بقلم: د. عدنان بوزان
في مجتمعاتٍ أنهكها الجهل، واستوطنت عقولها ثقافة الخضوع، تصبح الحرية تهمة، والديمقراطية جريمة، والاختلاف انحرافاً، والتفكير المستقل اعتداءً على المقدسات. هناك، حيث تتولى التقاليد محاكمة العقل، وتحتكر الجماعة تعريف الفضيلة، لا ينظر إلى الإنسان بوصفه كائناً حراً يمتلك إرادته وضميره، بل باعتباره ملكيةً اجتماعية يجب أن تظل خاضعةً لأوامر العائلة والعشيرة والطائفة والقومية وسلطة الأكثرية. إن المأساة ليست في أن هذه المجتمعات لا تعرف الحرية، بل في أن بعضها يخشاها إلى درجة أنه يعيد تعريفها باعتبارها فساداً، ويحول الاستبداد إلى فضيلة، والخضوع إلى أخلاق، والعبودية إلى استقامة اجتماعية.
في شرقنا المثقل بالتناقضات، ولا سيما في البيئات التي تهيمن عليها البنى الأبوية والتفسيرات المغلقة للدين، لا يزال الإنسان مطالباً بتقديم اعتذارٍ دائم عن حريته، وكأن وجوده المستقل جريمة تستوجب التبرير. فإذا فكّر اتهم بالتجديف، وإذا اعترض اتهم بالخيانة، وإذا اختار طريقه اتهم بالانحلال، وإذا طالب بحقه في تقرير مصيره أصبح عدواً للجماعة. أما الذين يصادرون حريته، فيرتدون عباءة الأخلاق، ويجلسون على منصة الفضيلة، ويتحدثون عن النظام والقيم والشرف، وكأن احتقار الإنسان يمكن أن يتحول إلى فضيلة بمجرد تغليفه بخطابٍ أخلاقي أو ديني. إنها سلطة النفاق حين تمنح نفسها حق تحديد ما ينبغي للآخرين أن يكونوه، بينما تعفي ذاتها من كل سؤال ومحاسبة.
الديمقراطية، في عقلية الاستبداد الاجتماعي، مقبولة ما دامت تمنح الأكثرية حق الوصول إلى السلطة، ومرفوضة حين تمنح الفرد حق الاختلاف عن تلك الأكثرية. فالمشكلة ليست في الانتخابات، بل في العقل الذي يتعامل مع العدد باعتباره مصدراً للحقيقة المطلقة، ويمنح الجماعة حق امتلاك ضمائر أفرادها. وهكذا تتحول الأكثرية إلى صنم سياسي واجتماعي، وتصبح إرادتها شريعةً فوق حقوق الإنسان، ويختزل مفهوم الديمقراطية في حكم العدد، لا في حماية الحرية والمساواة والتعدد. إنها ديمقراطية الذين يريدون امتلاك السلطة باسم الشعب، ثم امتلاك الشعب باسم الأخلاق، ثم امتلاك الأخلاق باسم المقدس. وما قيمة صندوق الاقتراع إذا كان العقل الذي يقف خلفه يرفض الاعتراف بحق المختلف في أن يعيش كما يريد، ويفكر كما يريد، ويختار ما يعتقد أنه حقه؟
أما الشرف، فقد تعرض في هذه المنظومة لأبشع عمليات التزييف الدلالي؛ انتزع من فضاء النزاهة والصدق والعدالة، وأُودع في جسد المرأة، كأن تاريخ العائلة وكرامتها ومستقبلها تختصرها المسافة بين فخذي أنثى. صار جسد المرأة ملكيةً رمزيةً للعائلة، وقرارها الشخصي قضيةً عامة، وحريتها فضيحةً اجتماعية، بينما يمنح الرجل مساحةً واسعة من التسامح مع تناقضاته وخطاياه. أي عقلٍ هذا الذي يعجز عن اكتشاف الشرف في الكذب والفساد والخيانة والظلم، ثم يراه مهدداً في اختيار امرأةٍ لملابسها أو حياتها؟ وأي أخلاقٍ هذه التي تستنفر قواها لحراسة الأجساد، ثم تتراجع أمام نهب المال العام، واستغلال الفقراء، وامتهان الكرامة الإنسانية؟
إن الشرف الذي يحتاج إلى سجن المرأة كي يحافظ على وجوده ليس شرفاً، بل خوفٌ اجتماعي يرتدي قناع الفضيلة. والكرامة التي تمنح للرجل وتنتزع من المرأة ليست كرامةً إنسانية، بل امتياز ذكوري يستمد شرعيته من اختلال ميزان القوة. وحين تتحول الأنوثة إلى موضع اتهام دائم، يصبح المجتمع منشغلاً بإدارة أجساد النساء أكثر من انشغاله بإدارة فساده، وبمراقبة السلوك الجنسي أكثر من مراقبة السلوك السياسي والاقتصادي، وبمعاقبة الاختلاف الشخصي أكثر من معاقبة الجريمة الفعلية. عندئذ يصبح الجسد ستاراً كثيفاً تخفى خلفه فضائح العقل والسلطة والضمير.
والدين، الذي يفترض أنه علاقة اعتقاد ومسؤولية روحية، يتحول في أيدي تجار المقدس إلى سوقٍ للنفوذ، ومصدرٍ للشرعية الاجتماعية، وأداةٍ لتقسيم البشر إلى مؤمنين ومذنبين، وأتقياء ومنحرفين، وأصحاب حق وأعداء للحق. لا يعود الإيمان شأناً يتصل بضمير الإنسان، بل يتحول إلى بطاقة عضوية في جماعةٍ تراقب وتصنف وتعاقب. ويصبح الخطاب الديني رأسمالاً سياسياً قابلاً للاستثمار، تشترى به الطاعة، وتحصن به المصالح، وتمنح بواسطته بعض الشخصيات حصانةً أخلاقية لا تستحقها أفعالها.
إن أخطر أشكال المتاجرة بالدين ليست في إنكار المقدس، بل في استغلاله؛ لأن التاجر الذي يبيع سلعةً عادية يطلب ثمنها، أما تاجر المقدس فيطلب ثمنها وضمير المشتري وعقله وحريته، ثم يقنعه بأنه يدفع ذلك كله من أجل خلاصه. وهكذا يصبح الاعتراض على رجل الدين اعتراضاً على الدين، وانتقاد المؤسسة اعتداءً على العقيدة، ومساءلة الخطاب جريمةً في حق المقدس. تختفي الحدود بين الإيمان البشري والتفسير البشري، ويرفع الرأي إلى مرتبة الحقيقة المطلقة، وتمنح المصالح الشخصية حصانةً سماوية. وما إن يحدث ذلك حتى يصبح الدين، في الممارسة الاجتماعية والسياسية، وسيلةً لإخضاع الإنسان بدلاً من أن يبقى اعتقاداً يختاره بضميره.
وفي هذه البنية الذهنية، لا يحتاج الجهل إلى الدفاع عن نفسه ما دام قادراً على تخويف المعرفة. يكفي أن يصف الفيلسوف بالزندقة، والباحث بالمتآمر، والمثقف بالمنحرف، والمختلف بالعدو، حتى يستريح من عناء التفكير. فالجهل حين يفقد ثقته بنفسه قد يتواضع أمام المعرفة، لكنه حين يتحالف مع السلطة والمقدس يتحول إلى يقين عدواني، يرى في كل سؤال تهديداً، وفي كل مراجعة مؤامرة، وفي كل فكرة جديدة محاولةً لهدم المجتمع. وهنا تتأسس العلاقة العضوية بين الجهل والتعصب: الأول يعجز عن فهم العالم، والثاني يحاول إخضاع العالم لحدود عجزه.
أما الإرهاب، فليس مجرد انفجارٍ للعنف في لحظةٍ استثنائية، بل قد يكون النتيجة القصوى لعقلٍ اعتاد تقسيم البشر إلى من يستحقون الحياة ومن لا يستحقونها. يبدأ الأمر بإلغاء شرعية الاختلاف، ثم بتجريد المختلف من حقه في التعبير، ثم بتصويره خطراً على الجماعة، حتى يصبح الاعتداء عليه قابلاً للتبرير في نظر من أغلق وعيهم داخل منظومة الإقصاء. وعندما تتحد هذه الذهنية مع السلطة والسلاح، يتحول التعصب من موقفٍ اجتماعي إلى مشروع للهيمنة، ومن خطابٍ يحتقر الآخر إلى ممارسة تسعى إلى إخضاعه أو محوه. ليست كل أشكال الجهل إرهاباً، وليست كل التقاليد عنفاً، لكن العقل الذي ينكر إنسانية المختلف يضع الأساس الأخلاقي الذي يستطيع العنف أن يستند إليه.
وفي قاع هذا المشهد يقف المال، الإله الذي لا يحتاج إلى معابد لأن الأسواق تقوم مقامها، ولا يحتاج إلى كهنة لأن المصالح تؤدي وظيفتهم، ولا يحتاج إلى نصوص مقدسة لأن الأرقام قادرة على إصدار أوامرها بصمت. أمام المال تتعرى كثير من الشعارات، وتنهار بعض الحواجز التي طالما قدمت باعتبارها خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها. فمن كان يلعن الآخر باسم القومية قد يصافحه باسم الصفقة، ومن كان يحرم التعامل معه باسم الطائفة قد يصبح شريكه حين تتقاطع المصالح، ومن كان يزايد في الشرف قد يساوم على موقفه حين يعرض عليه الثمن المناسب.
فأين تذهب العقائد حين تتعارض مع الأرباح؟ وأين يختفي الشرف حين تصبح الخيانة مربحة؟ وأين تقف الأخلاق حين تتطلب النزاهة خسارةً مادية؟ وأي معنى يبقى للقيم حين يتغير الحكم على الفعل بتغير المبلغ الذي يحققه؟
إن المال لا يفسد كل إنسان، لكنه يكشف بوضوح هشاشة القيم التي لم تتجاوز مرحلة الادعاء. فثمة من يجعل المال وسيلةً للحياة، وثمة من يجعل الحياة وسيلةً للمال؛ وثمة من يملك الثروة، وثمة من تسمح له الثروة بأن يشتري مواقفه وولاءاته وصورته الاجتماعية. وفي الحالة الثانية، لا تعود القيم مبادئ تحكم السلوك، بل تصبح مفرداتٍ قابلةً لإعادة التفسير بحسب حجم المنفعة. يباع الموقف ثم يعاد تسميته حكمةً سياسية، وتباع المبادئ ثم يعاد وصفها واقعيةً، ويباع الصمت ثم يقدم تعقلاً، وتباع الخيانة ثم تغلف بعبارات المصلحة العليا. وهكذا لا يحتاج الانتهازي إلى التخلي عن اللغة الأخلاقية؛ يكفيه أن يحتفظ بها ليخفي بها حقيقة ما يفعل.
والأشد فجاجةً أن القومية والدين والطائفة والمذهب قد تتحول، في هذا العالم، إلى حدودٍ تغلق وتفتح وفق مقتضيات السوق. تستدعى الهوية حين تكون مربحة، وتهمل حين تصبح عبئاً، وترفع الخصومة إلى مرتبة الوجود حين تخدم التعبئة، ثم تتبخر حين تظهر فرصة تجارية أو سياسية. عندئذ يتبين أن بعض العداوات التي تقدم للجماهير باعتبارها صراعاتٍ على المبادئ قد تدار، في الخفاء، بوصفها صراعاتٍ على النفوذ والثروة. وما يبدو للناس جداراً من العقيدة قد لا يكون، عند أصحاب المصالح، أكثر من ستارة قابلة للسحب.
وفي هذا الشرق، الذي تتجاور فيه المآذن والقصور، والخطب الأخلاقية وأسواق النفوذ، ورايات الهوية وصفقات المصالح، لا تكمن المفارقة في غياب القيم عن الخطاب، بل في كثافتها المعلنة مقابل هشاشتها العملية. الجميع يتحدث عن الشرف، والجميع تقريباً يطالب باحترام المقدسات، والجميع يرفع راية الوطن أو القومية أو الدين حين يحتاج إليها؛ لكن هذه اللغة لا تمنع بالضرورة ازدهار الفساد أو التمييز أو استغلال الضعفاء. فالمجتمع الذي يستهلك الأخلاق في الكلام أكثر مما يترجمها إلى عدالة، يستطيع أن ينتج خطاباً أخلاقياً ضخماً فوق واقعٍ لا يحترم أبسط شروطها.
والأزمة ليست عربيةً أو كورديةً بوصفها قدراً وراثياً، بل هي أزمة بنى اجتماعية وسياسية تتغذى من الاستبداد والأبوية والتلقين واحتكار الحقيقة. وحين تظهر هذه البنى في المجتمع العربي، تتخذ أشكالاً تناسب تاريخه ومؤسساته؛ وحين تظهر في المجتمع الكوردي، تتخذ أشكالاً أخرى تتصل بظروفه السياسية والاجتماعية، من دون أن يمنح ذلك أياً منهما حصانةً من النقد. فمن المفارقات أن المجتمع الذي عانى من القمع يستطيع أن يعيد إنتاجه داخل بيته وحزبه وعائلته ومؤسساته، وأن يطالب بالحرية من السلطة التي تقهره، ثم يحرم المختلف من الحرية ذاتها حين يمتلك عليه سلطةً أصغر. وهنا تنكشف مأساة الإنسان الذي يرفض أن يكون عبداً، لكنه لا يتردد في طلب العبيد.
إن العقل الذي يرفض استبداد الحاكم ثم يمارس الاستبداد على المرأة، والذي يدين قمع الأكثرية حين يكون ضحيته ثم يباركه حين يكون المستفيد منه، والذي يلعن الفساد ثم يبرره عندما يعود عليه بالنفع، لا يعاني نقصاً في الشعارات؛ إنه يعاني انفصالاً بين ما يعلنه وما يؤمن به فعلياً. وفي هذا الانفصال تتكون الشخصية الاجتماعية المزدوجة: إنسانٌ يملك لغةً للعلن وأخرى للسر، أخلاقاً للآخرين واستثناءاتٍ لنفسه، مقدساتٍ يحرسها بالكلام ومصالحَ يحرسها بالأفعال.
إن الإفلاس الحقيقي ليس أن يفقد المجتمع ثروته أو سلطته، بل أن يفقد القدرة على التمييز بين الفضيلة والمصلحة، وبين الإيمان والمتاجرة به، وبين الشرف والسيطرة، وبين الديمقراطية واستبداد الأكثرية، وبين الحرية والفوضى التي يخترعها الخائفون منها. وعندما يصبح المال معيار القيمة، والانتماء معيار الحقيقة، والخضوع معيار الأخلاق، فإن الإنسان لا يعود غايةً في ذاته، بل يتحول إلى أداةٍ في خدمة الجماعة أو السلطة أو السوق. عندئذ تقاس قيمة الفرد بما يملكه، لا بما يفكر فيه؛ وبما يقدمه من منفعة، لا بما يحمله من كرامة؛ وبقدرته على الامتثال، لا بقدرته على أن يكون إنساناً مستقلاً.
فهل ثمة عقولٌ أكثر انحطاطاً وقذارةً من عقولٍ تجرم الحرية، وتكفر الاختلاف، وتبيع الكرامة، ثم تزعم أنها تحرس الأخلاق؟
إن السؤال الأكثر قسوة ليس عن الشعوب، بل عن العقل الذي يستطيع أن يبيع كل شيء، ثم يقف أمام الآخرين واعظاً باسم الفضيلة؛ العقل الذي يجعل الحرية عاراً حين تهدد سلطته، والدين تجارةً حين يدر عليه النفوذ، والشرف قيداً حين يريد السيطرة على المرأة، والديمقراطية جريمةً حين لا تضمن له الغلبة، والمال إلهاً حين تتعارض المبادئ مع مصالحه. إنه عقلٌ لا يحتاج إلى التخلي عن أخلاقه المعلنة كي يمارس نقيضها؛ فهو يعيد تعريف الأخلاق كلما تغيّرت مصلحته، ويعيد تعريف الحقيقة كلما خسر موقعه، ويعيد تعريف الخيانة كلما أصبح هو الخائن.
وهكذا يصبح القبح أكثر من مجرد سلوكٍ فردي؛ يصبح نظاماً للتبرير، وثقافةً للتناقض، وفضاءً تمنح فيه الانتهازية أسماءً نبيلة، ويعامل فيه المستقل باعتباره خطراً، وينظر إلى صاحب المبدأ بوصفه ساذجاً لأنه لم يتعلم فن بيع ضميره. إنها اللحظة التي لا يعود فيها المجتمع محتاجاً إلى إخفاء تناقضاته، بل يكتفي بتسميتها بأسماء مقبولة: المصلحة حكمة، والخضوع احترام، والرقابة غيرة، والتعصب غيرة على العقيدة، والتمييز حفاظ على الهوية، والصمت تعقل، والفساد ضرورة، والانتهازية سياسة.
وفي نهاية هذا التشريح، لا يبقى السؤال عن عدد الشعوب التي بلغت هذا المستوى من التناقض، بل عن عدد الأقنعة التي يستطيع العقل أن يرتديها قبل أن يفقد القدرة على رؤية وجهه الحقيقي. فحين يصبح كل شيء قابلاً للبيع، لا يعود المقدس مقدساً، ولا الشرف شرفاً، ولا الديمقراطية ديمقراطية، ولا الأخلاق أخلاقاً؛ تصبح الكلمات مجرد عملاتٍ لغوية تتداولها المصالح، ويصبح الإنسان نفسه سلعةً في سوقٍ لا يعترف إلا بمنطق القوة والمنفعة.
إن أبشع صور الإفلاس الإنساني أن يعبد المرء المال في السر، ويعبد الأكثرية في العلن، ويتاجر بالدين عند الحاجة، ويحرس جسد المرأة باسم الشرف، ثم يرفع رأسه متحدثاً عن الأخلاق والفضيلة والكرامة. فذلك ليس تناقضاً عابراً بين القول والفعل؛ إنه عالمٌ مقلوب تصبح فيه الرذيلة بارعةً في ارتداء ثياب الفضيلة، ويصبح النفاق أكثر قدرةً على البقاء من الحقيقة، ويصبح الجهل، حين يتسلح بالسلطة والمصلحة والمقدس، قادراً على محاكمة العقل الذي كشفه.