صدر كتاب «وَهْمُ المَعْرِفَة: من سقراط إلى الإنسان المعاصر» للدكتور عدنان بوزان
- Super User
- مؤلفات فلسفية
- الزيارات: 1292
صدر حديثاً كتاب «وَهْمُ المَعْرِفَة: من سقراط إلى الإنسان المعاصر»، من تأليف الدكتور عدنان بوزان، في 215 صفحة، وهو عمل فلسفي ينطلق من سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه كلما تعمقنا فيه أصبح أكثر قلقاً وإرباكاً: «ماذا نعرف؟» ثم يتجاوز هذا السؤال إلى السؤال الأشد عمقاً وإزعاجاً: «هل نعرف حقاً ما نظن أننا نعرفه؟»
فالإنسان لم يكن يوماً أسير الجهل وحده، بل كان، في كثير من الأحيان، أسيراً لما يعتقد أنه معرفة. وربما كان الجهل الصريح أقل خطراً من المعرفة الوهمية؛ لأن الجاهل يعرف، أو يستطيع أن يعرف، أنه يجهل، أما صاحب الوهم المعرفي فيمتلك يقيناً يمنعه من رؤية جهله. ومن هنا تبدأ المفارقة الكبرى: قد لا تكون أخطر حدود الإنسان هي الأشياء التي يجهلها، وإنما الأشياء التي يظن أنه يعرفها.
يبدأ هذا الكتاب من الجهل، لا باعتباره عيباً أو نقصاً ينبغي إخفاؤه، بل باعتباره نقطة البداية الأولى لكل سؤال معرفي حقيقي. فالإنسان لا يبدأ رحلته نحو المعرفة من امتلاك الحقيقة، وإنما من اكتشاف النقص فيها، ومن إدراك أن ما يراه ليس بالضرورة كل ما هو موجود، وأن ما يعتقده ليس بالضرورة حقيقة، وأن السؤال قد يكون أحياناً أكثر قيمة من الإجابة.
ومن هذه النقطة تبرز تجربة سقراط بوصفها واحدة من أهم اللحظات المؤسسة في تاريخ التفكير الفلسفي؛ إذ لم يجعل سقراط الحكمة في ادعاء المعرفة، وإنما في الوعي بحدودها. فالاعتراف بالجهل، في المنظور السقراطي، ليس استسلاماً للعجز، بل تحرير للعقل من غرور اليقين، وفتح للباب أمام السؤال والحوار والفحص والنقد. لكن رحلة الإنسان لم تتوقف عند هذه اللحظة؛ فقد ظل عبر القرون يبني أنظمة فكرية ومعتقدات وتصورات عن نفسه والعالم والحقيقة، ثم يحول بعضها، بوعي أو من دون وعي، إلى مسلمات يصعب مساءلتها.
ومن هنا يحاول الكتاب أن يتتبع رحلة الإنسان من الجهل إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الاعتقاد، ومن الاعتقاد إلى اليقين، ومن اليقين إلى وهم المعرفة. وهي رحلة ليست خطية ولا بسيطة؛ فالمعرفة قد تحرر الإنسان، لكنها قد تتحول أيضاً إلى أداة لإعادة إنتاج الوهم عندما تنفصل عن النقد والمراجعة والتواضع المعرفي. وليس كل ما نعرفه معرفة، ولا كل ما نعتقده حقيقة، ولا كل ما نستطيع تفسيره فهماً، ولا كل ما نستطيع الوصول إليه عبر المعلومات يمثل وعياً حقيقياً.
فالكتاب لا يتعامل مع الجهل باعتباره غياباً للمعلومات فحسب، وإنما يبحث في بنية الجهل نفسه: كيف يتكون؟ وكيف يستمر؟ وكيف يتحول أحياناً إلى يقين؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يعيش داخل منظومة من الأفكار الموروثة أو المكتسبة دون أن يسأل عن مصادرها وحدودها وصحتها؟ كما يبحث في الجانب الآخر من المشكلة: كيف تتكون المعرفة؟ ومتى تتحول المعرفة إلى اعتقاد؟ ومتى يتحول الاعتقاد إلى أيديولوجيا؟ ومتى يصبح اليقين حاجزاً أمام التفكير بدل أن يكون نتيجة له؟
إن المشكلة الأكثر تعقيداً ليست دائماً أن الإنسان لا يعرف، وإنما أنه لا يعرف أنه لا يعرف. فحين يعي الإنسان جهله، يصبح الجهل سؤالاً، والسؤال بداية للبحث، والبحث طريقاً إلى المعرفة. أما حين يعتقد أنه يمتلك الحقيقة كاملة، فإن السؤال يصبح تهديداً، والنقد يصبح خصومة، والمراجعة تصبح تراجعاً، ويغدو العقل أسيراً لما صنعه بنفسه من يقين.
وهنا يطرح الكتاب مفهوم «وَهْمُ المَعْرِفَة» بوصفه حالة تتجاوز الخطأ العابر في التفكير. إنه الوهم الذي يجعل الإنسان يخلط بين المعلومة والمعرفة، وبين المعرفة والفهم، وبين الفهم والحقيقة. وقد يعرف الإنسان اسم الشيء دون أن يعرف حقيقته، وقد يعرف جزءاً من الحقيقة فيتصور أنه امتلك الحقيقة كلها، وقد يسمع تفسيراً مقنعاً فيتعامل معه بوصفه حقيقة نهائية، وقد يكرر فكرة آلاف المرات حتى ينسى أن تكرارها لا يجعلها صحيحة.
وفي عصرنا الحديث، أصبحت المسألة أكثر تعقيداً. فنحن نعيش في زمن لم تعد فيه المشكلة الأساسية هي صعوبة الوصول إلى المعلومات، بل القدرة على التمييز بين المعلومات والمعرفة، وبين المعرفة والوهم، وبين الحقيقة وما يشبه الحقيقة. بضغطة واحدة يستطيع الإنسان الوصول إلى آلاف الإجابات، لكنه قد يظل عاجزاً عن طرح السؤال الصحيح. وقد يمتلك هاتفاً يحمل في داخله من المعلومات أكثر مما كان متاحاً لأجيال كاملة من البشر، ومع ذلك قد يزداد يقينه بأفكار لم يفحصها، وتعلقه بمعلومات لم يتحقق منها، وثقته في أحكام لا يمتلك أدوات معرفية كافية للدفاع عنها.
إن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة المعرفة، كما أن سرعة الوصول إلى الإجابة لا تعني امتلاك الفهم. فالمعلومة يمكن أن تحفظ، أما المعرفة فتحتاج إلى بناء، والفهم يحتاج إلى تحليل، والحقيقة تحتاج إلى اختبار، والحكمة تحتاج إلى قدرة على رؤية حدود ما نعرفه.
ولهذا فإن «وَهْمُ المَعْرِفَة» لا يكتفي بالسؤال عن الأشياء التي يعرفها الإنسان، بل يسأل أيضاً عن مصادر معرفته، وآليات تشكل يقينه، وحدود إدراكه، والعوامل التي تجعله يصدق، والأسباب التي تجعله يرفض، والطرق التي يمكن أن يتحول بها الوهم إلى حقيقة داخل وعي الفرد والمجتمع.
فالإنسان لا يعيش داخل العالم وحده، وإنما يعيش أيضاً داخل الصورة التي كونها عن العالم. وهذه الصورة قد تكون قريبة من الحقيقة، وقد تكون بعيدة عنها، وقد تكون مزيجاً من المعرفة والذاكرة والخوف والرغبة والتربية واللغة والمجتمع والتجربة الشخصية. ومن هنا يصبح فهم الإنسان للعالم مرتبطاً، قبل كل شيء، بفهم الكيفية التي يتكون بها وعيه هو.
إن الكتاب يفتح كذلك سؤالاً أكثر عمقاً: «هل يستطيع الإنسان أن يعرف الحقيقة من دون أن يعرف حدود أدواته في الوصول إليها؟» وهل يمكن لعقل محدود أن يدعي امتلاك حقيقة مطلقة؟ وهل يمكن أن تكون بعض يقينياتنا مجرد انعكاس لحاجتنا النفسية إلى اليقين؟ وهل نبحث عن الحقيقة فعلاً، أم نبحث أحياناً عن الحقيقة التي توافق ما نريد أن نصدقه؟
هذه الأسئلة لا تأتي في الكتاب بهدف تقديم أجوبة نهائية مغلقة، وإنما بهدف إعادة فتح العقل أمام السؤال. فالفلسفة، في جوهرها، ليست مستودعاً للأجوبة بقدر ما هي قدرة على مقاومة الإجابة السهلة، وعلى الشك فيما يبدو بديهياً، وعلى مساءلة ما اعتدنا أن نمر عليه دون تفكير.
ومن سقراط إلى الإنسان المعاصر، تتغير الأدوات، وتتغير اللغة، وتتغير أنماط المعرفة، لكن السؤال الأساسي يبقى حاضراً: «كيف نعرف أننا نعرف؟»
إن «وَهْمُ المَعْرِفَة» ليس كتاباً عن الجهل وحده، ولا عن المعرفة وحدها، بل عن المنطقة الملتبسة بينهما؛ عن تلك المسافة الدقيقة التي يمكن أن تتحول فيها المعلومة إلى اعتقاد، والاعتقاد إلى يقين، واليقين إلى سلطة، والسلطة إلى وهم يرفض أن يسائل نفسه.
إنه كتاب في الجهل والمعرفة والوعي واليقين والشك والحقيقة والوهم، وفي العلاقة المعقدة بين الإنسان وعقله، وبين ما هو موجود وما يعتقد أنه موجود، وبين الحقيقة التي يبحث عنها والوهم الذي قد يصنعه ثم يدافع عنه.
ولذلك، فإن هذا الكتاب لا يطلب من القارئ أن يوافقه بقدر ما يدعوه إلى أن يفكر، ولا يطالبه بأن يستبدل يقيناً بيقين آخر، وإنما يدعوه إلى النظر في يقينياته نفسها. فربما تبدأ المعرفة الحقيقية في اللحظة التي نتوقف فيها عن ادعاء امتلاكها كاملة.
وربما يكون السؤال الأكثر أهمية الذي يمكن أن يخرج به القارئ من هذه الرحلة ليس: «ماذا عرفت؟» بل: «كم من الأشياء التي أظن أنني أعرفها لم أختبرها حقاً؟»
من هنا تبدأ الرحلة...
من الجهل إلى السؤال، ومن السؤال إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى اليقين، ومن اليقين إلى وهم المعرفة.
«وَهْمُ المَعْرِفَة: من سقراط إلى الإنسان المعاصر»
تأليف: الدكتور عدنان بوزان
كتاب فلسفي، 215 صفحة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اقرأ إلكترونيا من خلال الرابط التالي
https://online.fliphtml5.com/uczyba/oein/#p=1
للقراءة وتنزيل الكتاب أضغط الملف في الأسفل