد مجرد تنفيذ ما يطلب منه؛ كان يريد أن يصنع لنفسه مكاناً داخل شبكة الأمن، وأن يثبت أنه يعرف أكثر، ويبلغ أكثر، ويصل إلى ضباط أكبر.
كان يظن أن كثرة الاتصالات ستزيد قيمته. لكنه لم يفهم قاعدة بسيطة في عالم الأجهزة: يمكن للسلطة أن تحتمل تابعاً، لكنها لا تحتمل تابعاً يعتقد أنه أصبح أكبر من موقعه.
بدأ أبو الفيدا يسمع.
اتصال هنا، ومكالمة هناك، وضابط من حلب، واسم من الرقة، ومعلومة، ووشاية. حتى صار هاتف المفرزة لا يكاد يهدأ.
ثم انفجر غضب أبي الفيدا. استدعى جرطو وقال له، بلهجة غاضبة، " لك كلب ابن الكلب ": بدأت العمالة معي، والآن تريد أن تصبح أكبر مني! لا تتركني أنام من كثرة اتصالات الضباط الذين تتواصل معهم.
لم يكن الخلاف بين رجل ومعارض. كان الخلاف بين عميل يريد أن يكبر، وعميل أكبر منه يخشى أن يكبر أكثر من اللازم. وفي الأنظمة الأمنية، قد تكون هذه أخطر جريمة.
فالمخبر المقبول هو الذي يعرف حدوده؛ أما الذي يبدأ ببناء شبكة خاصة به، ويجمع أسماء الضباط، ويتجاوز المفرزة التي يعمل معها، ويصنع لنفسه نفوذاً مستقلاً، فقد يتحول فجأة من أداة إلى خطر.
وهكذا، بدل أن يدخل جرطو إلى المفرزة بوصفه مخبراً، دخلها ذات يوم بوصفه متهماً.
قبض عليه.
وتقول الرواية إن أبا الفيدا وضعه داخل «الدولاب» وانهال عليه ضرباً حتى أنهكه. في تلك اللحظة، لم يعد جرطو عيناً للنظام.
صار جسداً تحت يد النظام.
صار المخبر نفسه مادة للعقاب.
والذي كان يراقب الآخرين عرف، للمرة الأولى، ماذا يعني أن تكون أنت المراقب.
ثم أُخرج من المفرزة، وأُلبست كلابيته بالمقلوب، وترك حافي القدمين ليركض في شوارع كوباني.
وهنا تنتهي الحكاية الأولى.
لكن الحكاية الأهم تبدأ من هنا.
فالسؤال ليس فقط: ماذا فعل جرطو؟
السؤال هو: ماذا فعلت الذاكرة بكل ذلك؟
كيف يمكن لرجل ارتبط اسمه، في ذاكرة الناس ورواياتهم، بالوشاية والأجهزة الأمنية، أن يتحول بعد سنوات إلى واحد من وجهاء المنطقة؟
كيف يمكن أن تختفي المفرزة، بينما يبقى بعض من ارتبطوا بها حاضراً في المشهد الاجتماعي؟
واليوم، كما تروي الحكاية، أصبح جرطو صاحب مضافة وقهوة مرة؛ يجلس فيها الرجال، وتناقش فيها شؤون الناس، وربما يدخل إليها من كان بالأمس يخشى حتى من سماع اسمه.
يا لها من مفارقة!
الرجل الذي كان يقال إنه يرفع التقارير إلى الأمن أصبح صاحب مجلس. والذي كان جزءاً من شبكة المراقبة أصبح جزءاً من شبكة الوجاهة. والذي ركض حافياً في شوارع كوباني صار له كرسي يجلس عليه الآخرون.
لكن المفارقة لا تكمن في جرطو وحده.
إنها تكمن في ذاكرة المجتمع.
فالاستبداد لا ينتهي بمجرد سقوط مؤسساته. قد تغلق المفرزة، وتختفي السيارات الأمنية، ويتغير الزمن، لكن آثار النظام قد تبقى في العلاقات والمعايير الاجتماعية، وفي الطريقة التي ينظر بها الناس إلى النفوذ والوجاهة والخوف.
وهذا هو الوجه الأخطر للاستبداد:
إنه لا يريد أن يحكمك فقط؛ بل يريد أن يعيد تشكيل المجتمع من الداخل. يريد أن يقرر من يستحق الاحترام، ومن يستحق الخوف، ومن يصبح وجيهاً، ومن يبقى منبوذاً، ومن يملك حق الكلام، ومن عليه أن يصمت.
وفي المجتمعات التي عاشت طويلاً تحت القمع، تنقلب الأدوار أحياناً بصورة مؤلمة:
يصبح صاحب الماضي الملتبس صاحب مضافة، ويصمت الشاهد، وينسى الناس، وتدفن التفاصيل تحت ركام السنوات.
وهكذا لا يموت الاستبداد كله بسقوط السلطة. بعضه يبقى في الذاكرة. وبعضه يبقى في العلاقات. وبعضه يجلس بهدوء في المضافة، أمام فنجان قهوة مرة.
لقد كان النظام البعثي يعرف أن اعتقال الجميع مستحيل. لم يكن يحتاج إلى اعتقال الجميع. كان يكفي أن يجعل الجميع يشعرون بأنهم قابلون للاعتقال.
ومن هنا ولدت شبكة الخوف: عيون تراقب، وآذان تسمع، وألسنة تنقل، وأسماء تصعد من بيت إلى مفرزة، ومن مفرزة إلى ضابط، ومن ضابط إلى ملف.
ثم مرت السنوات. تغير الزمن. وتغيرت الوجوه. وأُغلقت أبواب كثيرة. لكن جرطو بقي.
مضافة.
وقهوة مرة.
ورجال يجلسون.
وذاكرة مدينة تعرف، أو تتناسى، أو تتظاهر بأنها لا تعرف.
وهنا يصبح السؤال أكبر من جرطو نفسه:
هل ينتهي الاستبداد حقاً إذا بقيت معاييره حية في المجتمع؟
وهل يمكن بناء ذاكرة عادلة إذا وضعنا الضحية والمخبر، والشاهد والمتعاون، في الصف نفسه، ثم طلبنا من التاريخ أن يصمت؟
التاريخ لا يحتاج إلى الانتقام. لكنه يحتاج إلى شيء واحد:
ألا يكذب.
فالمدن لا تشفى بالنسيان.
والذاكرة التي لا تواجه ماضيها تتحول إلى مضافة أخرى؛ مضافة كبيرة، يجلس فيها الجميع، ويشربون القهوة المرة، ويتحدثون عن الماضي...
لكنهم يتجنبون السؤال الذي لا ينبغي أن يموت:
من كان يجلس في الجهة الأخرى من الباب عندما كانت كوباني خائفة؟
وأخيراً، مات أبو الفيدا، وبقي جرطو وفرطو على قيد الحياة. ومضت السنوات، وتبدلت الوجوه والأدوار، فإذا بجرطو يصبح واحداً من وجهاء العشيرة والمنطقة، وشخصيةً اجتماعيةً تحظى بالاحترام والتقدير. كأن المفرزة لم تكن، وكأن الدولاب لم يكن، وكأن شوارع كوباني لم تحفظ يوماً خطاه حافياً.