بقلم: د. عدنان بوزان
أما بعد...
فإني أكتب إليك من عتبٍ طال مقامه في الفؤاد حتى غدا جاراً لا يبرح، ومن حنينٍ استوطن الروح حتى لم يعد يعرف سبيلاً إلى الرحيل. والدموع تغسل حبر قلمي، فلا ينساب على القرطاس إلا ما اعتصره الأسى من شغاف القلب، ولا تخط أناملي كلماتٍ تقرأ، بل جراحاً تروى، وأنيناً طال حتى حسبته بعضاً من نبضي، لا يفارقني إلا ليفارقني معه السلام.
وما عدتُ أدري أأكتب إليك لأخفف عن قلبي بعض ما أثقله الزمان، أم أكتب لأن الحروف آخرُ من بقي لي حين انفض من حولي كل شيء. ولعل الإنسان، إذا ضاقت به مسالك البوح، آوى إلى الورق كما يأوي الغريق إلى آخر خشبةٍ تطفو فوق بحر الهلاك؛ لا لأنه يوقن بالنجاة، بل لأنه لا يجد بعد اليأس إلا الرجاء.
لقد طال مقام الحنين في صدري حتى حسبته عضواً من أعضائي، فما عاد طيفاً عابراً ينتظر انصرافه، بل أصبح مقيماً لا يعرف غير قلبي وطناً، ولا غير ذاكرتي منزلاً. وكلما هممتُ أن أقتلع جذوره من أعماقي، ازداد تشبثاً بها، حتى خُيِّل إليَّ أنني لم أعد أحمل قلباً، وإنما أحمل بستاناً ذابلاً تتهاوى أوراقه في صمت، ولا يسمع أنين أشجاره إلا الله.
ما أعجب هذا الغياب...
إنه لا يستأذن الأرواح إذا دخلها، ولا يطرق أبواب القلوب قبل أن يستوطنها، بل يهبط عليها كما يهبط الليل على مدينةٍ أنهكها الانتظار، فيطفئ قناديلها واحداً بعد آخر، ثم يجلس في أعمق زواياها، يرقب آخر ما بقي من الضوء وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.
ومنذ أن افترق الطريقان، لم يعد الزمان كما عهدته. تشابهت الأيام حتى غدا الصباح نسخةً باهتةً من مساءٍ مضى، وفقدت المواسم قدرتها على الدهشة، وأصبحت الشمس تشرق كل يوم، غير أن الحياة لم تعد تشرق معها. وعلمت يومئذٍ أن العمر بعد الفقد لا يقاس بعدد السنين، وإنما بعدد المرات التي حاول فيها القلب أن ينسى فعجز، وأن يبرأ فلم يبرأ.
ولقد كنت أظن أن النسيان رحمةٌ يهديها الله إلى القلوب المنكسرة، ثم أدركت أن للرحمة أبواباً لا تفتح للجميع. فثمة قلوبٌ كتب عليها أن تحفظ الوجع كما تحفظ الأم أسماء أبنائها، وأن تصون الذكريات كما تصان الودائع، وإن كانت كل ذكرى منها سكيناً جديدةً يغرسها الغياب في خاصرة العمر.
أتعلم؟
إن أقسى ما في الفقد ليس رحيل الأحبة، بل بقاء الأشياء بعدهم على حالها؛ أن يبقى المقعد في موضعه، والنافذة تطل على الطريق نفسه، والكتاب مفتوحاً عند الصفحة ذاتها، وفنجان القهوة يفوح بالعطر الذي كان يجمع الأرواح، بينما اليد التي اعتادت أن تمتد إليه قد غابت إلى غير رجعة. عندها يدرك الإنسان أن الجمادات أوفى من كثيرٍ من البشر؛ فهي لا تعرف كيف تنسى.
أما الليل...
فقد غدا راعي وحدتي، ورفيق صمتي، وأمين أسراري. يجلس إلى جواري كل مساء، يفتح دفاتر الذكرى صفحةً بعد صفحة، ويعيد إلى سمعي أصواتاً حاول الزمن أن يدفنها، حتى إذا أوشكت أن أصدق أنها قد عادت، أيقظني الصمت على الحقيقة المُرَّة: أن بعض الأصوات لا تعود إلا لتزيد المسافات اتساعاً، وبعض الوجوه لا تزور الذاكرة إلا لتوقظ فيها ما حسبناه قد مات.
ولم أعد أخشى الدموع، فإنها أرحم من ذلك الصمت الذي يثقل القلب حتى يكاد يتصدع. وإنما أخشى اليوم الذي يعجز فيه الإنسان عن البكاء، فيتحول حزنه إلى صخرةٍ مستقرةٍ في أعماقه، ويصبح الألم جزءاً من كيانه، فلا يعود يشعر به، لأنه غدا هو الألم نفسه.
كم هو موجعٌ أن يمضي المرء بين الناس باسم الوجه، مكسور الروح، يجيب عن أسئلتهم، ويشاركهم أحاديثهم، ويصافحهم بيدٍ ثابتة، بينما في داخله مدينةٌ كاملةٌ من الخراب، ما تزال تقف عند آخر وداع، لم تغادره، ولم تقنع نفسها قط بأن النهاية قد وقعت.
لقد علمني الحنين أن أكثر المقابر ازدحاماً ليست تلك التي تضم الأجساد، بل تلك التي تضم الأحلام. فكم من حلمٍ مات قبل أن يولد، وكم من وعدٍ ذبل قبل أن يكتمل، وكم من طريقٍ انتهى قبل أن يبلغ سالكيه. وما أكثر الذين يمشون بين الناس بأجسادٍ حية، بينما أرواحهم دفنت منذ أعوامٍ في لحظةٍ واحدة، ولم يفلح الزمن في انتشالها.
وكلما حسبت أنني دنوت من التعافي، خرجت من بين التفاصيل الصغيرة ذكرى كانت كافيةً لأن تعيدني إلى أول الطريق؛ رائحةٌ عابرة، أو كلمةٌ قيلت على عجل، أو مساءٌ يشبه مساءً مضى، فإذا بالسنين جميعها تتراجع، وكأن الزمن لم يخط خطوةً واحدة، وكأن القلب ما يزال واقفاً عند الباب ذاته، ينتظر من يعلم يقيناً أنه لن يعود.
لقد أدركت أخيراً أن بعض الغياب لا ينتهي؛ لأنه لا يسكن الأمكنة، بل يسكن الإنسان نفسه. نحمله في نظراتنا، وفي نبرة أصواتنا، وفي ارتجاف أيدينا، وفي دعائنا الطويل، حين لا نسأل الله إلا سكينةً تأخر وصولها كثيراً.
فإن بلغت هذه الكلمات قلباً أرهقه الانتظار، فليعلم أنه ليس وحده في هذا العالم. فثمة قلوبٌ تمضي أعمارها وهي تجمع شتات نفسها مع كل صباح، ثم تعود الذكريات فتبعثره مع كل مساء. وثمة أرواحٌ أتقنت الابتسام حتى ظنها الناس سعيدة، وما كانت إلا تخفي وراء ملامحها محيطاً من الدموع لم يعرف طريقه إلى العيون.
أما أنا...
فما عدت أبتغي من الحياة إلا قلباً لا يخاصمه السلام، وذكرى لا تؤلمه كلما مرَّ بها، وليلةً ينام فيها الحنين، بعد أعوامٍ طويلةٍ ظلَّ فيها ساهراً على أطلال الروح.
وإن كان لكل إنسانٍ وطنٌ يؤوب إليه كلما أنهكه السفر، فإن وطني الذي أضعته لم يكن أرضاً، ولا مدينةً، ولا بيتاً... بل كان قلباً. فلما غاب، غدوت غريباً في كل الجهات، أحمل ما تبقى من عمري على كتفي، وأمضي، كأنني آخر العابرين في طريقٍ لا نهاية له.