بقلم: د. عدنان بوزان
لا تغلق الباب في وجه الوجع، فثمة قلوبٌ أنهكتها الهجرة، وأرواحٌ أضناها المنفى، ولم يعد لها من هذا العالم سوى بابٍ أخيرٍ تطرقه، على أمل أن تجد خلفه إنساناً لا يسألها: من أين جاءت؟ بل يسألها: كيف نجوت؟ وكيف استطعت أن تحمل كل هذا الألم وتواصل السير؟
ليس كل من غادر وطنه كان يبحث عن حياةٍ أكثر رفاهية، ولا كل من شد الرحال كان يطارد حلماً بعيداً. فكثيرون خرجوا لأن أوطانهم ضاقت بهم، ولأن الحرب انتزعت منهم البيت، والشارع، والنافذة، وشجرة الطفولة، وحتى أسماء الذين أحبوهم. خرجوا تاركين وراءهم أعماراً كاملة، لا حقائب سفرٍ فحسب.
الغربة ليست المسافة التي تفصل بين بلدين، بل الفراغ الذي يتمدد بين الإنسان وكل ما كان يمنحه شعور الانتماء. هي أن تستيقظ في مدينةٍ جميلة، لكنك لا تعثر فيها على رائحة الخبز الذي كانت تعده أمك، ولا على أصوات الجيران، ولا على الأزقة التي حفظت خطوات طفولتك. هي أن تتعلم لغةً جديدة لتعيش، بينما يظل الحنين يتحدث بلغتك الأولى، ويرفض كل ترجمة.
كن الحضن الأخير لمن أنهكه الطريق، والكلمة التي تعيد الطمأنينة إلى قلبٍ لم يذق السكينة منذ أعوام، واليد التي لا تنسحب حين ينسحب الجميع. فالمهاجر لا يحتاج دائماً إلى وطنٍ جديد، بقدر ما يحتاج إلى إنسانٍ يعامله بكرامة، ويشعره بأن إنسانيته لم تسلب عند أول معبر، وأن الرحمة لا تزال تسكن قلوب البشر.
ولعل دفئك يعيد إلى قلبٍ منكسرٍ شيئاً من إيمانه بالحياة، ولعل ابتسامةً صادقة، أو كلمةً طيبة، أو موقفاً إنسانياً صادقاً، تكون الجسر الذي يعبر به إنسانٌ من قسوة الغربة إلى فسحة الأمل. ففي زمنٍ تتكاثر فيه الحدود، وتعلو فيه الأسلاك على الجسور، تبقى المحبة الوطن الوحيد الذي لا يحتاج إلى جواز سفر، وتبقى الإنسانية البيت الأوسع الذي يجد فيه المتعبون شيئاً من الدفء، ويستعيد فيه المنفيون المعنى الذي سرقته منهم الغربة.