بقلم: د. عدنان بوزان
في أعماق التاريخ، حيث تشابكت أيدي الإنسان الأولى مع الطين وتصاعد صراخ الجوع، وُلِد الوهم الأكبر: أن المادة هي قدره، وأن الحرية يمكن أن تُشترى. لم يكن ماركس مخطئاً حين أشار إلى الصراع بين الطبقات، لكنه اختزل الإنسان في دائرة الاقتصاد، بينما الحقيقة أشد تعقيداً: فالصراع ليس بين طبقة وأخرى فحسب، بل بين الإنسان وظله، بين جوهره العاري وصورة فرضتها عليه القوى المتحكمة في أدوات الوجود.
الحرية التي يحلم بها البشر ليست سوى قفص جديد مطليّ بلون الرغبة. ظنوا أن تحطيم السلاسل سيمنحهم الأفق، لكنهم لم يدركوا أن القيود لم تكن معدنية، بل كانت من نسيج الأحلام المصطنعة، من شعاراتٍ تُرفع، وحقوقٍ تُباع وتُشترى، وأوهامٍ تُصنع كسلع في مصانع الأيديولوجيا.
إن العالم ليس مجرد مسرح اقتصادي، بل هو ساحة غبار يتصارع فيها الإنسان مع ذاته، حيث يتوهم أنه يسير نحو الحرية، بينما هو في الحقيقة يركض نحو قيود جديدة، أكثر إغراءً، أكثر خداعاً. الرأسمالية لم تُلغِ الاستغلال، بل أعادت تشكيله ليصبح أكثر دهاءً: لم يعد السيد يجلد عبده، بل جعله يعشق عبوديته، يحيا لها، يدافع عنها، ويقتل لأجلها.
هكذا يولد العبيد الجدد في المصانع، والمكاتب، والشاشات، يطاردون حياة لم يختاروها، يستهلكون ليشعروا بأنهم أحياء، ويعملون ليكسبوا قوت يومهم، دون أن يدركوا أن يومهم ذاته قد تم شراؤه من قِبَل قوى لا مرئية، ليس بمال، بل بالأفكار التي حُقنت في عقولهم منذ الطفولة.
الإنسان ليس مجرد أداة إنتاج، وليس ضحية طبقة بعينها، بل هو كائن ممزق بين إدراكه الزائف لحريته وحقيقة أنه لم يكن يوماً حراً. في هذا العالم، الحرية ليست هبة، وليست حتى انتزاعاً، بل هي معركة ضد الذات قبل أن تكون مواجهة لأي سلطة.
ربما لم يدرك ماركس ذلك تماماً، لكنه لامس طرف الخيط: فالإنسان ليس مجرد كائن اقتصادي، بل هو مأساة تتجلى في كل لحظة، صراعٌ لا ينتهي بين ما يملكه وما يملكه الآخرون، بين ما هو عليه وما يُجبر على أن يكون.
فمتى يستيقظ هذا الإنسان من وهمه الأعظم؟ أم أن حلم الحرية ذاته هو آخر قيوده؟