بقلم: د. عدنان بوزان
لم يعد السؤال الذي يواجه الحركة السياسية الكوردية في سوريا سؤالاً عابراً يمكن تأجيله أو الالتفاف حوله، بل أصبح سؤالاً سياسياً ووجودياً يتصل مباشرة بمستقبل القضية الكوردية ومكانة الكورد في سوريا المقبلة: لماذا، رغم عقود طويلة من النضال السياسي والتضحيات والتجارب المتراكمة، لم تتمكن الحركة السياسية الكوردية من إنتاج مشروع سياسي جامع يقنع المجتمع الكوردي، ويستطيع في الوقت نفسه أن يقدم القضية الكوردية بوصفها قضية وطنية سورية، لا مجرد مجموعة من المطالب الحزبية المتفرقة؟
إن طرح هذا السؤال لا يعني التشكيك في عدالة القضية الكوردية، ولا إنكار ما تعرض له الكورد في سوريا من سياسات الإنكار والتمييز والإقصاء ومحاولات طمس الهوية، ولا التقليل من التضحيات التي قدمها المناضلون والمثقفون والنشطاء الكورد على امتداد عقود. كما أنه لا يعني وضع جميع الأحزاب والقوى والشخصيات السياسية في خانة واحدة، فالتجارب والمسؤوليات والخيارات مختلفة. لكن الدفاع عن القضية الكوردية لا يعني الدفاع عن كل من يتحدث باسمها، واحترام تاريخ النضال لا يعني إعفاء الحاضر من النقد والمساءلة.
فالقضية شيء، والحزب شيء آخر؛ والشعب شيء، والقيادة السياسية شيء آخر؛ والتاريخ شيء، والمشروع السياسي للمستقبل شيء آخر.
وهذه التفرقة تبدو اليوم أكثر ضرورة من أي وقت مضى.
لقد أثبت التاريخ أن عدالة القضية لا تكفي وحدها لتحقيق أهدافها. فقد تكون القضية عادلة، لكن أدوات التعبير عنها ضعيفة، وقد يكون الشعب صاحب حق تاريخي واضح، لكن القوى التي تتولى الدفاع عن هذا الحق عاجزة عن تحويله إلى مشروع سياسي قابل للحياة. ومن هنا فإن أزمة الحركة السياسية الكوردية في سوريا ليست أزمة قضية، بقدر ما هي أزمة قدرة سياسية على إدارة القضية وتحويلها إلى مشروع.
ولعل المفارقة الأكثر وضوحاً أن الوعي القومي الكوردي في المجتمع السوري أصبح أكثر رسوخاً من قدرة القوى السياسية على إنتاج صيغة سياسية تستوعب هذا الوعي وتترجمه إلى برنامج عملي. فالمجتمع الكوردي يعرف أنه تعرض تاريخياً للتمييز، ويعرف أنه حرم من حقوق أساسية، ويعرف أن هويته القومية تعرضت لمحاولات الإنكار، لكنه يريد اليوم أن يعرف شيئاً آخر: ماذا تريد الحركة السياسية أن تفعل بهذا التاريخ؟ وما الذي تريد بناءه في المستقبل؟ وما شكل العلاقة التي تريدها مع الدولة السورية؟ وما موقع الكورد في سوريا الجديدة؟ وما الأدوات التي يمكن من خلالها تحقيق هذه الأهداف؟
وهنا تحديداً تبدأ المشكلة.
لقد ظل جزء كبير من الخطاب السياسي الكوردي في سوريا أسير المظلومية التاريخية. والمظلومية ليست وهماً ولا اختراعاً سياسياً، بل هي جزء من حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها. لكن المظلومية، مهما كانت مشروعة، لا يمكن أن تتحول وحدها إلى مشروع سياسي. فالتاريخ يفسر جذور القضية، لكنه لا يرسم وحده طريق الحل. والذاكرة تحفظ الألم، لكنها لا تبني المؤسسات. والضحايا يمنحون القضية شرعيتها الأخلاقية، لكن السياسة تحتاج أيضاً إلى رؤية وبرنامج وأدوات.
إن المأساة تفسر لماذا قاوم الكورد، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم: ماذا يريدون أن يبنوا؟
وهذا هو الانتقال الذي تحتاجه الحركة السياسية الكوردية في سوريا اليوم؛ الانتقال من خطاب يستند أساساً إلى الماضي إلى خطاب سياسي قادر على بناء المستقبل.
فالحركة التي تكتفي بتذكير شعبها بما تعرض له، من دون أن تقدم له تصوراً واضحاً لما سيحصل عليه، تتحول مع مرور الزمن من حركة سياسية تسعى إلى تغيير الواقع إلى حركة احتجاجية تكتفي بوصفه.
والفرق بين الأمرين كبير.
الحركة الاحتجاجية تقول: نحن تعرضنا للظلم.
أما الحركة السياسية فتقول: تعرضنا للظلم، ونعرف أسبابه، ونحدد حقوقنا، ونمتلك مشروعاً، ونعرف كيف نفاوض من أجله، ونعرف أيضاً كيف نحوله إلى واقع سياسي وقانوني ومؤسسي.
وهنا تظهر إحدى أكبر مشكلات السياسة الكوردية في سوريا: "غياب المشروع السياسي الجامع."
فالكورد يمتلكون أحزاباً وتيارات وشخصيات ومؤسسات سياسية ومدنية متعددة، لكن هذا التعدد لم يتحول حتى الآن إلى قوة سياسية موحدة في الحد الأدنى من الأهداف الاستراتيجية. والاختلاف في حد ذاته ليس مشكلة؛ بل هو أمر طبيعي وصحي في أي مجتمع يريد بناء حياة سياسية ديمقراطية. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف من تعدد في الرؤى إلى انقسام في المصالح، ومن تنافس على البرامج إلى صراع على التمثيل والشرعية والنفوذ.
لقد أصبح السؤال في كثير من الأحيان: من يمثل الكورد؟
بينما ينبغي أن يكون السؤال الأهم: ماذا يريد الكورد؟
فحين يصبح الصراع السياسي صراعاً على من يملك حق تمثيل القضية، تتحول القضية نفسها إلى مساحة للتنافس الحزبي، ويصبح كل حزب أكثر اهتماماً بإثبات أنه الممثل الشرعي من اهتمامه بإثبات أن مشروعه هو الأكثر قدرة على خدمة المجتمع.
وهنا تبدأ القضية بالانفصال تدريجياً عن المجتمع.
فالمواطن الكوردي قد يكون مؤمناً بقضيته القومية، ومتمسكاً بحقوقه، ومقتنعاً بضرورة الاعتراف بهويته، لكنه لا يكون بالضرورة مقتنعاً بالحزب الذي يدعي تمثيله. وقد يدافع عن القضية الكوردية، لكنه لا يثق بقياداتها. وقد يؤمن بالحقوق القومية، لكنه يرفض أن تتحول هذه الحقوق إلى وسيلة لفرض الوصاية الحزبية على المجتمع.
وهذا لا يعني أن الشعب فقد قضيته، بل قد يعني أن المجتمع أصبح أكثر قدرة على الفصل بين "القضية ومن يديرها".
وهنا يجب على الأحزاب أن تتوقف عن تفسير ضعف ثقة الناس بها على أنه ضعف في الوعي القومي أو تراجع في الالتزام بالقضية. فالمشكلة قد تكون في مكان آخر تماماً: في الفجوة التي اتسعت بين المجتمع والطبقة السياسية.
والثقة، في النهاية، لا تطلب من المواطن؛ بل تبنى معه.
لا يمكن أن يطلب الحزب من المجتمع أن يثق به لمجرد أنه يحمل شعار القضية منذ عقود. الثقة تحتاج إلى شفافية، ومحاسبة، ومؤسسات، وتجديد، ووضوح، وقدرة على الاعتراف بالأخطاء.
وحين يسمع المواطن خطاباً عن الديمقراطية، لكنه لا يجد ديمقراطية حقيقية داخل التنظيمات السياسية، يبدأ في طرح الأسئلة. وحين يسمع عن الوحدة، بينما يرى الانقسام الحزبي والمناطقي والشخصي، يفقد الخطاب جزءاً من تأثيره. وحين يسمع عن الحرية، لكنه يرى أن الاختلاف مع القيادة قد يتحول إلى اتهام أو تخوين، تصبح الشعارات أقل إقناعاً.
ولا يمكن بناء حركة ديمقراطية بعقلية لا تتقبل النقد.
فالحركة السياسية التي تريد بناء دولة ديمقراطية في سوريا يجب أن تبدأ بممارسة الديمقراطية داخل مؤسساتها. والحزب الذي يطالب باستقلال القضاء والمحاسبة والشفافية يجب أن يكون مستعداً لممارسة هذه المبادئ في داخله. والقيادة التي تطالب بتداول السلطة لا ينبغي أن تنظر إلى مواقعها باعتبارها امتيازاً دائماً.
إن النقد ليس عداءً، والاختلاف ليس خيانة، والمعارضة ليست مؤامرة.
بل إن الحركة التي لا تسمح بالنقد الداخلي تتحول تدريجياً إلى مؤسسة لا تسمع إلا صوتها، وعندما لا تسمع إلا صوتها تفقد القدرة على رؤية أخطائها، وعندما تفقد القدرة على رؤية أخطائها تفقد القدرة على تصحيح مسارها.
وهنا تظهر مشكلة أخرى تتمثل في "تكلس النخب السياسية وتأخر تجديد القيادة والأفكار".
لقد تغير المجتمع الكوردي في سوريا بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة. ظهرت أجيال جديدة أكثر انفتاحاً على العالم، وارتفع مستوى التعليم، واتسعت الهجرة، وظهرت طبقات جديدة من الأكاديميين والمثقفين والمهنيين ورجال الأعمال والإعلاميين والنشطاء، وتغيرت أدوات التواصل السياسي والاجتماعي بصورة جذرية.
لكن الخطاب السياسي ما زال يتحرك بأدوات مرحلة مختلفة.
فالشاب الكوردي اليوم لا يسأل فقط عن القضية القومية، بل يسأل عن مستقبله الشخصي أيضاً. يسأل عن التعليم والعمل والاقتصاد والحرية والعدالة والكرامة، وعن إمكانية بناء حياة طبيعية في بلده بدلاً من البحث عن مستقبل خارج البلاد.
ولهذا فإن الشباب لا يريد أن يكون مجرد جمهور سياسي، ولا وقوداً انتخابياً، ولا أداة للتعبئة، ولا رقماً في قوائم الأحزاب.
"إنه يريد أن يكون شريكاً في صناعة القرار."
ومن لا يفهم هذه الحقيقة سيجد نفسه أمام فجوة أكبر بينه وبين الأجيال الجديدة.
كما أن المجتمع الكوردي في سوريا ليس كتلة سياسية متجانسة، ولا ينبغي التعامل معه على هذا الأساس. فهناك اختلافات فكرية وسياسية واجتماعية ومناطقية وجيلية، وهذا أمر طبيعي. وليس المطلوب إلغاء هذه الاختلافات، بل إدارتها سياسياً ضمن إطار مشترك.
فالوحدة لا تعني أن يصبح الجميع حزباً واحداً، ولا تعني إلغاء المعارضة، ولا تعني إلغاء الاختلاف.
الوحدة الحقيقية تعني أن تختلف القوى السياسية حول الوسائل، لكنها تتفق حول الحد الأدنى من الأهداف والثوابت.
يمكن أن تختلف الأحزاب حول شكل النظام السياسي، لكنها تستطيع الاتفاق على الاعتراف الدستوري بالوجود الكوردي وحقوقه. ويمكن أن تختلف حول أدوات العمل السياسي، لكنها تستطيع الاتفاق على رفض أي عودة إلى سياسات الإنكار والتمييز. ويمكن أن تختلف حول تفاصيل العلاقة مع القوى السورية الأخرى، لكنها تستطيع الاتفاق على أن مستقبل الكورد يجب أن يكون جزءاً من مستقبل سوريا الديمقراطية.
وهنا تحديداً يجب أن تنتقل الحركة السياسية من "وحدة الأحزاب إلى وحدة المشروع".
إن القضية الكوردية في سوريا لا تحتاج بالضرورة إلى حزب واحد، لكنها تحتاج إلى رؤية سياسية مشتركة، وإلى مرجعية تفاوضية قادرة على التعبير عن الحد الأدنى من التوافق الكوردي.
وهذا يقودنا إلى السؤال الأكثر أهمية: ما الذي تريده الحركة السياسية الكوردية في سوريا؟
هل تريد نظاماً لا مركزياً؟ أم فدرالياً؟ أم حكماً ذاتياً؟ أم إدارة محلية واسعة الصلاحيات؟ أم صيغة أخرى ضمن دولة سورية ديمقراطية؟
ليس الخلاف في حد ذاته مشكلة، لكن المشكلة أن المجتمع الكوردي يحتاج إلى أن يسمع إجابات واضحة، لا مجرد شعارات عامة.
فالسياسة لا تقوم على الأهداف النهائية وحدها، وإنما على الطريق المؤدي إليها.
وإذا كانت بعض الأهداف تحتاج إلى مراحل طويلة، فمن واجب السياسي أن يشرح هذه المراحل، وأن يميز بين الهدف الاستراتيجي والممكن السياسي، وبين الثابت الذي لا يمكن التخلي عنه، والمسألة التي يمكن التفاوض حولها.
إن المشروع السياسي الجاد يجب أن يجيب عن أسئلة محددة: ماذا نريد؟ لماذا نريده؟ كيف نحققه؟ ما أدواتنا؟ من هم حلفاؤنا؟ ما حدود التفاوض؟ وما الذي يمكن أن نقبله وما الذي لا يمكن أن نقبله؟
أما الاكتفاء بعبارات عامة عن الحقوق والحرية والديمقراطية، من دون تحويلها إلى برنامج سياسي، فإنه يبقي القضية في مستوى الخطاب.
ومن هنا فإن الحركة السياسية الكوردية في سوريا تحتاج إلى إعادة تعريف القضية نفسها.
القضية الكوردية ليست مجرد قضية حدود أو أرض أو هوية؛ إنها أيضاً قضية مواطنة وحقوق وكرامة وديمقراطية وعدالة.
والكورد لا يحتاجون إلى أن يثبتوا أنهم جزء من سوريا فحسب، بل يحتاجون أيضاً إلى أن يطرحوا تصورهم لسوريا التي يريدون العيش فيها.
وهذا سؤال بالغ الأهمية.
"أي سوريا يريد الكورد؟"
هل يريدون العودة إلى الدولة المركزية التي عانى منها الجميع، وإن بدرجات مختلفة؟
أم يريدون سوريا جديدة تقوم على اللامركزية السياسية والإدارية، وتوزيع السلطة، والمشاركة، والعدالة، والاعتراف بالتنوع القومي والثقافي؟
إذا كانت الحركة السياسية الكوردية تريد أن تكون جزءاً من صناعة سوريا الجديدة، فعليها ألا تكتفي بطرح المطالب الكوردية، بل عليها أن تقدم تصوراً متكاملاً لسوريا المستقبل.
وهنا تتحول القضية الكوردية من "مطلب خاص" إلى جزء من مشروع وطني عام.
وهذا لا يعني التخلي عن الخصوصية القومية، بل يعني ربطها بمشروع ديمقراطي أوسع.
فالحقوق القومية والديمقراطية ليستا قضيتين متعارضتين.
بل إن الحقوق القومية تحتاج إلى بيئة ديمقراطية تحميها، والديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تقوم على إنكار حقوق مكون أساسي من مكونات المجتمع.
ولهذا فإن أفضل ما يمكن أن تقدمه الحركة السياسية الكوردية هو مشروع يجمع بين " الحقوق القومية الكوردية وبناء سوريا ديمقراطية لا مركزية، تقوم على المواطنة المتساوية والاعتراف بالتعدد القومي والثقافي والسياسي."
وهذا المشروع سيكون أكثر قدرة على إقناع الكورد والسوريين معاً.
لكن ذلك يتطلب أيضاً قدراً أكبر من الاستقلالية في القرار السياسي.
فالقضية الكوردية في سوريا تقع في قلب منطقة شديدة التعقيد، وتتداخل فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة. ومن الطبيعي أن تبحث القوى السياسية عن علاقات وتحالفات خارجية، فهذا جزء من العمل السياسي. لكن التحالفات الخارجية ينبغي أن تكون وسيلة لخدمة المشروع الكوردي السوري، لا بديلاً عنه.
فالدعم الخارجي يمكن أن يمنح الحركة مساحة سياسية، لكنه لا يستطيع أن يمنحها شرعية شعبية دائمة.
والقوة الدولية قد تساعد في حماية مصالح معينة، لكنها لا تستطيع أن تبني مجتمعاً سياسياً متماسكاً.
والقرار الذي لا يستند إلى قاعدة اجتماعية وسياسية داخلية يبقى قراراً هشاً مهما كان حجم الدعم الذي يحصل عليه.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن تطرحه الحركة السياسية الكوردية ليس فقط: من يقف معنا؟
بل أيضاً: "هل نملك نحن ما يكفي من القوة السياسية والمؤسساتية لكي ندافع عن مصالحنا؟"
والقوة هنا لا تعني القوة العسكرية وحدها، بل تعني المجتمع المنظم، والمؤسسات، والتعليم، والاقتصاد، والإعلام، والدبلوماسية، والثقافة، والقدرة على إنتاج المعرفة، والقدرة على بناء التحالفات.
فالقضية التي لا تمتلك مؤسسات تحملها تبقى رهينة للظروف.
والقضية التي لا تمتلك مشروعاً اقتصادياً واجتماعياً تبقى أسيرة الخطاب السياسي.
والقضية التي لا تمتلك إعلاماً قادراً على مخاطبة الداخل والخارج تبقى عاجزة عن الدفاع عن نفسها في معركة الرواية.
والقضية التي لا تمتلك قيادة شابة ومتجددة ستجد نفسها عاجزة عن التعامل مع المستقبل.
لهذا فإن المطلوب اليوم ليس إضافة حزب جديد إلى قائمة الأحزاب الكوردية في سوريا، وإنما إنتاج " فكرة سياسية جديدة تتجاوز عقلية الحزب التقليدي".
فالمطلوب هو الانتقال من سؤال: "من يمثل الكورد؟" إلى سؤال: "كيف نمثل مصالح الكورد؟"
ومن سؤال: "من يقود؟" إلى سؤال: "ما المشروع الذي يقودنا؟"
ومن الصراع على الزعامة إلى التنافس على البرامج.
ومن استهلاك التاريخ إلى صناعة المستقبل.
ومن خطاب المظلومية إلى خطاب الحقوق.
ومن خطاب الحقوق إلى مشروع بناء المؤسسات.
ومن انتظار الخارج إلى بناء القوة الداخلية.
ومن وحدة الشعارات إلى وحدة المصالح.
ومن وحدة الأحزاب إلى وحدة المشروع.
وهنا لا بد من التأكيد على أن الشعب الكوردي في سوريا ليس مسؤولاً عن ضعف الحركة السياسية. فمن غير المنطقي أن يطلب من المواطن أن يتحمل نتائج الانقسامات الحزبية، ثم يتهم بأنه غير مبالٍ بالقضية. ومن غير العادل أن يطلب منه الولاء للأحزاب لمجرد أنها ترفع شعارات قومية.
إن المواطن يريد أن يرى انعكاس القضية في حياته.
يريد أن يعرف ماذا تعني له الحقوق القومية.
ماذا ستعني لأبنائه؟
للغته؟
لتعليمه؟
لجامعته؟
لوظيفته؟
لحريته؟
لقضاء عادل؟
لأمنه؟
لمستقبله؟
ولذلك فإن المشروع السياسي الذي لا يستطيع أن يجيب عن أسئلة الحياة اليومية سيظل بعيداً عن المواطن، مهما كان جميلاً في خطابه.
إن الناس لا يعيشون على الشعارات.
يعيشون على الأمل، والكرامة، والعدالة، والأمن، والعمل، والتعليم، والحرية.
ولهذا يجب أن تكون القضية الكوردية قادرة على تقديم مستقبل أفضل، لا أن تظل مجرد استعادة مستمرة للماضي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للقضية الكوردية هو أن تتحول إلى ذاكرة سياسية فقط.
فالقضية الحية هي التي تنتج مشروعاً.
والمشروع الحي هو الذي ينتج مؤسسات.
والمؤسسات تنتج ثقة.
والثقة تنتج قوة سياسية.
وهذه القوة هي التي تستطيع أن تجعل القضية مؤثرة في مستقبل سوريا.
ومن هنا فإن الحركة السياسية الكوردية في سوريا بحاجة إلى مراجعة سياسية شاملة، لا إلى مؤتمر حزبي جديد ينتهي ببيان آخر.
إنها بحاجة إلى مراجعة صريحة تسأل: أين أخطأنا؟ لماذا لم ننجح في توحيد الموقف؟ لماذا ابتعد جزء من المجتمع عن الأحزاب؟ لماذا لم ننتج مشروعاً واضحاً؟ لماذا بقيت الخلافات التنظيمية أقوى من المصالح الوطنية؟ لماذا لم ننجح في تجديد النخب؟ ولماذا ما زال الخطاب السياسي في بعض جوانبه أسير مفردات الماضي؟
والمراجعة الحقيقية لا تعني جلد الذات، بل تعني امتلاك الشجاعة لتصحيح المسار.
فالحركة التي لا تراجع نفسها ستكرر أخطاءها.
والقيادة التي لا تعترف بأخطائها ستفقد ثقة مجتمعها.
والحزب الذي يعتبر نفسه فوق النقد سيصبح عاجزاً عن التطور.
إن الكورد في سوريا لا يحتاجون إلى من يقول لهم إن قضيتهم عادلة؛ فهم يعرفون ذلك.
ما يحتاجونه هو من يقول لهم: " كيف سنحول هذه العدالة إلى حق سياسي، وكيف نحول الحق السياسي إلى مؤسسات، وكيف نحمي هذه المؤسسات داخل سوريا الجديدة؟"
وهذه هي وظيفة السياسة.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يؤمن الكوردي السوري بقضيته؟
بل: "هل تستطيع الحركة السياسية الكوردية أن تحول هذا الإيمان إلى مشروع سياسي؟"
فالوقائع تشير إلى أن الفجوة ليست بالضرورة بين الشعب والقضية، وإنما بين الشعب والقوى التي تدعي تمثيل القضية.
والحل لا يكون بمطالبة الشعب بمزيد من الولاء، وإنما بإعادة بناء الثقة.
ولا يكون بإضافة مزيد من الشعارات، وإنما بإنتاج رؤية.
ولا يكون بتكريس الزعامات، وإنما ببناء المؤسسات.
ولا يكون بإلغاء الاختلاف، وإنما بإدارته ديمقراطياً.
ولا يكون بإضعاف الأحزاب، وإنما بوضع القضية فوق الأحزاب.
إن القضية الكوردية في سوريا أكبر من أي حزب، وأكبر من أي قيادة، وأكبر من أي مرحلة سياسية.
ولهذا فإن الحزب يجب أن يكون أداة لخدمة القضية، لا أن تصبح القضية أداة لخدمة الحزب.
والقيادة يجب أن تكون في خدمة المجتمع، لا أن يتحول المجتمع إلى قاعدة لحماية القيادة.
والسياسة يجب أن تكون وسيلة لتحقيق الحقوق، لا غاية لتثبيت المواقع والنفوذ.
لقد انتهت، أو ينبغي أن تنتهي، مرحلة الاكتفاء بالدفاع عن الوجود.
فالمرحلة المقبلة هي مرحلة "صناعة المستقبل".
وهذه المرحلة تحتاج إلى عقل سياسي جديد، وإلى خطاب جديد، وإلى قيادات جديدة، وإلى مؤسسات جديدة، وإلى علاقة جديدة بين المجتمع والحركة السياسية.
فالمطلوب ليس أن يصبح الكوردي أكثر تعلقاً بالحزب، بل أن يصبح الحزب أكثر التصاقاً بالمجتمع.
وليس المطلوب أن يطلب السياسي من الشعب أن يتبعه، بل أن يقدم له مشروعاً يستحق أن يتبعه.
وليس المطلوب أن تقول الحركة السياسية: "نحن نمثل القضية"، بل أن تثبت بالممارسة أنها تخدمها.
عندها فقط يمكن أن تستعيد السياسة الكوردية في سوريا ثقة مجتمعها، وعندها فقط يمكن أن تتحول القضية الكوردية من تاريخ طويل من المظلومية والمقاومة إلى مشروع سياسي قادر على التأثير في مستقبل سوريا.
فالكورد في سوريا يمتلكون قضية، ويمتلكون تاريخاً، ويمتلكون ذاكرة، ويمتلكون طاقات بشرية وثقافية وسياسية كبيرة.
لكن امتلاك القضية لا يكفي.
"ما ينقص هو المشروع."
مشروع سياسي كوردي سوري واضح، ديمقراطي، واقعي، جامع، يتجاوز الحزب والزعيم والانقسام، ويضع الإنسان الكوردي في مركز السياسة، ويربط حقوقه القومية ببناء سوريا ديمقراطية لا مركزية، ويخاطب الكورد بلغة المستقبل، ويخاطب السوريين بلغة الشراكة، ويخاطب العالم بلغة المصالح والحقوق والقانون.
عندها فقط يمكن أن يصبح للكورد في سوريا وزن سياسي يتناسب مع حجم قضيتهم وتاريخهم وتضحياتهم.
وعندها فقط يمكن أن تتحول القضية من شعار إلى مشروع، ومن مشروع إلى قوة سياسية، ومن قوة سياسية إلى واقع.
" فالأزمة ليست في القضية الكوردية؛ الأزمة في السياسة التي لم تنجح، حتى الآن، في تحويل هذه القضية إلى مشروع يستحق أن يلتف حوله الجميع. "