يا أيها الشعب الكوردي، إن كان ما يزال يتذكر، ويا أيها الذين خدعوا طويلاً بالشعارات، ويا من ما زلتم تسيرون خلف أحزابٍ تتحدث باسمكم: هل تتذكرون ماذا كنت أقول منذ عام 2001؟
كنت أحذر منذ ذلك الوقت، من أن كثيراً ممن يقدمون أنفسهم بوصفهم قيادات وأحزاباً كوردية لا يمتلكون مشروعاً سياسياً وطنياً واضحاً للقضية الكوردية، وأن بعضهم يستخدم اسم القضية لتحقيق مصالح حزبية أو شخصية، أو ينخرط في أجندات وتحالفات تتجاوز في كثير من الأحيان المصلحة الوطنية الكوردية.
وعندما بدأت الحرب في سورية، وتصاعد الصراع بين النظام البعثي والقوى الإسلامية المسلحة، كررت التحذير نفسه بوضوح: لا تكونوا وقوداً لصراعات الآخرين، ولا تسمحوا بتحويل القضية الكوردية إلى ورقة في صراعات ومشاريع إقليمية ودولية. قلت ذلك يومها، فكان نصيبي الشتائم والتخوين والاتهامات، بدل أن يكون الرد نقاشاً سياسياً حول ما كنت أطرحه من أسئلة ومواقف.
لم يناقشوا الفكرة؛ هاجموا صاحبها.
واليوم، بعد أكثر من عقدين، هل تبدو تلك التحذيرات غريبة؟
أين المشروع السياسي الكوردي المستقل؟ أين الاستراتيجية؟ أين الرؤية الواضحة؟ وأين القدرة على اتخاذ القرار السياسي بما ينسجم مع مصالح الشعب الكوردي؟ وماذا بقي من كل تلك الشعارات والوعود والبيانات والمؤتمرات؟
لقد أثبتت التجربة أن رفع اسم الكورد لا يعني بالضرورة الدفاع عن مصالحهم، وأن التحدث باسم القضية لا يمنح صاحبه تلقائياً حق تمثيلها. وهناك فرق كبير بين من يحمل القضية باعتبارها مسؤولية وطنية وتاريخية، وبين من يتعامل معها بوصفها وسيلة للوصول إلى السلطة أو النفوذ أو المصالح أو تثبيت موقعه داخل تحالفات ومحاور مختلفة.
القضية الكوردية ليست حزباً، وليست قائداً، وليست عائلة، وليست منصباً أو مقعداً سياسياً، وليست ورقة تفاوضية تستخدم عند الحاجة ثم تهمل عندما تتغير المصالح. القضية أكبر من الأشخاص والتنظيمات، وأكبر من أي قيادة أو حزب، لأنها تتعلق بحقوق شعب ومصيره ومستقبله السياسي.
لكن المسؤولية لا تقع على الأحزاب والقيادات وحدها؛ فالمجتمع الذي لا يراجع أداء ممثليه، ولا يحاسبهم سياسياً، ولا يقارن بين الشعارات والنتائج، يمنحهم فرصة الاستمرار في النهج نفسه. والديمقراطية السياسية لا تقوم على الولاء الأعمى، بل على المساءلة والنقد والمراجعة وتداول المسؤولية.
لذلك حان الوقت لأن نسأل، بلا خوف ولا تخوين:
من يمثل الكورد فعلاً؟
من يعمل من أجل مصالحهم؟
من يستخدم القضية لمصالحه؟
ومن يتحدث باسم الكورد بينما تتحرك مواقفه وفق حسابات لا تتطابق بالضرورة مع مصالحهم؟
هذه الأسئلة ليست خيانة، بل هي جوهر المسؤولية السياسية. والخطر الحقيقي يبدأ عندما يصبح السؤال خيانة، والنقد جريمة، والقيادة فوق المساءلة.
أنا لا أقول اليوم: انظروا إليّ لأنني كنت على حق. بل أقول: عودوا إلى الماضي، واقرؤوا المواقف والتصريحات التي قيلت قبل سنوات، وقارنوا الكلام بالممارسة، والشعارات بالنتائج، والوعود بما تحقق على الأرض. عندها فقط يستطيع كل فرد أن يحكم بنفسه: من كان يحذر، ومن كان يبرر، ومن كان يراهن على وعي الشعب، ومن كان يراهن على بقائه مخدوعاً.
لم يعد الكورد بحاجة إلى مزيد من الشعارات، ولا إلى تقديس القيادات، ولا إلى أحزاب تتنافس على ادعاء تمثيل الشعب من دون أن تقدم مشروعاً سياسياً واضحاً لمستقبله.
نحن بحاجة إلى وعي سياسي جديد؛ وعي يجعل الحزب في خدمة المجتمع، والقيادة مسؤولية لا امتيازاً، والنقد حقاً سياسياً لا خيانة، والمساءلة ممارسة وطنية، والقضية الكوردية فوق الأشخاص والأحزاب والمحاور.
فإذا أردتم أن تكونوا شعباً حراً، فتحرروا أولاً من عقلية التبعية والقطيع، ومن الخوف من نقد من يتحدث باسمكم.
واسألوا أنفسكم السؤال الذي يجب أن يكون نقطة البداية لكل مشروع سياسي كوردي:
ماذا نريد نحن؟
وليس:
ماذا يريد الآخرون منا؟
10 آب 2026
الدكتور عدنان بوزان