بقلم: د. عدنان بوزان
ثَمة أشياء لا تصل إلى مكان، لأنها ولدت أصلاً لتظل في الطريق؛ محطات بلا أسماء، ووجوه عبرت العمر كأنها ظلال عابرة على جدار غارق في المساء، وأرواح حملت حقائبها دون أن تعرف إلى أي جهة تمضي. كأن الحياة لم تكن سوى درب طويل؛ كلما ظننا أننا بلغنا نهايته، انفتح أمامنا منفى آخر، ونافذة أخرى، وليل أشد وحشة.
نعبر الحدود التي لا ترى، ونترك خلفنا ما لا يستطيع القلب أن يتركه؛ بيتاً غاب، ووجهاً لم يعد، وصوتاً ظل عالقاً في مكان ما بين الذاكرة والغياب. نمضي، لا لأن الطريق ينادينا، بل لأن الوقوف صار شكلاً آخر من أشكال الموت.
وفي أعماق هذا الرحيل، يظل للروح صهيلها الخافت؛ صهيل لا يسمعه أحد، لكنه يوقظ في العتمة كل ما حاولنا دفنه تحت ركام السنين. هناك، حيث لا تمتد يد ولا تبلغ مواساة، تبدأ الكلمات في البكاء وحدها، وتتحول الحروف إلى آثار أقدام على رمل القدر؛ تمحوها الريح، ثم تعود فتنقشها من جديد.
كم من حكاية عبرت بنا ولم نكتبها، وكم من وجع عاش فينا حتى صار جزءاً من ملامحنا. كنا نبتسم أحياناً كي لا ينكشف الخراب، ونصمت لأن بعض الأحزان أكبر من أن تقال، وأعمق من أن تحملها اللغة.
ولأن للقدر طريقته الباردة في الكتابة، ظل يترك على صدورنا حروفاً لا تقرأ إلا بعد فوات الأوان؛ سطوراً من أنين مكتوم، ونقاطاً معلقة، وأسئلة بلا أبواب. وكلما حاولنا أن نفهم ما حدث، كان الصمت أكثر حكمة من الإجابة.
ربما لهذا لا تنتهي الحكايات حقاً؛ إنها فقط تتوارى. تسكن في ارتعاشة صوت، وفي رائحة مكان بعيد، وفي أغنية تأتي فجأة من جهة لا نعرفها، أو في ليلة طويلة نشعر فيها أن العالم كله قد نام، وبقيت أرواحنا وحدها مستيقظة تحرس ما تبقى من الضوء.
نحن لا نحمل أعمارنا معنا؛ نحمل شظاياها فقط: قطعة من طفولة لم تكتمل، وضحكة فقدت طريقها، وحباً لم يجد موعده، ووطناً ظل في القلب أكثر مما ظل على الخريطة، ووجوهاً رحلت قبل أن نخبرها كم كنّا نحتاج إليها.
وهكذا نمضي، بلا ميعاد، وبلا يقين، وبلا نهاية واضحة؛ تعبرنا الأيام كما نعبرها، وتسرق منا الأشياء بصمت الآلهة القديمة، بينما يبقى في أقصى الروح ذلك الصهيل البعيد، يرفض أن يموت.
وحين يسدل الليل ستاره الأخير، ولا يبقى لنا من العالم سوى نبضة وذكرى وحرف، نكتشف أن أكثر ما يؤلم في الرحيل ليس أن نفقد الطريق، بل أن نصل ذات يوم إلى مكان لا يعرف شيئاً عن الذين كنّاهم.
عندها فقط نفهم أن بعض الأرواح لا تبحث عن وطن، بل عن أثر صغير يثبت أنها مرّت من هنا؛ وأن بعض الكلمات لا تكتب لكي تقرأ، وإنما لكي تبقى شاهدة على أن قلباً ما، في زمن بعيد، أحبّ، وتألم، وصمت، ثم مضى.