ب
قلم: د. عدنان بوزان
الجهل ليس أن تجهل شيئاً، فجهل الإنسان بحقيقةٍ ما قد يكون بدايةً صادقةً للمعرفة؛ إنما الجهل الأكثر عمقاً وخطراً هو أن يجهل الإنسان جهله، وأن يتحول نقص المعرفة في وعيه إلى يقينٍ مكتمل، فيعتقد أنه يعرف لأنه يملك إجابة، لا لأنه امتلك الحقيقة. ومن هنا يبدأ وهم المعرفة: حين تصبح الإجابة حاجزاً يمنع السؤال، وحين يتحول اليقين من أداةٍ مؤقتة لفهم العالم إلى سجنٍ مغلق لا يسمح للعقل بأن يرى ما يقع خارج حدوده. إن الإنسان لا يخاف الجهل بقدر ما يخاف الاعتراف بأنه جاهل؛ لأن الاعتراف بالجهل يهدم الصورة التي بناها عن نفسه، بينما الوهم يمنحه راحةً نفسيةً تشبه امتلاك الحقيقة دون مشقة البحث عنها. ولهذا فإن أكثر العقول خطراً ليست تلك التي لا تعرف، بل تلك التي لا تعرف أنها لا تعرف؛ فهي لا تبحث عن الحقيقة، وإنما تبحث عن الأدلة التي تؤكد ما قررته مسبقاً. وحين يصبح الوهم معرفةً في وعي صاحبه، تتحول الحقيقة نفسها إلى عدو، لأن الحقيقة لا تأتي دائماً لتؤكد ما نعتقده، بل تأتي في كثير من الأحيان لتطالبنا بالتخلي عن اعتقاداتٍ أحببناها أكثر مما أحببنا الحقيقة. إن المعرفة الحقيقية تبدأ في اللحظة التي يفقد فيها الإنسان ثقته المطلقة بما يظنه معرفة، لا لكي يسقط في الشك العقيم، وإنما لكي يفتح في جدار اليقين نافذةً يدخل منها السؤال. فالعقل الذي يقول «لا أعرف» لا يكون ناقصاً بالضرورة؛ بل قد يكون قد بلغ أول شروط الحكمة، بينما العقل الذي يقول «أعرف» دون أن يسأل: كيف عرفت؟ ولماذا أعتقد أن ما أعرفه صحيح؟ وما الذي يمكن أن يثبت خطئي؟ يكون قد انتقل من الجهل إلى مرحلةٍ أشد خطورة: جهلٍ يملك لغة المعرفة ويستخدم أدواتها، لكنه فقد جوهرها. لذلك ليست المشكلة الكبرى في أن يكون الإنسان جاهلاً، وإنما في أن يبني من جهله عقيدة، ومن وهمه يقيناً، ومن يقينه سلطةً يحاكم بها الآخرين. عندها لا يعود الجهل حالةً معرفية، بل يصبح بنيةً ذهنيةً كاملةً تقاوم كل ما يمكن أن يكشفها. وربما كانت أعظم مهمة للفلسفة ليست أن تمنح الإنسان أجوبةً جديدة، بل أن تنقذه من الأجوبة التي أغلق بها أبواب السؤال، وأن تعيده إلى تلك المنطقة النادرة التي يقف فيها العقل أمام الوجود عارياً من غروره، ويقول: لست متأكداً مما أعرف؛ ولذلك سأبدأ من جديد.