صدور الديوان الشعري الجديد «أوراق من قمح وحنين» للشاعرة أفين بوزان
بعض الدواوين لا تقرأ فحسب، بل تعاش؛ إذ تنفذ قصائدها إلى أعماق الروح، حيث تختبئ الحكايات التي لم تكتمل، والأوطان التي لا تغادرنا وإن غادرناها، والوجوه التي يتركها الزمن خلفنا، فيما تظل أرواحنا معلقة عند لحظة الوداع. ومن هذه المساحة الشفيفة بين الذاكرة والوجدان، والحب والفقد، ودفء الأرض ووحشة المنفى، يأتي الديوان الشعري الجديد «أوراق من قمح وحنين» للشاعرة أفين بوزان، رحلةً في تضاريس الروح، واستعادةً لما ظنناه ضائعاً في زحام الأعوام.
في ديوانها الشعري الثاني، تجعل أفين بوزان من القصيدة فضاءً إنسانياً تتقاطع فيه التجربة الشخصية مع الوجع الإنساني، وتلتقي رهافة البوح بعمق الانتماء. فالحنين ليس مجرد التفاتة إلى الماضي، بل مقاومةٌ للنسيان ووفاءٌ لما تركته الأيام في أعماقنا؛ والحب ليس وعداً بالفرح وحده، بل قدرةٌ على الاحتفاظ بالنور وسط العتمة؛ أما الوطن، فليس مجرد اسمٍ على خريطة، بل رائحة خبزٍ، ودفء تراب، وذاكرة أم، وصوتٌ يظل ينادي أبناءه مهما ابتعدت بهم المنافي.
في إحدى وثلاثين قصيدةً، تمتد على مئة وسبعٍ وخمسين صفحةً، تنسج الشاعرة عوالمها من خيوط الحب والوطن والغربة والمنفى، محولةً التفاصيل الصغيرة إلى نوافذ على ذاكرةٍ مثقلة بالحكايات، والألم إلى لغةٍ تستعيد ملامح الإنسان في مواجهة الفقد. فالقمح، بما يحمله من دلالات الأرض والخصب والحياة، رمزٌ للجذور التي تقاوم الاقتلاع، وللأمل الذي ينضج رغم قسوة المواسم؛ أما الحنين، فهو الخيط الخفي الذي يصل الغائب بما ترك، والمنفي بما يتوق إلى استعادته، والإنسان بما تعجز المسافات عن انتزاعه من قلبه.
وبين القمح والحنين، تتحرك القصيدة كرسالةٍ مؤجلة من مكانٍ بعيد، تحمل رائحة البيوت الأولى، وارتباك العشاق أمام الفراق، ووجع الذين اضطرتهم الحياة إلى حمل أوطانهم في الذاكرة بدلاً من حملها في خطواتهم. ومن هذا التناقض بين البعد والقرب، والفقد والوفاء، تنبثق كتابةٌ تمنح التجربة الإنسانية أبعاداً أعمق، وتذكرنا بأن بعض الجراح، وإن لم تلتئم تماماً، تستطيع أن تتحول إلى لغةٍ أكثر صدقاً وجمالاً.
إن «أوراق من قمح وحنين» ليس مجرد عنوانٍ يجمع صورتين شعريتين؛ إنه عالمٌ تتعانق فيه الأرض والذاكرة، ويغدو فيه الحب مقاومةً للفقد، والحنين وفاءً لما لا يعوض، والكتابة محاولةً لإنقاذ المعنى من التبدد. وفي ديوانها الثاني، تواصل أفين بوزان رحلتها مع الكلمة، مستحضرةً ما يبقى في الإنسان حين تتغير الأمكنة، وتبتعد الوجوه، وتثقل الذاكرة بما لم تستطع الأيام محوه.
فثمة قصائد نطوي صفحاتها بعد القراءة، وثمة قصائد تظل مفتوحةً في داخلنا، كنافذةٍ على بيتٍ قديم، أو طريقٍ لا نعرف إن كنا سنعود إليه، أو رسالةٍ لم نجرؤ يوماً على إرسالها. ولعل سر الشعر يكمن في قدرته على أن يجعلنا نرى في حكاية الآخر شيئاً من حكايتنا، وأن نكتشف أنّ ما حسبناه وجعاً خاصاً بنا هو، في جوهره، لغةٌ مشتركة تجمع الذين أحبوا وابتعدوا وانتظروا، وظلوا يحملون في قلوبهم حفنةً من ترابٍ لا يشبه أي تراب، وحنيناً لا تستطيع الأعوام أن تنتزع منه الحياة.
صدر حديثاً الديوان الشعري «أوراق من قمح وحنين» للشاعرة أفين بوزان؛ إحدى وثلاثون قصيدةً تنسج من الحب والوطن والغربة والمنفى حكاية الإنسان مع ذاكرته وجذوره، وتفتح للقارئ دروباً إلى تلك المساحة التي يظل فيها ما أحببناه حياً، مهما باعدت بيننا وبينه المسافات.
«أوراق من قمح وحنين»… ديوانٌ يكتب ما يبقى فينا حين تتغير الأمكنة، وتتبدل الفصول، وتظل الروح وفيةً لما أحبت.
للقراءة أو التنزيل أضغط الملف في الاسفل