بقلم: د. عدنان بوزان
هناك هزائم تنتهي بانتهاء المعركة، وهناك هزائم تبدأ حقيقتها بعد أن تصمت البنادق. وما جرى في دير حافر، بكل تأكيد ليس مجرد معركة انتهت بالخسارة، بل هو ملف سياسي كبير يجب أن يفتح بكل جرأة، لأن السؤال لم يعد: من انتصر ومن انهزم؟ بل: من اتخذ القرار، ومن دفع الثمن، ولمصلحة من اتّخذت تلك القرارات؟
لقد ذهب آلاف الشباب الكورد إلى الجبهات وهم يعتقدون أنهم يقاتلون من أجل شعبهم وقضيتهم ومستقبل مناطقهم، لكن من حق الشعب الكوردي اليوم أن يسأل: هل كانوا يقاتلون فعلاً من أجل القضية الكوردية، أم كانوا يدفعون ثمن قرارات وأجندات لم تكن مصلحة الكورد سوى إحدى ضحاياها؟
بحسب المعلومات التي أملكها، كان هناك موقف أميركي واضح يدعو قوات سوريا الديمقراطية إلى الانسحاب من دير حافر والعودة إلى المناطق الكوردية والتركيز على حمايتها، مع استمرار الدعم الأميركي. وهذا بحاجة إلى التوضيح من قبل القيادة المهزومة، فإن السؤال يصبح أكثر خطورة: لماذا لم يحدث الانسحاب؟ من قرر البقاء؟ ومن رأى أن استمرار القتال أهم من الحفاظ على أرواح آلاف الشباب؟
فالانسحاب ليس دائماً هزيمة؛ ففي بعض اللحظات يكون القرار الأكثر حكمة هو حماية القوة البشرية والعسكرية، خصوصاً عندما تكون القضية الكوردية نفسها بحاجة إلى من يحمي مناطقها وشبابها ومستقبلها. لكن القوات بقيت، واستمر القتال، وسقط الشباب الكورد، ثم انتهت المعركة بالفشل والخيانة.
وهنا تبدأ القضية التي يجب ألا تبقى محرمة على النقاش: من كان يملك القرار الحقيقي داخل قسد؟ هل كانت القرارات تتخذ وفق مصالح الكورد السوريين، أم كانت هناك مراكز أخرى تؤثر فيها، بعضها مرتبط بقنديل وبعضها بحسابات ومشاريع تتجاوز حدود سوريا؟
إن الكورد السوريين ليسوا جيشاً احتياطياً لمشاريع الآخرين، وشبابهم ليسوا وقوداً لصراعات إقليمية. وعندما تتكرر القرارات التي تؤدي إلى استنزاف القوة الكوردية وإراقة دماء شبابها، فمن المشروع أن نسأل: هل كان هناك خلل في القرار فقط، أم كان هناك اختراق حقيقي داخل منظومة القرار؟
ثم جاءت النهاية لتجعل هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً. انتهت المعركة بالفشل وربما بالخيانة، واستنزفت القوة، وقتل الشباب، ثم وصلت قسد في النهاية إلى واقع سياسي جديد انتهى بالاندماج مع السلطة الجديدة في دمشق. وإذا كانت النهاية هي الوصول إلى هذا الواقع، فما الذي حققته كل تلك المعارك للكورد؟ ولماذا كان لا بد من كل تلك الخسائر البشرية؟
السياسة لا تقاس بالشعارات التي ترفع في بداية الحرب، بل بالنتائج التي تبقى في نهايتها. والنتيجة، في رأيي، تفرض إعادة قراءة المرحلة كلها: المعارك، والقرارات، ودور كوادر قنديل، ومراكز النفوذ، وحجم التأثير الإقليمي.
لأن المشكلة لم تكن في خسارة معركة واحدة، بل في مسار كامل انتهى باستنزاف الشباب الكوردي وإضعاف القدرة على اتخاذ قرار مستقل. ومن هنا وبشكل واضح وجود اختراق من قبل جهات أو قوى إقليمية سؤالاً سياسياً مشروعاً، لا ينبغي دفنه خوفاً من الحقيقة. فالدول لا تعمل بالعواطف، بل بالمصالح، وتخترق التنظيمات وتؤثر في مراكز القرار عندما تجد في ذلك خدمة لاستراتيجياتها.
لكن ما يجعل هذا الملف أكثر غموضاً، بحسب المعلومات التي أملكها، هو ما حدث بعد خسارة المعركة من تصفية بعض القيادات والشخصيات في المناطق الكوردية. وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة: هل كان هؤلاء جزءاً من منظومة مخترقة؟ أم أنهم كانوا يعرفون حقيقة ما جرى، ويعرفون من كان يؤثر في القرار ومن كان يعمل لخدمة أجندات خارج الحدود، ولذلك جرى التخلص منهم؟
لا أقول إن ذلك حقيقة مثبتة، لكنني أرى أن هذه الأسئلة تستحق التحقيق وكشف الحقيقة، لأن تصفية شخصيات بعد الهزيمة لا يمكن دائماً التعامل معها باعتبارها أحداثاً أمنية منفصلة. أحياناً يكون الصمت الذي يأتي بعد الهزيمة أخطر من الهزيمة نفسها، وأحياناً تبدأ عملية إخفاء الحقيقة بالتخلص ممن يعرفونها.
وهنا أتوجه بالسؤال إلى السيد مصطفى خليل عبدي الملقب بـ مظلوم عبدي وكل من كان في مواقع القرار: الشعب الكوردي لا يطالب بكشف أسرار عسكرية، لكنه يطالب بالحقيقة السياسية. من اتخذ قرار البقاء؟ من رفض الانسحاب؟ ما حجم تأثير كوادر قنديل؟ هل كانت هناك جهات خارج الحدود تؤثر في القرار؟ هل كان هناك اختراق؟ ومن كان يعلم به؟ وماذا حدث للقيادات التي جرى التخلص منها بعد خسارة المعركة؟
هذه ليست أسئلة لتصفية الحسابات، بل أسئلة شعب دفع من دم أبنائه. فلا قنديل أكبر من القضية الكوردية، ولا قسد أكبر منها، ولا أي قائد يملك الحق في اتخاذ قرارات مصيرية ثم يطلب من الشعب أن يصمت أمام نتائجها.
إن دير حافر ليست مجرد معركة خاسرة؛ إنها، بالنسبة إليّ، بوابة لفهم مرحلة كاملة. وربما لم تكن المشكلة فقط في أن المعركة خسرت، بل في أن الكورد، في بعض مراحل هذه التجربة، ربما لم يكونوا هم من يقررون دائماً أين يقاتلون، ولماذا يقاتلون، ومن أجل مَن.
وهذا هو السؤال الأخطر:
هل كان القرار الذي اتخذ باسم الكورد قراراً يخدم القضية الكوردية حقاً، أم أن الشباب الكورد دفعوا من دمائهم ثمن قرارات صنعت لخدمة أجندات أخرى؟
لقد انتهت المعركة وفشلت رهاناتها، وبدأ واقع سياسي جديد، لكن السؤال لم ينتهِ. وسيبقى قائماً في وجه كل من اتخذ قراراً باسم هؤلاء الشباب:
من أرسل أبناء الكورد إلى الموت؟ ومن كان يملك القرار الحقيقي؟ ومن كان يعرف الحقيقة ثم اختفى أو جرى التخلص منه؟
لأن دماء الشباب ليست أرقاماً في سجلات الحرب، بل مسؤولية سياسية وتاريخية وأخلاقية. والشعوب التي لا تسأل من قاد أبناءها إلى الموت، قد تجد نفسها يوماً مضطرة إلى دفن جيل آخر.