رغم أنني التزمتُ الصمت خلال الأيام الماضية حيال الاشتباكات التي جرت بين قوات الأسايش «قسد» من جهة، وبعض الفصائل العربية الإرهابية، الخاضعة لأجندات إقليمية، والملحقة ميدانياً بسلطة دمشق من جهة أخرى. فإن هذا الصمت لم يكن حياداً ولا تردداً، بل موقفاً واعياً، مبنياً على معرفة دقيقة بما يجري خلف الكواليس، بعيداً عن ضجيج الإعلام وشعارات التعبئة الاستهلاكية.
ما يحدث على الأرض ليس صراعاً عفوياً ولا مواجهةً معزولة، بل هو جزء من عملية تبادل وتسويات سياسية وأمنية تدار بهدوء بين سلطة دمشق و«قسد»، وبرعاية إقليمية ودولية، تلعب فيها كل من تركيا وإسرائيل أدواراً غير معلنة، وفق منطق المقايضة الجغرافية والسياسية:
جنوب سوريا في ميزان المصالح الإقليمية، مقابل أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، وربما ما هو أبعد من ذلك.
غير أن الأخطر من كل ما سبق، هو أن حقوق الكورد في سوريا باتت اليوم في مهبّ الريح. إن الادعاء بأن «قسد» تشكل ضمانة حقيقية للحقوق القومية الكوردية، أو أنها قادرة على فرض هذه الحقوق في أي دستور سوري قادم، هو وهم سياسي خطير لا يستند إلى موازين القوى الفعلية ولا إلى طبيعة التحالفات القائمة. فقد أثبتت التجربة أن «قسد» تدار كأداة وظيفية ظرفية، لا كمشروع وطني أو قومي طويل الأمد.
إن شرق الفرات نفسه، الذي يقدم اليوم بوصفه “منطقة نفوذ مستقرة”، ليس بمنأى عن هذا المصير. بل إن جميع المؤشرات السياسية والأمنية تؤكد أن تسليمه لسلطة دمشق مسألة وقت لا أكثر، ضمن تفاهمات دولية تغلب الاستقرار الشكلي على العدالة السياسية، وتعيد إنتاج النظام المركزي ذاته، مع بعض التعديلات الشكلية التي لا تمسّ جوهر الاستبداد.
وفي هذا السياق، يبدو أن اللامركزية لن تطبق بوصفها حقاً سياسياً شاملاً لكل مكونات سوريا، بل ستستخدم استخداماً انتقائياً: تمنح للساحل السوري، وتدار بتوازنات خاصة في الجنوب، بينما تفرغ من مضمونها في المناطق الكوردية، التي ستعاد إلى بيت الطاعة السياسي، دون أي ضمانات دستورية حقيقية.
إن ما نشهده اليوم ليس نهاية أزمة، بل بداية تصفية ممنهجة للقضية الكوردية في سوريا، عبر تسويات فوقية لا يشارك فيها الشعب الكوردي، ولا تمثل إرادته، وتدار بعقلية المصالح الدولية لا بمنطق الحقوق التاريخية والسياسية.
ومن هنا، فإن الاستمرار في بيع الأوهام، أو تعليق مصير الكورد على تفاهمات عسكرية مؤقتة، هو مغامرة وجودية خطيرة. المطلوب اليوم ليس الصمت، ولا الاصطفاف الأعمى، بل مراجعة سياسية شجاعة، تعيد تعريف المشروع الكوردي في سوريا على أسس مستقلة، ديمقراطية، وعابرة للاستخدام الوظيفي.
وعليه، فإن الرهان على انتزاع حقوق الكورد ضمن حدود دولة سورية أثبتت تاريخياً عجزها وعداءها لأي شراكة حقيقية، لم يعد خياراً واقعياً. إن الطريق الوحيد لحماية الوجود والكرامة والقرار السياسي الكوردي، هو المطالبة الصريحة بـاستقلال كوردستان، لا الاكتفاء بحقوقٍ معلقة في دولة لم تعترف يوماً بأصحاب الأرض.
فالتاريخ لا يرحم من يراهن على الوقت، والحقوق التي لا تنتزع بوعي سياسي جامع… تباع في أول صفقة.
9 / 1 / 2026
د. عدنان بوزان