بقلم: د. عدنان بوزان
لم يعد الشرق الأوسط يعيش حرباً بالمعنى التقليدي، كما أنه لم يدخل مرحلة سلام قادرة على إعادة الاستقرار إلى دوله ومجتمعاته. فالمنطقة تقف في مساحة رمادية أكثر خطورة، تتجاور فيها الضربات العسكرية مع المفاوضات، والتهديدات مع الرسائل السياسية، والعقوبات مع محاولات فتح قنوات الحوار، بينما تتقاتل الدول في ساحة وتتفاوض في أخرى، وتستمر في الوقت نفسه عملية إعادة توزيع النفوذ من دون اتفاق نهائي على شكل النظام الإقليمي المقبل. ومن هنا فإن اختزال المشهد في صراع أمريكي–إيراني سيكون تبسيطاً لمعـادلة أكثر تعقيداً؛ فالصراع لا يدور فقط حول من يربح مواجهة عسكرية أو سياسية، وإنما حول شكل المنطقة، وموازين القوة فيها، ومن يمتلك القدرة على التأثير في مستقبلها وتحديد قواعدها الجديدة.
منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، دخلت العلاقات الأمريكية–الإيرانية مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة والمضبوطة في آن واحد. فقد تراكمت العقوبات الاقتصادية، والهجمات المتبادلة، والاغتيالات، واستهداف المصالح والقواعد، والردود الصاروخية، والتهديدات المتعلقة بالممرات البحرية، بالتوازي مع محاولات متكررة للعودة إلى التفاوض عبر قنوات مباشرة وغير مباشرة. ولم تعد هذه الأحداث مجرد وقائع منفصلة، بل أصبحت جزءاً من نمط أوسع لإدارة الصراع. فالولايات المتحدة تضغط على إيران وتسعى إلى احتواء نفوذها، لكنها تدرك أن الحرب الشاملة قد تفرض عليها كلفة عسكرية وسياسية واقتصادية كبيرة، فيما تحاول إيران الحفاظ على نفوذها الإقليمي وقدرتها على الردع والضغط، لكنها تدرك أيضاً أن تحويل المواجهة إلى حرب مباشرة واسعة مع الولايات المتحدة قد يتحول إلى تهديد استراتيجي لبقائها. ولذلك نشأت معادلة تقوم على إضعاف الخصم من دون إسقاطه، وردعه من دون تدميره، واستنزافه من دون الوصول إلى نقطة الانفجار التي قد تخرج عن قدرة الجميع على التحكم بمساراتها. واشنطن تريد منع إيران من التحول إلى قوة مهيمنة في الخليج والعراق وسوريا ولبنان، لكنها لا تبدو مستعدة لدفع كلفة حرب طويلة لإعادة تشكيل النظام الإيراني من الداخل، بينما تريد طهران الحفاظ على عمقها الإقليمي وشبكات نفوذها وقدرتها على تهديد المصالح الأمريكية والإسرائيلية عند الضرورة، من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تكون نتائجها غير محسوبة.
وهكذا أصبح العداء نفسه جزءاً من منظومة إدارة المصالح. فالولايات المتحدة تستطيع توظيف الخطر الإيراني في تعزيز منظومة تحالفاتها الأمنية والعسكرية في المنطقة، بينما تستخدم إيران مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل في تعزيز خطابها السياسي وتبرير جزء من سياساتها الإقليمية. وفي المقابل، تجد دول المنطقة نفسها عالقة داخل هذه المعادلة، فتدفع تكاليف التسلح والأمن، وتعيد حساباتها السياسية والاقتصادية وفق احتمال اندلاع مواجهة أوسع. ولذلك فإن ما يجري لا يمكن وصفه بدقة بأنه «مسرحية» كاملة، كما لا يمكن اعتباره حرباً شاملة مستمرة؛ بل هو نمط من الصراع المركب، يجمع بين الضغط السياسي والعقوبات والمواجهة غير المباشرة والضربات المحدودة والتفاوض، مع محاولة مستمرة من الأطراف الرئيسية لضبط سقف التصعيد ومنع تحوله إلى حرب إقليمية مفتوحة.
غير أن الصراع لا يتركز في الخليج وحده، فالشرق الأوسط تحول إلى شبكة من الساحات المتداخلة التي يؤثر بعضها في بعض. ففي الخليج تدور المنافسة حول أمن الممرات البحرية والطاقة والنفوذ العسكري، وفي العراق تتقاطع قضايا الدولة والسلاح والسيادة والنفوذ الإيراني والأمريكي، وفي سوريا تتداخل المصالح الأمريكية والإيرانية والروسية والتركية والإسرائيلية، وفي اليمن أصبح البحر الأحمر والممرات التجارية الدولية جزءاً من معادلة تتجاوز حدود الحرب اليمنية نفسها، بينما تتشابك في لبنان أزمات الدولة مع التوازنات الإقليمية. وفي خضم هذه الصراعات، بقيت القضية الفلسطينية تواجه خطر التراجع في سلم الأولويات الإقليمية والدولية كلما تصاعدت الملفات الأمنية الأخرى. وهذه من النتائج السياسية المهمة للتحولات التي شهدها الشرق الأوسط؛ إذ انتقلت بعض العلاقات الإقليمية من منطق الصراع التقليدي مع إسرائيل إلى منطق بناء تفاهمات أمنية وسياسية في مواجهة تهديدات أخرى، وفي مقدمتها إيران ونفوذها الإقليمي. وهكذا لم تختفِ القضية الفلسطينية، ولم تفقد أهميتها التاريخية والسياسية، لكنها أصبحت في كثير من اللحظات محاصرة بأجندة إقليمية مزدحمة بالحروب والأزمات والمخاوف الأمنية.
وتستفيد إسرائيل من هذه البيئة الاستراتيجية، ليس بالضرورة لأنها تقف وراء كل صراع في المنطقة، وإنما لأن استمرار التوتر مع إيران يمنحها فرصة لإعادة تعريف موقعها داخل النظام الإقليمي. فكلما أصبح الخطر الإيراني عنواناً رئيسياً للأمن الإقليمي، تراجعت مساحة النقاش السياسي حول القضية الفلسطينية في بعض العواصم، وبرزت إسرائيل لدى بعض الأطراف بوصفها شريكاً أمنياً محتملاً في مواجهة إيران. وفي الوقت نفسه، تنظر إسرائيل إلى الوجود الإيراني وشبكات حلفائه في المنطقة باعتبارها تهديداً استراتيجياً، وتسعى إلى إضعاف هذا النفوذ حيثما تستطيع، وخصوصاً في سوريا، مع الحرص على تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة إذا كانت كلفتها ونتائجها غير قابلة للتحكم. ومن هنا يمكن القول إن استمرار التوتر لا يؤدي فقط إلى المواجهة العسكرية، بل يساهم أيضاً في إعادة تشكيل التحالفات والعلاقات الإقليمية، ويجعل الصراع على النفوذ جزءاً من عملية إعادة بناء النظام السياسي والأمني في الشرق الأوسط.
وفي الطرف الآخر من المعادلة تقف تركيا بوصفها إحدى أكثر العقد تعقيداً في مستقبل المنطقة، ولا سيما في المسألة الكوردية. فالولايات المتحدة تحتاج إلى التعاون مع القوى الكوردية في بعض ساحات الصراع، وإسرائيل تدرك أهمية الجغرافيا الكوردية في الحسابات الإقليمية، وإيران تسعى إلى التأثير في القوى الكوردية الموجودة ضمن محيطها، بينما تنظر تركيا إلى أي تحول كوردي استراتيجي في سوريا والعراق من منظور أمنها القومي. ولهذا فإن أي مشروع أمريكي أو إسرائيلي يقوم على دعم قوة كوردية واسعة التأثير سيبقى مضطراً إلى حساب الموقف التركي، بما يجعل الكورد أمام معادلة بالغة الحساسية: هم موجودون في قلب الجغرافيا التي تتقاطع فيها المشاريع الدولية والإقليمية، لكنهم لم ينجحوا بعد في بناء مستوى من الوحدة السياسية والمؤسساتية يسمح لهم بتحويل هذا الموقع الجغرافي إلى نفوذ سياسي مستقل ومستدام.
وقد أثبتت التجارب السابقة أن العلاقة مع القوى الدولية يمكن أن تكون مصدر قوة للكورد، لكنها يمكن أن تتحول إلى مصدر ضعف إذا أصبحت بديلاً عن بناء القوة الذاتية. فعندما تحتاج الولايات المتحدة إلى قوة محلية على الأرض لمواجهة تنظيمات متطرفة، تزداد أهمية الشراكة مع القوى الكوردية، وعندما تتغير الأولويات الأمنية والسياسية، يمكن أن تتغير طبيعة هذه الشراكة وحدودها. كما أن دخول المصالح الأمريكية في تفاوض مع تركيا أو مع قوى إقليمية أخرى يجعل الحسابات أكثر تعقيداً. ولهذا فإن الدرس الأساسي الذي ينبغي استخلاصه لا يتمثل في رفض العلاقات الدولية أو التحالفات، وإنما في إعادة تعريفها على أساس المصالح المتبادلة. فهناك فرق كبير بين التحالف والوكالة، وبين الشراكة والتبعية؛ فالتحالف يفترض أن يمتلك الطرف مشروعه وأهدافه ومصالحه، ثم يبحث عن شراكات دولية تساعده على تحقيقها، أما الوكالة فتحدث عندما يصبح مشروع طرف ما مرتبطاً بأجندة طرف آخر إلى درجة يفقد معها قدرته على اتخاذ القرار المستقل.
ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الحركة السياسية الكوردية هو اختزال القضية الكوردية في وظيفة أمنية ضمن استراتيجيات القوى الإقليمية والدولية. فالكورد ليسوا مجرد قوة برية يمكن استخدامها في مواجهة إيران، ولا ينبغي أن يتحولوا إلى حزام أمني لأي دولة، ولا إلى قوة احتياطية تستدعى عندما تحتاج إليها القوى الكبرى ثم تتراجع أهميتها عندما تتغير مصالح تلك القوى. القضية الكوردية أوسع من الوظيفة العسكرية؛ إنها قضية شعب له تاريخ وجغرافيا وهوية وحقوق ومصالح سياسية، ولا يمكن اختزالها في تحالف أمني مؤقت أو دور عسكري مرحلي. وإذا كان الكورد يريدون الانتقال من موقع «الورقة» إلى موقع «الطرف»، فإن الطريق لا يمر عبر انتظار الحماية الخارجية، وإنما عبر بناء قرار سياسي أكثر استقلالاً، ومؤسسات أكثر فاعلية، ورؤية استراتيجية قادرة على التعامل مع التوازنات الإقليمية والدولية من موقع المصلحة لا من موقع الحاجة وحدها.
لكن تحميل القوى الخارجية وحدها مسؤولية المأزق الكوردي سيكون بدوره قراءة ناقصة، لأن جزءاً من المشكلة يرتبط بالواقع السياسي الكوردي نفسه. فالانقسام السياسي، وتعدد المشاريع، والتنافس الحزبي، وتغليب الحسابات التنظيمية الضيقة على المصالح العامة، وضعف المؤسسات المشتركة القادرة على إنتاج موقف سياسي متماسك، كلها عوامل تجعل الكورد أكثر عرضة للتأثير الخارجي. فالقوى الخارجية تستطيع استثمار الانقسام عندما يكون موجودًا، لكنها لا تستطيع اختراعه من العدم. وكلما غاب المركز السياسي القادر على تحديد المصالح والتفاوض باسمها، ازدادت قدرة الآخرين على فرض أجنداتهم. ولهذا فإن السؤال الكوردي لا ينبغي أن يبقى محصوراً في: ماذا تريد منا أمريكا؟ وماذا تريد تركيا؟ وماذا تريد إيران؟ بل يجب أن يبدأ بالسؤال الأكثر أهمية: ماذا نريد نحن؟ وما المشروع السياسي الذي نريد أن نبني عليه علاقاتنا مع هذه القوى؟ وما الحد الفاصل بين الاستفادة من التوازنات الدولية وبين التحول إلى أداة في صراعاتها؟
وفي هذه النقطة تحديداً تتقاطع القضية الكوردية مع مستقبل الشرق الأوسط كله. فالمنطقة تتحرك نحو نظام إقليمي جديد، لكنه لم يتشكل بصورة نهائية. الولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على تفوقها الاستراتيجي ومنع أي قوة إقليمية من السيطرة على الممرات الحيوية ومصادر الطاقة، وإيران تريد الحفاظ على عمقها الإقليمي وقدرتها على الردع والتأثير، وإسرائيل تسعى إلى منع إيران من التحول إلى قوة إقليمية مهيمنة وإلى تعزيز موقعها داخل منظومة الأمن الإقليمي، وتركيا تريد منع نشوء واقع كوردي تعتبره تهديداً لأمنها القومي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على دور إقليمي واسع، بينما تحاول روسيا تثبيت نفوذها ومصالحها، وتسعى الصين إلى توسيع حضورها الاقتصادي والاستراتيجي من دون تحمل الكلفة العسكرية التي تحملتها الولايات المتحدة خلال عقود. وفي وسط هذه الحسابات كلها تقف شعوب المنطقة بوصفها الطرف الأقل قدرة على تحديد اتجاه الأحداث، رغم أنها الطرف الذي يتحمل جانباً كبيراً من كلفتها الإنسانية والاقتصادية والسياسية.
ولهذا قد لا تكون المواجهة المقبلة بالضرورة حرباً أمريكية–إيرانية مباشرة. فقد تأخذ شكل سلسلة من الضربات المحدودة، أو العقوبات والضغوط الاقتصادية، أو الحرب السيبرانية، أو المواجهات بالوكالة، أو الصراع على الطاقة والمياه والحدود والممرات البحرية والنفوذ السياسي. والخطر الحقيقي هو أن يتحول هذا النمط من الصراع إلى حالة دائمة؛ حرب لا تنتصر فيها جهة بصورة حاسمة، ولا تنهزم فيها جهة بصورة نهائية، لكنها تستنزف المجتمعات والدول وتؤجل الاستقرار باستمرار. فالمواجهة المحدودة عندما تستمر سنوات قد تصبح في آثارها أكثر قسوة من الحرب القصيرة؛ لأنها تحول الاستثناء إلى قاعدة، والخوف إلى حالة يومية، والإنفاق الأمني إلى ضرورة دائمة، والاقتصاد إلى رهينة للتوتر السياسي.
وفي نهاية هذه المعادلة لا يدفع الكبار وحدهم ثمن الصراع. العراقي يدفع ثمن التنافس على النفوذ والسلاح والقرار، والسوري يدفع ثمن الصراع على الجغرافيا ومناطق النفوذ، واليمني يدفع ثمن الصراع على البحر الأحمر وممراته، والفلسطيني يدفع ثمن تراجع أولوية قضيته أمام ملفات الأمن الإقليمي، والكوردي يدفع ثمن موقعه الجغرافي وانقسامه السياسي واعتماده المتكرر على الوعود الخارجية. وفي كل مرة تتحدث القوى الكبرى عن الأمن والاستقرار، يبقى السؤال الضروري: أمن من؟ واستقرار من؟ لأن الاستقرار الذي يحمي الدولة ويترك المجتمع بلا حقوق ليس استقراراً مستداماً، والأمن الذي يحمي الحدود بينما تبقى المجتمعات تحت وطأة الفقر والحرب والاضطراب ليس أمناً كاملاً.
إن الخروج من هذه الدائرة لن يتحقق بمجرد تغيير حكومة هنا أو توقيع اتفاق مؤقت هناك أو عقد صفقة بين قوتين كبيرتين. فالشرق الأوسط يحتاج إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن والسيادة والشراكة السياسية، وإلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها. فلا يمكن بناء استقرار حقيقي من دون معالجة قضايا الحقوق والتمثيل السياسي، ولا يمكن حماية الممرات ومصادر الطاقة بينما تعيش المجتمعات المحيطة بها تحت وطأة الفقر والحروب، ولا يمكن مواجهة التطرف بصورة مستدامة من دون معالجة البيئات السياسية والاجتماعية التي تساعد على إنتاجه، كما لا يمكن تحقيق سلام طويل الأمد بينما تبقى القضايا الوطنية والإقليمية الكبرى معلقة بانتظار صفقة دولية جديدة.
أما الكورد، فإنهم أمام لحظة تاريخية لا تحتمل استمرار السياسة القديمة بالآليات نفسها. فإما أن يبقوا قوة تستدعيها القوى الكبرى عندما تحتاج إليها ثم تتراجع أهميتها عندما تتغير الحسابات، وإما أن يعيدوا بناء أنفسهم سياسياً ومؤسساتياً بحيث يصبح وجودهم ومصالحهم جزءاً من أي تسوية إقليمية مقبلة. فالمرحلة المقبلة لن تكون بالضرورة مرحلة الدول التي تنتصر عسكرياً فقط، بل مرحلة القوى التي تمتلك القدرة على الجمع بين الجغرافيا والسياسة والمؤسسات والشرعية والعلاقات الدولية. ومن لا يمتلك مشروعاً سياسياً واضحاً، سيجد نفسه، شاء أم أبى، داخل مشاريع الآخرين.
الشرق الأوسط، إذن، لا يعيش سلاماً، لكنه لا يعيش حرباً شاملة أيضاً؛ إنه يعيش صراعاً مفتوحاً بلا نهاية واضحة، تتصارع فيه واشنطن وطهران وتتفاوضان في الوقت نفسه، وتواجه إسرائيل إيران بينما تستفيد من استمرار الخطر الإيراني في إعادة ترتيب بعض علاقاتها الإقليمية، وتحاول تركيا منع نشوء واقع كوردي جديد على حدودها، وتسعى روسيا إلى تثبيت نفوذها، وتتقدم الصين اقتصادياً واستراتيجياً، بينما يجد الكورد أنفسهم مرة أخرى في قلب اللعبة من دون أن يكونوا قد حسموا السؤال الأكثر أهمية: هل يريدون أن يكونوا لاعبين أم أوراقاً؟
المستقبل لن تحدده الصواريخ وحدها، ولن تصنعه العقوبات وحدها، ولن تحسمه التحالفات العسكرية وحدها؛ بل سيحدده من يستطيع الجمع بين القوة والسياسة والشرعية والمصلحة والاستقلال في القرار. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الكورد هو انتظار حرب جديدة على أمل أن تمنحهم ما عجزوا عن بنائه في زمن السلم، لأن الحروب لا تمنح الشعوب حقوقها تلقائياً، والقوة الخارجية لا تبني مشروعاً وطنياً بالنيابة عن أحد. فالذين يدخلون الحرب بلا مشروع قد يخرجون منها وقد خسروا حتى ما كانوا يملكونه، أما الذين يدخلونها وهم يمتلكون رؤية سياسية ومؤسسات وقراراً مستقلاً وعلاقات متوازنة، فقد يستطيعون تحويل لحظة الفوضى إلى فرصة تاريخية.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي يواجه الشرق الأوسط ليس فقط: من سينتصر في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران؟ ولا من سيمتلك النفوذ في سوريا والعراق والخليج؟ ولا من سيعيد رسم توازنات المنطقة؟ بل إن السؤال الأعمق هو: هل ستبقى شعوب الشرق الأوسط مجرد ساحات تتصارع فوقها القوى الكبرى، أم تصل أخيراً إلى اللحظة التي تصبح فيها شريكاً حقيقياً في رسم مستقبلها، لا ضحيةً لخرائط الآخرين؟