بقلم: د. عدنان بوزان
لم يعد ممكناً، بعد كل ما جرى للكورد في سوريا خلال السنوات الماضية، أن يستمر البعض في مطالبة الشعب بالصمت، أو أن يطلب من آلاف العائلات أن تطوي صفحات أبنائها وبناتها وكأن شيئاً لم يحدث. واليوم، مع دخول المنطقة مرحلة سياسية جديدة، ومع التحولات التي تشهدها العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية والسلطة الجديدة في دمشق، يصبح من حق كل كوردي سوري أن يتوقف أمام سنوات مضت ويسأل سؤالاً واحداً، يحمل في داخله آلاف الأسئلة: أين ذهب أبناء الكورد؟ ومن يتحمل مسؤولية دمائهم؟
لا يمكن لأي قيادة سياسية أو عسكرية أن تتحدث اليوم عن المستقبل، وعن الاتفاقات الجديدة، وعن التسويات المقبلة، قبل أن تواجه الماضي. ولا يمكن أن يطلب من الشعب الكوردي أن ينسى آلاف الشباب والشابات الذين دخلوا ساحات الحرب ولم يعودوا، وأن يكتفي بسماع الشعارات عن البطولة والانتصارات والتضحيات. فالتضحية كلمة جميلة عندما تقال في الخطب، لكنها تتحول إلى سؤال مرعب عندما تقف أم أمام صورة ابنها، تريد أن تعرف لماذا مات، ومن أرسله، ومن اتخذ القرار، ولأي هدف انتهت حياته.
ولهذا أتوجه مباشرة إلى السيد مصطفى خليل عبدي، المعروف باسم مظلوم عبدي، باعتباره أحد أبرز المسؤولين عن المنظومة العسكرية والسياسية التي حكمت مصير مناطق واسعة من سوريا خلال سنوات الحرب: لماذا لا تصارح الشعب الكوردي في سوريا بالحقيقة كاملة؟ لماذا لا تقدم كشف حساب واضحاً عن دماء آلاف الشباب والشابات؟ لماذا لا تقول للشعب أين ذهب أبناؤه، ومن اتخذ القرارات التي وضعتهم في الجبهات، ومن كان يملك السلطة الحقيقية على حياتهم ومصائرهم؟
إنني لا أطرح هذه الأسئلة من موقع الخصومة الشخصية، بل من موقع المسؤولية تجاه شعب دفع أبناؤه إلى حروب كثيرة، بينما بقيت القرارات الحقيقية بعيدة عن الناس. ومن خلال ما أملكه من معلومات، وما أعتبر نفسي شاهداً عليه، أرى أن القضية أكبر بكثير من مجرد أخطاء عسكرية عابرة؛ إنها تتعلق بطبيعة منظومة كاملة كانت تتخذ القرارات باسم الكورد، بينما كان الشباب الكوردي يدفع الثمن في النهاية.
ومن أخطر الملفات التي يجب أن تفتح أمام الشعب الكوردي ملف الكوادر التي جاءت من قنديل، ودورها الحقيقي في إدارة القرارين العسكري والسياسي داخل المناطق الكوردية السورية. فمن كان يملك القرار الحقيقي؟ ومن كان يقرر إرسال الشباب إلى الجبهات؟ ومن كان يقرر الانسحاب أو البقاء أو الصمت؟ ولماذا بقي الشعب الكوردي دائماً آخر من يعرف حقيقة ما يجري باسمه؟
وبحسب المعلومات التي أملكها، فإن كثيراً من تلك الكوادر لم تكن مجرد عناصر عسكرية أو سياسية أو تنظيمية، بل كانت تمتلك نفوذاً مباشراً في القرارات المصيرية، وكانت حياة آلاف الشباب والشابات مرتبطة بأوامر تصدر من خارج الشعب الكوردي السوري نفسه. والسؤال الذي يجب أن يطرح بلا خوف هو: هل كان الكوردي السوري يقاتل من أجل مشروع يعرف تفاصيله فعلاً، أم كان يستخدم في صراعات وحسابات تتجاوز أرضه ومستقبله؟
لقد فقد الكورد في عفرين عدداً هائلاً من شبابهم وشاباتهم خلال أحداث عام 2018، ولا يمكن التعامل مع هذه القضية باعتبارها مجرد فصل انتهى من الحرب. فعفرين تحتاج إلى كشف حساب، وإلى فتح الأرشيفين العسكري والسياسي، وإلى معرفة من اتخذ القرارات، ومن كان مسؤولاً عن إدارة المعركة، ومن قرر مصير آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة آلة عسكرية ضخمة.
إن كل شاب وشابة فقدوا حياتهم في عفرين لهم الحق في الحقيقة، ولعائلاتهم الحق في أن تعرف. ولا يكفي أن يقال إن الظروف كانت صعبة، لأن الظروف الصعبة هي تحديداً اللحظة التي تظهر فيها قيمة القيادة أو حجم فشلها. فالقيادة التي ترسل الناس إلى الحرب يجب أن تكون مستعدة لاحقاً للوقوف أمام الشعب وأمام عائلات الضحايا لتقول: لماذا اتخذنا هذا القرار؟
والأمر لا يتوقف عند عفرين. فهناك أيضاً ملف الأشرفية والشيخ مقصود، حيث بقيت وعود الدعم والإسناد جزءاً من ذاكرة الذين عاشوا تلك الأحداث. قيل للناس وللمقاتلين إن القوات ستلحق بهم، وإن الإمدادات ستصل، وإنهم لن يتركوا وحدهم. لكن السؤال الذي بقي بعد ذلك هو: ماذا حدث عندما بدأت المعركة؟ لماذا لم تصل المساعدات التي كان ينتظر وصولها؟ ومن اتخذ القرار الذي أدى إلى تغيير الموقف العسكري؟
وبحسب شهادتي والمعلومات التي أملكها، فإن قرار الصمت وعدم التدخل في اللحظة الحاسمة لم يكن قراراً عادياً، بل كان قراراً ترك مناطق ومقاتلين وسكاناً أمام مصير مجهول. وإذا كان هناك من أصدر هذا القرار، فعليه أن يخرج ويقول للشعب لماذا فعل ذلك. فالذين كانوا في الشيخ مقصود والأشرفية لم يكونوا مجرد نقاط على خريطة عسكرية؛ كانوا بشراً، وأبناء شعب، وكانت لهم عائلات تنتظرهم.
ثم يأتي ملف دير حافر، وهو ملف لا يقل خطورة. فمن الذي قطع الإمدادات؟ ومن كان يملك القرار على خطوط التماس؟ ومن كان يتواصل مع الأطراف الأخرى؟ ومن المسؤول عن القرارات التي انتهت إلى سقوط أعداد كبيرة من المقاتلين؟ هذه ليست أسئلة تخص التاريخ البعيد، بل هي أسئلة تخص الحاضر، لأن الذين فقدوا أبناءهم ما زالوا يعيشون بيننا، وما زالت عائلاتهم تنتظر الحقيقة.
ومن خلال ما أملكه من معلومات، فإن هناك تفاصيل يجب أن تكشف للرأي العام حول كيفية إدارة تلك المعارك، والقرارات التي اتخذت فيها، ومصير الشباب الذين وجدوا أنفسهم في مواقع لم يتمكنوا من الخروج منها. فالشعب الكوردي لا يحتاج إلى مزيد من البيانات السياسية، بل يحتاج إلى الحقيقة.
أما ملف الأنفاق، فهو من أكثر الملفات إيلاماً وقسوة، لأنه يرتبط بمصير شباب وجدوا أنفسهم في أماكن مغلقة، بعيداً عن عائلاتهم، ينتظرون أوامر القيادة ويثقون بأن من أرسلهم لن يتركهم. فمن حفر تلك الأنفاق؟ ومن كان يعرف مواقعها؟ ومن كان يعلم بعدد المقاتلين الموجودين فيها؟ ومن اتخذ القرارات المتعلقة بالانسحاب أو البقاء؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً، لأن حياة الإنسان لا تصبح بلا قيمة لمجرد أنه يرتدي الزي العسكري. فالمقاتل الذي يدخل نفقاً بناءً على قرار القيادة لا يصبح ملكاً للقيادة؛ إنه ابن عائلة، وإنسان له حق في الحياة، وعلى من أصدر الأمر أن يتحمل مسؤولية مصيره.
وإذا كانت هناك قرارات أدت إلى ترك مقاتلين في تلك المواقع، أو إلى عدم إنقاذهم، أو إلى منعهم من الدفاع عن أنفسهم، فإن هذه القرارات يجب أن تكشف بكل تفاصيلها. وإذا كان قسم من هؤلاء قد انتهى مصيره إلى الأسر، وما زالت عائلاتهم لا تعرف أين هم، فمن حق تلك العائلات أن تعرف الحقيقة كاملة.
لا يمكن أن تبنى سياسة جديدة على مقابر مجهولة.
ولا يمكن أن يبدأ مستقبل جديد بينما الماضي مليء بالملفات المغلقة.
ولا يمكن أن يقال للشعب: انسوا كل شيء، لأن المرحلة تغيرت.
فالمرحلة قد تتغير بالنسبة إلى السياسيين، لكن الأم التي فقدت ابنها لا تتغير مرحلتها، والأب الذي ينتظر خبراً عن ابنته لا يعيش في مرحلة سياسية جديدة؛ إنه ما يزال يعيش في اللحظة نفسها التي فقد فيها ابنه أو ابنته.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقف عند مظلوم عبدي وحده، ولا عند قيادة قسد وحدها. فقيادة إقليم كوردستان العراق يجب أن تكون أيضاً أمام الأسئلة السياسية والتاريخية. ولا يجوز أن تتحدث القيادات الكوردية عن الأخوة والقضية القومية عندما يتعلق الأمر بالشعارات، ثم تختفي عندما يتعلق الأمر بالحساب والمسؤولية.
ومن حق الكوردي السوري أن يسأل قيادة إقليم كوردستان: أين كنتم من كل ما جرى؟ ماذا كنتم تعرفون؟ وفي ماذا شاركتم سياسياً؟ وما طبيعة التفاهمات التي جرت في المنطقة؟ وهل كانت مصلحة الشعب الكوردي السوري حاضرة فعلاً في تلك الحسابات؟
إنني أحمّل، انطلاقاً من موقفي السياسي ومن خلال المعلومات التي أملكها، القيادات التي كانت جزءاً من صناعة القرار مسؤولية أخلاقية وسياسية عن كشف الحقيقة؛ لأن الشعب الكوردي السوري لم يكن يملك دائماً حق المشاركة في اتخاذ القرار، لكنه كان دائماً موجوداً عندما يحين وقت دفع الثمن.
وهنا يجب أن نتوقف أيضاً أمام مأساة شنكال والإيزيديين. فلا يمكن لأي خطاب قومي أن يكون صادقاً إذا تعامل مع دماء الإيزيديين باعتبارها قضية ثانوية. وما حدث في شنكال كان كارثة إنسانية وقومية، والأسئلة المتعلقة بمسؤولية القوى التي كانت موجودة في ذلك الوقت يجب ألا تدفن. فمن كان يستطيع الدفاع؟ ومن اتخذ قرار الانسحاب؟ ومن ترك الناس أمام تنظيم داعش؟
الإيزيديون ليسوا غرباء عن القضية الكوردية، والنساء اللواتي تعرضن للسبي والقتل والتهجير لسن مجرد أرقام. إنهن نساء من هذا الشعب، وشنكال ليست أرضاً يمكن أن تترك، ثم تتحول مأساتها لاحقاً إلى مادة للخطب السياسية.
إن أكبر مشكلة في السياسة الكوردية ليست الأخطاء التي ارتكبت فحسب، بل أيضاً الثقافة التي تمنع الناس من السؤال عنها. فقد جرى خلال سنوات طويلة تحويل بعض القيادات إلى شخصيات لا يجوز الاقتراب منها. كل من يسأل يصبح خائناً، وكل من ينتقد يصبح عميلاً، وكل من يطالب بالمحاسبة يتهم بأنه يعمل ضد القضية.
لكن القضية الكوردية لا تحتاج إلى مزيد من الصمت. القضية تحتاج إلى الحقيقة. ولا يمكن لشعب أن يبني مستقبله إذا كان يخاف من فتح ملفات ماضيه.
أنا لا أقول إن كل من يحمل السلاح مسؤول عن كل ما حدث، ولا أقول إن الحرب كانت سهلة، أو إن جميع القرارات كانت بسيطة. لكنني أقول شيئاً واحداً: من كان يملك القرار يجب أن يتحمل مسؤولية القرار.
ومن أرسل الشباب يجب أن يجيب عن مصيرهم.؟ ومن وعد بالدعم يجب أن يفسر لماذا لم يصل الدعم.؟ ومن اتخذ قرار الانسحاب يجب أن يقول لماذا انسحب.؟ ومن ترك الناس في الجبهات يجب أن يقول لماذا تركوا.؟ ومن كان يعرف شيئاً يجب ألا يصمت.؟
لقد دفع الكورد السوريون ثمناً هائلاً. خسروا شبابهم وشاباتهم، وخسروا مدناً وقرى، وخسروا استقرارهم، وخسروا جزءاً كبيراً من مستقبلهم. واليوم، قبل أن يطلب منهم الدخول في مرحلة سياسية جديدة، وقبل أن يطلب منهم التصفيق للاتفاقات والتفاهمات، يجب أن يحصلوا على حقهم الأول: حق معرفة الحقيقة.
وأقول بوضوح إنني أحمّل القيادة السياسية والعسكرية التي كانت في موقع اتخاذ القرار مسؤولية سياسية وأخلاقية عن كشف مصير هؤلاء الشباب. وأضع مظلوم عبدي، بصفته أحد أبرز رموز تلك القيادة، أمام مسؤوليته التاريخية. كما أضع قيادة إقليم كوردستان العراق أمام مسؤوليتها السياسية في كل ما يتعلق بالتفاهمات والمواقف والقرارات التي أثرت في مصير الكورد في سوريا.
لا أحد فوق النقد. لا أحد فوق التاريخ. ولا أحد يملك الحق في اعتبار دماء أبناء الشعب ملكاً له.
دماء الشباب الكوردي ليست وقوداً لمشاريع سياسية غامضة، وليست أوراقاً للمفاوضات، وليست ثمناً لتفاهمات إقليمية.
إنها دماء بشر.
ولهذا، فإن السؤال سيبقى قائماً، مهما حاول البعض تجاهله:
أين أبناء الكورد الذين فقدناهم؟ من أرسلهم؟ من اتخذ القرار؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
هذه الأسئلة لن تموت.
لأن الشعوب قد تصمت، لكنها لا تنسى. والأمهات قد ينتظرن سنوات، لكنهن لا ينسين أبناءهن. والتاريخ قد يتأخر، لكنه في النهاية يفتح الملفات التي حاول الجميع إغلاقها.
وأنا أقول إن ما أملكه من معلومات وتفاصيل حول هذه الملفات لن يبقى إلى الأبد في الظل؛ لأن الشعب الذي دفع الدم من حقه أن يعرف الحقيقة كاملة، بلا شعارات، وبلا قداسة سياسية، وبلا خوف من الأسماء والمناصب.
لقد انتهى زمن الصمت.
وبدأ زمن السؤال.
ومن كان يملك القرار بالأمس، عليه أن يكون مستعداً للإجابة اليوم.
فدماء الكورد ليست ملكاً لقسد، ولا لقنديل، ولا لإقليم كوردستان، ولا لأي قائد. دماء الكورد ملك شعبهم، والشعب سيطالب بالحقيقة مهما طال الزمن.