آزادي بوست: ليس من السهل التعامل مع ما جرى في الحسكة وكوباني خلال اليومين الماضيين باعتباره مجرد حادثين أمنيين منفصلين، أو بوصفهما نتيجة طبيعية لتوتر عشائري عابر. فحين يختطف شاب كوردي ويقتل في ظروف تحمل طابعاً ثأرياً، ثم يشتعل، في السياق نفسه، سجن في مدينة كوباني الكوردية ويسقط داخله عدد من المعتقلين قتلى وجرحى، فإن السؤال السياسي والأمني يصبح أكبر بكثير من تفاصيل الجريمة نفسها: من يدير المشهد؟ ومن يملك السلاح؟ ومن يتحمل مسؤولية حماية الناس؟ ومن المستفيد من تحويل التوتر القومي إلى اقتتال أهلي؟
مقتل الشاب الكوردي سامي شيخموس حسو، المعروف باسم «سيبان قامشلي»، بعد اختطافه في الحسكة، جرى تقديمه في التقارير باعتباره جريمة ذات خلفية ثأرية مرتبطة بمجموعة عشائرية. لكن اختزال القضية في عبارة «ثأر عشائري» قد يكون أسهل تفسير إعلامي، وأفقر تفسير سياسي. فالسؤال الذي ينبغي أن يطرح بوضوح هو: كيف تتحول العشيرة إلى أداة مسلحة خارج القانون؟ ومن يسمح لمجموعات مسلحة بتنفيذ عمليات اختطاف وقتل على خلفية قومية أو انتقامية؟ وهل نحن أمام جريمة جنائية منفردة، أم أمام مناخ سياسي وأمني يجري فيه استخدام بعض القوى المحلية لضرب الكورد وإعادة إنتاج خطاب الصراع العربي–الكوردي؟
وهنا تحديداً ينبغي الحذر من تحميل العرب السوريين عموماً مسؤولية جريمة ارتكبها مسلحون أو مجموعات محددة. القضية ليست قضية عرب وكورد، وإنما قضية دولة وقانون وسلاح ومحاسبة. إن تحويل جريمة سيبان إلى مواجهة بين قوميتين هو بالضبط ما يجب رفضه؛ لأن المستفيد الأول من هذه المعادلة هو كل من يريد تفجير المجتمع السوري من داخله، وإعادة إنتاج منطق الثأر بدلاً من منطق العدالة.
لكن الأخطر أن جريمة قتل سيبان لم تبقَ جريمة منفردة، بل جاءت في مناخ متوتر انتهى إلى أحداث دامية داخل كوباني، حيث اندلع حريق في السجن المركزي وأدى، بحسب المصادر، إلى مقتل ما لا يقل عن ثمانية إلى عشرة سجناء وإصابة عشرات آخرين، مع اختلاف واضح في الحصيلة بين المصادر.
وهنا تبدأ الأسئلة التي لا يجوز دفنها تحت ركام الحريق.
من كان مسؤولاً عن السجن ساعة اندلاع النار؟
هذه ليست مسألة تفصيلية. فالتصريح المنسوب إلى الأمن الداخلي في حلب يقول إن سجن عين العرب/ كوباني لم يكن قد سُلّم بعد إلى الجهات الحكومية الرسمية. وفي الوقت نفسه، كان السجن في سياق ترتيبات انتقالية أمنية وسياسية معقدة، وكانت هناك معلومات عن رفض سجناء نقلهم إلى حلب.
إذا كان السجن لم ينتقل فعلياً إلى سلطة دمشق، فمن كان يتولى حمايته وإدارته؟ وإذا كان تحت مسؤولية جهة محلية، فمن أصدر الأوامر في لحظة الحريق؟ ومن كان مسؤولاً عن فتح الأبواب وإنقاذ السجناء؟ وإذا كان هناك تنسيق أمني بين أكثر من طرف، فأين كان هذا التنسيق عندما تحول السجن إلى مصيدة للموت؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً؛ لأن السجين، أياً كان انتماؤه أو التهمة الموجهة إليه، يصبح في عهدة الجهة التي تحتجزه. ومن لحظة إغلاق باب الزنزانة خلفه، تنتقل مسؤوليته الأخلاقية والقانونية إلى سلطة السجن. لذلك فإن موت السجناء حرقاً أو اختناقاً لا يمكن أن يختزل في عبارة «اندلع حريق»، وكأن الأمر يتعلق بمستودع مهجور.
والأكثر إثارة للقلق هو الرواية التي تتحدث عن أن السجناء أشعلوا النار بأنفسهم احتجاجاً على نقلهم إلى سجن حلب. وحتى هذه اللحظة، لا ينبغي التعامل مع هذه الرواية بوصفها حقيقة نهائية، بل باعتبارها ادعاءً يحتاج إلى تحقيق مستقل. فإذا كان السجناء قد أغلقوا الأبواب فعلاً أو قاموا بأعمال عصيان داخل السجن، فهذا لا يلغي مسؤولية إدارة المنشأة عن إجراءات الإنقاذ. وإذا كان الحريق قد اندلع في ظروف غامضة، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً: لماذا لم تفتح الأبواب فوراً لإنقاذ المحاصرين؟
وإذا ثبت أن أبواب السجن بقيت مغلقة رغم اشتعال النار، فهنا نحن لا نتحدث عن «حادث حريق» فقط، بل عن احتمال وجود تقصير جسيم أو قرار أمني أدى إلى موت أشخاص كان يمكن إنقاذهم. أما إذا ثبت أن الأبواب فتحت فعلاً وأن محاولات الإنقاذ جرت بصورة كاملة، فعلى الجهات المسؤولة أن تقدم للرأي العام الأدلة والتسجيلات والتوقيتات، لا أن تترك المجال مفتوحاً أمام الروايات المتناقضة.
السؤال الحقيقي ليس: من أشعل النار فقط، بل: لماذا مات هؤلاء داخل النار؟
فالفرق كبير بين حريق مفاجئ يقع في منشأة عادية، وبين حريق يقع داخل سجن يحتوي على أشخاص مقيدين في حركتهم، وتوجد فيه أبواب وحواجز ونقاط حراسة، ويفترض أن تكون لديه إجراءات طوارئ واضحة. ولهذا فإن أي تحقيق جدي يجب أن يحدد، بالدقيقة: متى بدأت الفوضى؟ ومتى بدأ الحريق؟ وأين اندلع؟ ومن أغلق الأبواب؟ ومن كان يملك مفاتيحها؟ ومتى وصلت فرق الإنقاذ؟ ولماذا لم يتم إجلاء جميع السجناء؟
أما الحديث عن أن السجناء «أحرقوا أنفسهم» كخلاصة جاهزة، فليس تحقيقاً؛ إنه رواية تحتاج هي نفسها إلى تحقيق.
والأهم من ذلك كله أن تزامن هذه الأحداث يفرض سؤالاً سياسياً لا يمكن الهروب منه: هل نحن أمام انفلات أمني، أم أمام استخدام منظم للانفلات الأمني في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية؟
لا أقول إن الحريق كان عملية متعمدة قبل ظهور أدلة قاطعة، ولا يجوز لأي كاتب جاد أن يحول الشبهة إلى حقيقة. لكن في الوقت نفسه، لا يجوز أن تتحول كلمة «حادث» إلى ستار يمنع التحقيق. فهناك فارق بين أن نقول «الحريق متعمد»، وبين أن نقول إن ظروف الحريق تفرض التحقيق في احتمال التعمد أو الإهمال الجسيم. وهذا تحديداً ما تقتضيه المسؤولية السياسية والأخلاقية.
لقد عانى السوريون لعقود من ثقافة إغلاق الملفات قبل معرفة الحقيقة. كلما سقط قتلى، ظهرت رواية جاهزة؛ وكلما وقعت جريمة، جرى البحث عن شماعة؛ وكلما مات معتقلون، أصبح السؤال عن المسؤولية أكثر خطورة من السؤال عن الضحايا. وهذه الثقافة يجب أن تنتهي، وإلا فإن سوريا الجديدة لن تكون جديدة إلا في أسماء مؤسساتها.
أما جريمة سيبان، فلا يجوز أن تتحول إلى ذريعة لحرب عربية–كوردية. وإذا كانت هناك مجموعات مسلحة ارتكبت الجريمة باسم العشيرة أو الثأر، فعليها أن تحاسب باعتبارها مجموعات خارجة عن القانون، لا باعتبارها ممثلة للعرب. وفي المقابل، لا يجوز استخدام الجريمة لتبرير انتقام جماعي من أي مكون عربي. فالعدالة لا تكون عدالة إذا تحولت إلى ثأر قومي.
وفي الوقت نفسه، فإن السلطة في دمشق مطالبة بموقف واضح لا يحتمل المناورة: إذا كانت قد أصبحت مسؤولة عن الأمن العام في المناطق التي دخلت إليها مؤسساتها، فعليها أن تحمي جميع المواطنين دون تمييز؛ وإذا لم تكن قد تسلمت بعد بعض المؤسسات الأمنية، فعليها أن توضح للرأي العام حدود مسؤولياتها ومن يملك القرار فيها. أما أن تكون السلطة مسؤولة سياسياً دون أن تكون مسؤولة أمنياً، فهذا وضع لا يمكن أن يستمر.
الدولة لا تختار مسؤوليتها بحسب اللحظة. لا تستطيع أن تقول: «هذه المنطقة تحت سلطتي» عندما يتعلق الأمر بالسيادة، ثم تقول: «ليست مسؤوليتي» عندما يموت السجناء داخل مؤسسة أمنية.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس لجنة شكلية تنتهي إلى بيان صحفي، بل تحقيق مستقل وشفاف في حادثتي قتل سيبان وحريق سجن كوباني، مع تحديد هوية القتلة، والجهات التي ساعدتهم أو تسترت عليهم، إن وجدت، وتحديد المسؤولين عن إدارة السجن، وفحص تسجيلات المراقبة، وسجلات الحراسة والاتصالات، وتحديد التسلسل الزمني للحريق، والاستماع إلى الناجين والمصابين، ثم إعلان النتائج للرأي العام.
فإذا ثبت أن الحريق كان متعمداً، فإن المسؤولين عنه يجب أن يواجهوا أقصى العقوبات التي ينص عليها القانون، أياً كانت الجهة التي ينتمون إليها. وإذا ثبت أن هناك إهمالاً أو تقصيراً أدى إلى موت السجناء، فإن الإهمال في مثل هذه الحالة ليس خطأً إدارياً بسيطاً؛ إنه مسؤولية جنائية يجب أن يحاسب عليها أصحاب القرار.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في سوريا اليوم ليس أن تقع جريمة؛ فالجريمة يمكن أن تقع في أي مجتمع. الأخطر أن تصبح الجريمة بلا صاحب، والدم بلا مسؤول، والحريق بلا تحقيق، والضحايا بلا حق في معرفة كيف ماتوا.
وما جرى في الحسكة وكوباني يجب أن يكون اختباراً حقيقياً للدولة السورية الجديدة: هل ستكون دولة قانون، أم دولة روايات؟ هل ستكون سلطة تحمي المواطن، أم سلطة تبحث عن تفسير يبرئ المسؤول؟ وهل سيكون الكورد مواطنين متساوين في الدولة، أم سيبقون مرة أخرى الحلقة الأضعف في كل أزمة أمنية وسياسية؟
لقد سقط نظام سياسي كامل في سوريا، لكن سقوط النظام لا يعني تلقائياً سقوط ثقافة الإفلات من العقاب. وهذه هي المعركة الحقيقية الآن.
لأن سوريا لا تحتاج إلى مزيد من الثأر، ولا إلى عشائر مسلحة، ولا إلى أجهزة أمنية متداخلة، ولا إلى روايات متناقضة.
سوريا تحتاج إلى حقيقة واحدة: من قتل سيبان؟ ومن أحرق سجن كوباني؟ ومن منع إنقاذ الذين ماتوا داخله؟
وعندما تعرف الإجابة، يجب ألا يكون هناك كبير على القانون.