البيئة المشوهة، والمجتمع المشوه، لا يمكن أن ينتجا أفراداً أسوياء.
- Super User
- الرؤية الفلسفية
- الزيارات: 131
بقلم: د. عدنان بوزان
فالإنسان ليس كائناً منفصلاً عن محيطه، بل هو ابن البيئة التي نشأ فيها، ومرآةٌ للقيم التي تلقاها، والظروف التي عاشها، والعلاقات التي أسهمت في تشكيل وعيه منذ طفولته.
حين يسود القمع، يتعلم الإنسان الخوف.
وحين يصبح الكذب وسيلةً للنجاة، يتعلم المراوغة.
وحين تكافأ الانتهازية، يصبح الصدق نوعاً من السذاجة.
وحين يهان الحق ويكافأ الظالم، ينشأ جيل يفقد إيمانه بالعدالة.
وحين تتحول الكراهية إلى ثقافة، يصبح الآخر عدواً قبل أن يرى بوصفه إنساناً.
لهذا، فإن كثيراً من السلوكيات التي نصفها بأنها «تشوهٌ فردي» ليست دائماً وليدةَ الفرد وحده، وإنما قد تكون انعكاساً لبيئةٍ مريضة، ومجتمعٍ فقد توازنه الأخلاقي والقيمي، ومنظومةٍ اجتماعيةٍ مضطربةٍ أسهمت في تشكيل وعي الفرد وسلوكه.
" فالبيئةُ المشوهة تنتج وعياً مشوهاً، والوعي المشوه ينتج سلوكاً مشوهاً، والسلوكُ المشوه، حين يتحول إلى ظاهرةٍ جماعية، يعيد إنتاج المجتمع المشوه من جديد."
وهكذا تبدأ الدائرة:
"بيئةٌ فاسدة → مجتمعٌ مضطرب → وعيٌ مشوه → سلوكٌ مشوه → إعادةُ إنتاج البيئة نفسها."
ولهذا، لا يكفي أن نلوم الفرد وحده، ولا أن نطالبه بأن يكون صالحاً داخل منظومةٍ تكافئ الفساد وتعاقب الاستقامة. فإصلاح الإنسان يبدأ، في جانبٍ كبيرٍ منه، بإصلاح البيئة التي يتشكل فيها، والقيم التي تحكم المجتمع، والمؤسسات التي تحدد معنى العدالة والكرامة والمسؤولية.
فالإنسان لا يتكون في فراغ، ولا تتشكل شخصيته بمعزلٍ عن العالم الذي يعيش فيه. إنه يتأثر بما يراه، وما يسمعه، وما يتعلمه، وما يكافأ عليه، وما يعاقب بسببه. وإذا كانت البيئة الاجتماعية تطبع الفساد في الوعي، وتحول الظلم إلى أمرٍ مألوف، والكذب إلى وسيلةٍ للنجاة، والانتهازية إلى طريقٍ للنجاح، فإنها لا تنتج أفراداً قادرين على كسر هذه القواعد بسهولة؛ بل قد تنتج أفراداً يعيدون إنتاجها، حتى تصبح مع مرور الزمن جزءاً من «الطبيعي» و«المألوف» في حياة المجتمع.
ومع ذلك، فالإنسان ليس مجرد نتاجٍ آليٍّ لبيئته، ولا أسيراً مطلقاً للظروف التي نشأ فيها؛ إذ يظل قادراً، بدرجاتٍ متفاوتة، على الرفض والمقاومة وإعادة بناء ذاته. ولذلك، فإن فهم السلوك الإنساني يقتضي الجمع بين "مسؤولية الفرد وتأثير البيئة"، لا إلغاء أحدهما لحساب الآخر.
" فالمجتمع يصنع الإنسان بقدر ما يصنع الإنسان المجتمع؛ والبيئة تشكل الفرد بقدر ما يستطيع الفرد أن يغير البيئة."
ومن هنا، فإن إصلاح المجتمع لا يبدأ فقط بإدانة الأفراد الذين انحرفوا، بل يبدأ أيضاً بالسؤال عن الشروط التي ساهمت في إنتاج هذا الانحراف، وعن القيم التي سمحت له بالانتشار، وعن المؤسسات التي عجزت عن مواجهته أو أسهمت، بصورةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة، في ترسيخه.
فليس من العدل أن نطالب الإنسان بالنزاهة داخل منظومةٍ تكافئ الفساد، ولا بالصدق داخل بيئةٍ تعاقب الحقيقة، ولا بالعدالة داخل نظامٍ يجعل الظلم أكثر ربحاً من الإنصاف.
" إذا أردتَ أن تغير الإنسان، فلا تنظر فقط إلى سلوكه؛ انظر أولاً إلى العالم الذي نشأ فيه، وإلى القيم التي تعلمها، وإلى الظروف التي شكلت وعيه، وإلى النظام الاجتماعي الذي علمه كيف يرى نفسه والآخرين."
فإن إصلاح الإنسان لا ينفصل عن إصلاح البيئة التي يتكون فيها، ولا عن إصلاح المجتمع الذي يعيد تشكيل وعيه وسلوكه كل يوم.
" فالبيئة المشوهة قد تشوه وعي الإنسان، والمجتمع المشوه قد يعيد إنتاج التشوه في أفراده؛ وحين يصبح التشوه قاعدةً اجتماعية، يصبح إصلاح الفرد وحده عاجزاً عن إحداث التغيير الحقيقي."
" لذلك، لا يكفي أن نغير الإنسان؛ علينا أن نغير أيضاً العالم الذي يعلمه كيف يكون هذا الإنسان."