بقلم: د. عدنان بوزان
ثمة أشياء في الحياة لا تخضع لمنطق العقل، ولا تستجيب دائماً لعدالة الجهد، ولا تنحني بالضرورة أمام عبقرية الإنسان. كأن لها أبواباً لا تفتح بالمفاتيح التي نصنعها بأيدينا، بل بظروف غامضة تمنح بعض العابرين مفاتيح القصور، وتترك آخرين، أمضوا أعمارهم في نحت الجمال من صخر المعاناة، واقفين أمام الأبواب نفسها، يحملون ما يكفي لفتح ألف باب، ولا يفتح لهم واحد.
أحياناً، لا يحتاج المرء إلى عبقرية استثنائية كي يصبح اسماً لامعاً؛ يكفي أن تبتسم له الظروف، وأن تطأ قدمه المكان المناسب، وأن يلتفت إليه من يمتلك سلطة الضوء. عندئذٍ، تتحول كلماته العادية إلى حِكم، ويغدو صمته حكمةً أخرى، ويفسر تردده عمقاً، وتمنح أخطاؤه أسماء تليق بمكانته. لا يعود الناس ينظرون إلى الفكرة، بل إلى صاحبها؛ ولا يسألون عما تقوله الكلمات، بل عمن يقف خلفها. وهكذا، قد يصنع الضوء من العادي استثناءً، فيما يترك الاستثناء الحقيقي يتآكل في العتمة.
وفي الجهة الأخرى، يقف إنسان أمضى عمره بين القراءة والتأمل والكتابة، اختبر الحياة في أقسى وجوهها، وحول الألم معرفةً، والخيبة بصيرةً، والصمت كلماتٍ لم تكن ولادتها سهلة. قد يكون أعمق فكراً ممن يتصدرون المشهد، وأوسع معرفةً ممن يقدمون بوصفهم مرجعيات، وأكثر إخلاصاً للقضايا التي يتخذها الآخرون سلماً إلى المجد؛ ومع ذلك، يبقى خارج دائرة الاعتراف، كأن بينه وبينها حجاباً لا ترفعه المعرفة، ولا تمزقه الموهبة، ولا تشفع له عقود العطاء.
وليست المأساة في تأخر الاعتراف وحده، بل في أن يرى الإنسان أفكاره تعبر إلى الآخرين بأسماء مختلفة، وبذوره تنمو في حدائق لم يُدعَ إليها، وكلماته تتردد على ألسنة من لم يعرفوا كم من الوحدة استنزفت صاحبها، وكم من الليالي كلفته الفكرة قبل أن تصبح مألوفةً وسهلة التداول. فما أقسى أن ترى ما ساهمت في صنعه يمنح غيرك مكانةً لم تكن يوماً مطلبك الوحيد، بل كنت تتمنى، في الحد الأدنى، ألّا تمحى من حكايته.
إن أقسى أشكال الظلم ليس أن ينتزع منك ما تملك فحسب، بل أن ينكر العالم أنك امتلكته يوماً. أن تدافع عن فكرة حين تكون عبئاً، ثم تراها تتحول إلى مجدٍ حين يتبناها من لم يدفع ثمنها؛ وأن تشاهد الذين مروا خلفك يتقدمون إلى الواجهة، بينما تبقى في الظل، لا لأنك لم تمشِ، بل لأن الطريق إلى الاعتراف لم يكن يعبد بالمعرفة وحدها.
في مجتمعاتٍ أرهقتها المصالح، وتنازعتها الولاءات، واختل فيها ميزان القيمة، قد يصبح النفاق مهارةً اجتماعية، والتملق ضرباً من الذكاء، والقرب من أصحاب النفوذ أهم من الكفاءة. لا يسأل المرء عما أضافه إلى الأدب أو الفكر أو السياسة بقدر ما يسأل عمّن يعرف، ولمن ينتمي، ومن يستطيع أن يفتح له الأبواب. وهكذا، قد يتقدم الأقل استحقاقاً لأنه أكثر انسجاماً مع شبكة المصالح، ويهمل الأجدر لأن استقلاله يربك حسابات اعتادت صناعة المكانة وتوزيعها.
ومع ذلك، ليس كل مهمل مظلوماً، ولا كل مشهور زائفاً؛ فالمشكلة ليست في الشهرة ذاتها، بل في أن تتحول إلى مقياس للقيمة، وأن يصبح الصيت دليلاً على العمق، والتصفيق برهاناً على الحقيقة. كم من اسمٍ صنعته الضوضاء، وكم من عقلٍ لم يجد في زمنه أذناً تصغي إليه! وكم من إنسانٍ منح المكانة لأنه أحسن الوصول، فيما لم يمنح آخر فرصةً عادلة ليظهر ما يستطيع تقديمه. إن المسافة بين القيمة والاعتراف ليست دائماً دليلاً على ظلمٍ متعمّد، لكنها تصبح فضيحةً حين يتواطأ المجتمع على اعتبارها أمراً طبيعياً لا يستحق السؤال.
أما القدر، فله في هذه الحكاية وجهٌ غامض. ثمة من تسبقه الحياة إلى الطريق، فتمهد له الأرض وتختصر المسافات، وثمة من يحمل صخرته إلى أعلى الجبل، ثم يراها تتدحرج كلما أوشك على بلوغ القمة. ولا أدري أذلك قدرٌ خالص، أم حصيلة ظروفٍ ومصالح واختيارات لا يستطيع الإنسان الإحاطة بها جميعاً. لكنني أعرف أن اختزال النجاح في العبقرية، والفشل في العجز، ضربٌ آخر من الظلم؛ فالبشر لا يبدأون من النقطة نفسها، ولا يملكون الفرص ذاتها، ولا تمنح أصواتهم الحظوظ نفسها كي تسمع.
ومع مرور الأعوام، يكتشف الإنسان أن العالم لا يعمل دائماً وفق العدالة التي تربى على الإيمان بها؛ فالاستحقاق لا يضمن الوصول، والصدق لا يضمن التصديق، والعمق لا يضمن الفهم. وقد يقضي المرء نصف عمره محاولاً إثبات ما لا يحتاج، في نظره، إلى إثبات، ثم يكتشف أن المشكلة لم تكن في قدرته على الكلام، بل في استعداد الآخرين للإصغاء. عندها، لا يعود الحزن صرخةً في وجه العالم، بل معرفةً صامتة، وابتسامةً لا تشرح شيئاً، وسكوتاً يعرف أكثر مما يقول.
ولعل أكثر ما يوجع الإنسان، حين يتقدم به العمر، أنه لا يعود يطلب التصفيق، بل يتمنى شاهداً واحداً يرى رحلته بإنصاف؛ شخصاً يدرك ما أنجزه، وما دفعه، وما قاومه كي يبقى وفياً لما يؤمن به. فبعض البشر لا ينقصهم المجد بقدر ما ينقصهم الاعتراف بأن أعوامهم لم تمر عبثاً، وأن ما بذلوه لم يكن وهماً صنعوه لتخفيف وطأة الخذلان.
لكن ما لا يلمع ليس عديم القيمة بالضرورة، وما يملأ الساحات ليس بالضرورة ما يبقى حين ينفض الجمهور. فقد يسبق الاسم أثره، وقد يتأخر الأثر حتى يغيب صاحبه. وليس في ذلك عزاءٌ كافٍ لمن يواجه الإهمال في حياته، ولا تعويضٌ عن أعوامٍ أُهدرت في الانتظار؛ لكنه يذكرنا بأن حكم اللحظة ليس حكماً نهائياً، وأن ذاكرة الناس ليست التاريخ كله، وأن التاريخ نفسه قد ينصف بعض الذين عجز عصرهم عن رؤيتهم.
ربما كانت أكثر مفارقات الحياة قسوةً أن يحمل الإنسان في داخله عالماً كاملاً، ثم يرحل من دون أن يعرف العالم الخارجي إلا القليل منه؛ أن يضيء للآخرين طرقاً طويلة، ولا يجد من يرفع مصباحه عن الأرض؛ أن يصنع من كلماته جسوراً يعبر عليها الآخرون، ثم يظل وحيداً على الضفة التي لم يلتفت إليها أحد. وليس الحزن هنا في قلة الشهرة وحدها، بل في الهوة بين ما كان يمكن أن يمنحه الإنسان للعالم وما أُتيح له أن يمنحه بالفعل.
والمأساة الأعمق ليست أن يتقدم شخصٌ أقل موهبة، أو أن يسطع اسمٌ أكثر حظاً، بل أن يعتاد المجتمع هذا الخلل حتى يفقد القدرة على مساءلته؛ أن تتحول الأسماء إلى أصنام صغيرة، وأن يقاس الفكر بمكانة صاحبه، وأن يمنح الإنسان قيمته من أفواه الآخرين، لا من حقيقة ما أنجزه وأثره في الحياة.
ما يحزنني حقاً هو مصير العقول التي انطفأت قبل أن يراها أحد، والمواهب التي دفنها الفقر والإهمال، والكلمات التي بقيت حبيسة دفاتر أصحابها، لا لأنها لم تكن جديرة بالحياة، بل لأن أصحابها لم يمتلكوا ما يكفي من النفوذ كي تصل إلى من يستحق أن يسمعها. فكم من موهبةٍ لم تخسر أمام موهبةٍ أعظم منها، بل أمام فرصةٍ لم تمنح لها؛ وكم من صاحب فكرةٍ بقي مجهولاً، فيما صنعت الظروف من فكرةٍ أخرى حدثاً يتناقله الجميع.
ومع ذلك، لا أريد لهذه الخيبة أن تتحول إلى كراهية للعالم، ولا لهذا الوعي أن يصبح حكماً بالإدانة على كل من نال مكانةً أو شهرة. إنما أحاول فهم تلك المفارقة التي تجعل الإنسان عظيماً في داخله، خاسراً في واقعه، صادقاً في موقفه، منسياً في زمنه. وربما لا يملك المرء أن يغير كل ما حوله، لكنه يستطيع ألا يجعل إهمال الآخرين حكماً نهائياً على قيمته، وألا يسمح لمرارة التجربة بأن تنتزع منه كرامته أو إيمانه بما أنجز.
وفي النهاية، لا أدري أَيكتب القدر أسماءنا على أبواب السماء، أم أننا نحن الذين نمنح بعض الأسماء أجنحةً ونترك أخرى تنزف على الأرض. لكنني أعرف أن ثمة أشخاصاً يرحلون، ويبقى في العالم نقصٌ لا يلاحظه أحد، لأن أحداً لم ينتبه، أصلاً، إلى أنهم كانوا هنا.
وذلك هو الحزن الذي تعجز المراثي عن وصفه: أن يكون للإنسان ما يستحق أن يروى، وألا يجد من يروي حكايته؛ أن يترك أثراً كان يمكن أن يغير أشياء كثيرة، ثم يمضي كأنه لم يكن؛ وأن يأتي آخرون فيسكنوا الضوء الذي أفنى عمره في محاولة بلوغه.
أن تعرف قيمتك، ولا تجد من يرى فيها ما يستحق الالتفات؛ أن تحمل في داخلك ما يكفي لإضاءة زمنٍ كامل، ثم تقضي عمرك تحاول إقناع العابرين بأنك لست ظلاً.
ولعل أشد ما في الحكاية مرارةً أن بعضنا لا يتأخر عن الوصول لأنه لم يكن جديراً به، بل لأنه قضى عمره يصنع الطريق للآخرين، حتى إذا التفت أخيراً إلى الوراء، وجد أن الطريق يحفظ خطواتهم جميعاً، إلا اسمه.