أحداث الحسكة وتوظيف الصراع الداخلي في الحسابات الاستخباراتية السورية التركية
- Super User
- التحاليل السياسية
- الزيارات: 2948
بقلم: د. عدنان بوزان
إن ما يجري في الحسكة لا يمكن قراءته بوصفه مجرد مظاهرات عابرة، أو خلاف سياسي حول العلم السوري، أو مطالبة بعودة مؤسسات الدولة إلى شمال شرقي سوريا، بل ينبغي وضعه في سياق أوسع تتداخل فيه الحسابات المخابراتية السورية التركية، ومستقبل القضية الكوردية، ومسار العلاقة بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية، وما تشهده جنوب سوريا من تحركات إسرائيلية وتفاهمات سياسية وأمنية تمس السيادة السورية. فالمشهد، وفق هذه القراءة، ليس مجموعة أحداث منفصلة، بل حلقات مترابطة في لعبة سياسية وأمنية تستهدف إعادة ترتيب الداخل السوري، وإضعاف الموقف الكوردي، وإشغال السوريين بصراعاتهم الداخلية، فيما تتغير الوقائع على الحدود الجنوبية وتعاد صياغة التوازنات الإقليمية على حساب المجتمع السوري وحقوق مكوناته.
ولفهم أبعاد هذه اللعبة، لا بد من العودة إلى البداية. قبل أيام قليلة، خرج السوريون في عدد من المدن السورية احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية، وارتفاع الأسعار، واتساع رقعة الفقر، والعجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية، في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية أنهكت قطاعات واسعة من المجتمع. كانت المطالب، في جوهرها، مرتبطة بالحياة اليومية للمواطن السوري الذي أثقلته سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي، ولم يعد قادراً على تحمل المزيد من الأعباء. لكن مسار الأحداث سرعان ما اتخذ منحىً مغايراً، وانتقل المشهد إلى سياق سياسي وأمني مختلف. اتخذ في الحسكة مساراً مختلفاً بصورة مفاجئة؛ إذ انتقل جزء من الخطاب من المطالب المعيشية إلى شعارات تتصل بالهوية القومية والسيادة السياسية، ورفع العلم السوري في مواجهة الرموز الكوردية، ورفع أعلام جبهة النصرة وتنظيم داعش وإطلاق شعارات تستهدف التعددية والأقليات.
وهنا تبدأ المسألة الحقيقية: لماذا تتحول الأزمة المعيشية، التي يعاني منها السوريون بمختلف قومياتهم وانتماءاتهم، إلى مواجهة سياسية تستهدف منطقة ذات حضور كوردي أصيل؟ ولماذا ينقل النقاش من الفقر وارتفاع الأسعار وحقوق المواطنين إلى صراع حول هوية الحسكة وموقع الكورد في سوريا؟ ومن المستفيد من دفع الشارع السوري إلى الانشغال بصراع قومي، في الوقت الذي تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية وسيادية وأمنية على جبهات متعددة؟
إن جوهر اللعبة المخابراتية، وفق هذه القراءة السياسية، يكمن في تحويل اتجاه الغضب الشعبي من الأوضاع المعيشية والسياسات العامة إلى صراع بين مكونات المجتمع، بحيث ينشغل المواطن بمواجهة المواطن الآخر، ويتحول الخلاف على إدارة الدولة إلى نزاع حول الانتماء والهوية والحقوق. فبدلاً من أن تتجه الأنظار إلى الفقر ومسؤولية السلطة عن معالجة الأزمة الاقتصادية، وإلى التوغلات الإسرائيلية في الجنوب والتفاهمات المتعلقة بمستقبل الأراضي السورية، يدفع النقاش نحو الحسكة والكورد والعلم والشعارات القومية. وهكذا تتحول الأزمة الاجتماعية إلى أزمة هوية، ويتحول المواطن من صاحب حق يطالب به إلى طرف في مواجهة داخلية تستنزف المجتمع بأكمله.
وليس هذا التحول تفصيلاً عابراً في المشهد السوري؛ فعندما تستثمر الاحتجاجات المعيشية في تأجيج الاستقطاب القومي، تتجاوز النتائج السياسية حجم المظاهرات نفسها. تتراجع المطالب الاقتصادية إلى الخلف، وتتقدم لغة التخوين والتصنيف القومي، ويبدأ كل طرف في النظر إلى الآخر باعتباره تهديداً لوجوده. وفي هذه اللحظة، تصبح البيئة مهيأة لإعادة إنتاج الصراعات القديمة بأدوات جديدة، في ظل سلطة تسعى إلى تثبيت مركزيتها، ودول إقليمية تعمل على حماية مصالحها، ومجتمع لم يتعاف بعد من آثار الحرب والانقسامات.
المشكلة ليست في رفع العلم السوري، بل في توظيفه لإقصاء الكورد من سوريا. فالعلم السوري يمكن أن يكون رمزاً لوطن مشترك يجمع العرب والكورد والسريان والآشوريين والأرمن والدروز وسائر المكونات. لكن عندما يرفع في سياق خطاب ينكر التعددية، أو يضع هوية مكون أصيل موضع اتهام، أو يجعل الانتماء الوطني مشروطاً بالتخلي عن الحقوق القومية، فإن القضية تتجاوز الرمز إلى المشروع السياسي المراد فرضه من خلاله. فلا يحق لأحد احتكار تعريف الوطنية، ولا يجوز لأي سلطة أو جماعة أن تجعل حقوق الكورد موضع مساومة تحت شعار وحدة سوريا.
والأخطر من ذلك أن تترافق هذه التحركات، وفق ما يتداول بشأن أحداث الحسكة، مع شعارات إقصائية أو رموز مرتبطة بتنظيمات متشددة. فإذا ثبت ذلك، فإنه يكشف عن خطورة الخطاب الذي يستدعى لتأجيج الانقسام وإعادة إنتاج عقلية الإقصاء التي عانت منها سوريا لعقود. فبدلاً من بناء دولة تعترف بالتعدد القومي والثقافي، يجري الدفع نحو تصور أحادي للدولة، لا يرى في الاختلاف مصدر غنى اجتماعي وسياسي، بل يتعامل معه باعتباره عقبة ينبغي إخضاعها أو التخلص من آثارها.
إن الكورد ليسوا ضيوفاً على سوريا، ولا يتوقف وجودهم فيها على قرار من حزب أو تنظيم أو سلطة. إنهم جزء أصيل من المجتمع السوري، لهم تاريخهم وهويتهم القومية وحقوقهم المشروعة، ولا يتعارض وجودهم مع وحدة البلاد. ولذلك، فإن تحويل الخلاف السياسي مع قوات سوريا الديمقراطية إلى حملة تستهدف الكورد بوصفهم جماعة قومية يمثل انتقالاً من النزاع على السلطة إلى استهداف المجتمع، ومن الخلاف على شكل الدولة إلى محاولة إعادة تعريف من يحق له أن يكون شريكاً فيها.
وتتضح دلالة هذا التحول أكثر عند وضعه في سياق الاتفاقات بين السلطة السورية الجديدة وقوات سوريا الديمقراطية المنحلة. فقد استندت الحجج التي استخدمتها أطراف معارضة لهذه القوات إلى اتهامها بالارتباط بقنديل وحزب العمال الكردستاني، والقول إن استقلال بنيتها العسكرية والإدارية يشكل تهديداً لوحدة سوريا. وبناءً على هذا الخطاب، قدم دمج القوات والمؤسسات ضمن الدولة باعتباره المدخل الأساسي لإنهاء الخلاف ومعالجة أسبابه.
لكن ماذا يحدث عندما تدخل العلاقة مرحلة الاتفاق والاندماج، ثم يستمر التصعيد السياسي والاجتماعي في مواجهة الكورد؟ هنا يظهر التناقض الذي يكشف عمق الأزمة. فإذا كانت المشكلة محصورة في البنية العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية، فإن التفاهم على الدمج يفترض أن يفتح الباب لمعالجة هذا الملف. أما إذا استمر استهداف الشعب الكوردي بعد الانتقال إلى التفاهمات المؤسسية، فإن المسألة تتجاوز تنظيم القوات إلى الصراع على الحقوق القومية والسياسية للكورد وموقعهم في الدولة الجديدة.
لقد تغيرت الأدوات، لكن جوهر الصراع بقي قائماً. ففي المرحلة السابقة، كان الضغط على الكورد يجري تحت عنوان محاربة الإرهاب وإنهاء الارتباطات العسكرية العابرة للحدود. أما في المرحلة الراهنة، فيمكن أن ينتقل إلى الشارع والخطاب القومي والتشكيك في الهوية الوطنية للكورد، وإلى خلق حالة من الاحتقان بين العرب والكورد وسائر المكونات. وبهذه الطريقة، لا يعود المطلوب مجرد دمج قوة عسكرية في مؤسسة حكومية، بل إعادة تشكيل البيئة السياسية والاجتماعية التي تتحرك فيها القوى الكوردية، وتقليص قدرتها على الدفاع عن حقوق شعبها.
ومن هنا، فإن ما يجري في الحسكة، يمثل انتقالاً من الضغط العسكري المباشر إلى الضغط السياسي والاجتماعي، بحيث تتحول عملية الاندماج نفسها إلى وسيلة لإعادة ترتيب موازين القوة. فالطرف الذي كان يطالب بإنهاء استقلاليته العسكرية يجد نفسه أمام خطاب جديد لا يتوقف عند القوات، بل يمتد إلى المجتمع والهوية والرموز والحقوق. وبذلك، يصبح أي تنازل في الملف العسكري غير كافٍ لإنهاء الصراع، لأن المسألة الأعمق تتعلق بمن يمتلك حق تحديد شكل سوريا الجديدة، ومن يملك حق المشاركة في صياغة مستقبلها.
وفي هذا السياق، يحتل الدور التركي موقعاً محورياً في فهم المشهد. فأنقرة لا تنظر إلى القضية الكوردية في سوريا بوصفها شأناً داخلياً منفصلاً عن حساباتها الأمنية، بل تربطها بملف حزب العمال الكردستاني، ومستقبل الحركة السياسية الكوردية في المنطقة، وطبيعة الترتيبات العسكرية والسياسية على حدودها الجنوبية. ومن هذا المنطلق، فإن أي تحول في وضع قوات سوريا الديمقراطية أو في العلاقة بين دمشق والقوى الكوردية يحمل بالنسبة إلى تركيا أهمية تتجاوز حدود سوريا.
إن اللعبة المخابراتية السورية التركية، تقوم على استثمار تقاطع المصالح بين الطرفين: فالسلطة السورية الجديدة تسعى إلى توسيع سيطرتها المركزية وإخضاع المؤسسات والقوى المحلية لمرجعيتها، بينما تسعى تركيا إلى إنهاء البنية العسكرية التي تعتبرها مرتبطة بحزب العمال الكردستاني وتقليص قدرة الحركة الكوردية على التحرك عبر الحدود. وحين تلتقي هذه الأهداف، يصبح الضغط على الكورد في سوريا جزءاً من معادلة إقليمية أوسع، لا مجرد خلاف محلي حول الإدارة أو الأمن.
ولا تنحصر خطورة هذه المعادلة في مستقبل قوات سوريا الديمقراطية، بل تمتد إلى مسار العلاقة بين حزب العمال الكردستاني وتركيا. فقد دخل هذا المسار مرحلة حساسة في ظل الحديث عن إنهاء الصراع المسلح ونزع السلاح وإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة التركية والحركة الكوردية. وفي مثل هذه الظروف، تصبح الساحة السورية مؤثرة في الحسابات الداخلية التركية، لأن ما يتعرض له الكورد في سوريا ينعكس على حسابات الحركة الكوردية الأوسع، وعلى موازين التفاوض، وعلى طبيعة الضمانات التي يمكن أن تحصل عليها.
وبحسب ما نراه، فإن خلق حالة ضغط مستمرة على الكورد السوريين يمكن أن يتحول إلى أداة غير مباشرة للتأثير في المسار التركي الداخلي. فحين يجد الكورد في سوريا أنفسهم أمام تهديدات سياسية وأمنية وخطاب إقصائي، تصبح الحركة الكوردية في المنطقة أمام معادلة أكثر تعقيداً: كيف تدافع القوى السياسية الكوردية عملياً عن وجود شعبها وحقوقه في سوريا، فيما يتعرض المسار السياسي مع تركيا لضغوط متزايدة؟ وكيف يمكن منع استثمار الأزمات السورية في انتزاع تنازلات من الحركة الكوردية الأوسع؟
إن الكورد السوريين ليسوا مجرد ورقة في يد حزب العمال الكردستاني، بل شعب له مصالحه وحقوقه وتطلعاته الخاصة. ولذلك، فإن استهدافهم أو الضغط عليهم بسبب ارتباطات سياسية عابرة للحدود يعني تحويل حقوقهم إلى أداة في صراع إقليمي، بدلاً من الاعتراف بها باعتبارها حقوقاً أصيلة للمواطنين السوريين. وهذه هي النقطة التي تجعل القضية أكبر من الخلاف بين أنقرة وقوات سوريا الديمقراطية المنحلة؛ فهي تتعلق بحق شعب في ألا يتحول إلى رهينة للتفاهمات الأمنية بين الدول.
ومن هذه الزاوية، يؤدي الضغط على الحسكة وظيفة مزدوجة: فهو يعزز موقع السلطة المركزية في مواجهة أي مطالبة بترتيبات سياسية أو إدارية تضمن خصوصية المنطقة، ويضع القضية الكوردية السورية في دائرة ضغط إقليمية ترتبط بحسابات تركيا وموقفها من حزب العمال الكردستاني. وبهذا المعنى، لا يعود الصراع مجرد نزاع حول إدارة منطقة، بل يصبح جزءاً من محاولة أوسع لإعادة تشكيل المجال السياسي الكوردي وتقليص قدرته على التأثير في مستقبل سوريا والمنطقة.
لكن البعد الأخطر في هذه اللعبة يتمثل في استثمار الخلافات القومية لإشعال الفتنة بين الكورد والعرب وسائر المكونات السورية. فعندما يدفع المجتمع إلى الاعتقاد بأن حقوق جماعة لا يمكن أن تتحقق إلا على حساب جماعة أخرى، تقوض الأسس اللازمة لبناء دولة مشتركة. وحين يتحول العربي إلى خصم للكوردي، والكوردي إلى مصدر خوف للعربي، والسرياني أو الآشوري إلى طرف قلق على وجوده ومستقبله، تتراجع المصالح المشتركة أمام الهويات المتصارعة.
إن ترسيخ هذه الفتنة يخدم كل طرف يسعى إلى إضعاف المجتمع السوري من الداخل. فبدلاً من تشكل جبهة اجتماعية واسعة للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، وإعادة بناء المؤسسات، وحماية السيادة، وضمان الحقوق، ينشغل كل مكون بالدفاع عن نفسه في مواجهة المكونات الأخرى. وبدلاً من أن تكون الأزمة الاقتصادية مدخلاً لمحاسبة السياسات العامة، تتحول إلى خلفية لصراع قومي يستهلك الغضب الشعبي ويعيد توجيهه نحو خصوم داخليين.
وهنا تتجلى الوظيفة السياسية للإلهاء: ليس المطلوب إقناع السوريين بأن الفقر لم يعد مهماً، بل يكفي دفعهم إلى الاعتقاد بأن الخطر الأكبر يأتي من جيرانهم داخل البلاد. وعندما يصبح السؤال اليومي هو من يرفع أي علم، ومن ينتمي إلى أي قومية، ومن يحق له إدارة أي منطقة، تتراجع الأسئلة المتعلقة بمسؤولية السلطة عن الاقتصاد والخدمات، وبمستقبل السيادة السورية، وبما يجري على الحدود، وبطبيعة التفاهمات التي تعيد تشكيل الخريطة السياسية والأمنية للبلاد.
وفي هذا السياق تحديداً، ينبغي النظر إلى جنوب سوريا، حيث تواصل إسرائيل تحركاتها العسكرية وتوغلاتها، وتسعى إلى فرض وقائع أمنية جديدة، فيما تجري اتصالات ومفاوضات بشأن ترتيبات العلاقة مع السلطة السورية الجديدة. إن ما يجري في الجنوب ليس مسألة هامشية، ولا يمكن فصله عن مستقبل الدولة السورية. فمناطق جبل الشيخ والقنيطرة ودرعا تمثل جزءاً من الجغرافيا السورية، وأي تغيير في وضعها الأمني أو العسكري يمس السيادة الوطنية ويؤثر في مستقبل البلاد.
إن إسرائيل لا تتحرك في الجنوب السوري في فراغ؛ فهي تستفيد من ضعف الدولة، والانقسام الداخلي، وغياب موقف وطني سوري موحد، والاضطراب الذي خلفته سنوات الحرب وسقوط النظام السابق. ومع كل تحرك عسكري أو توغل أو محاولة لفرض واقع أمني جديد، تصبح مسألة السيادة السورية أكثر إلحاحاً، وتزداد ضرورة مساءلة السلطة بشأن ما يجري التفاوض عليه، وطبيعة التفاهمات المطروحة، وحدود أي التزامات قد تمس قدرة سوريا على ممارسة سيادتها على أراضيها.
وفي هذا الإطار، فإن الحديث عن بيع جنوب سوريا لإسرائيل، من جبل الشيخ إلى القنيطرة ودرعا، ومن الواضح هناك التفاهمات الجارية في هذا الاتجاه، ومخاوف من أن تتحول الترتيبات الأمنية إلى غطاء لتكريس واقع إسرائيلي جديد على الأراضي السورية. فحين تتواصل التحركات الإسرائيلية على الأرض، بينما تطرح تفاهمات أمنية بين دمشق وتل أبيب، يصبح السؤال عن النتائج الفعلية لهذه التفاهمات سؤالاً سيادياً لا يمكن تجاهله: هل ستفضي إلى استعادة السيطرة السورية على الأراضي المتأثرة بالتوغلات، أم ستكرس قيوداً طويلة الأمد على قدرة الدولة السورية في الجنوب؟
ولا تقتصر القضية على وجود وثيقة رسمية تتضمن تنازلاً عن الأرض؛ فثمة فرق بين التنازل القانوني الصريح وبين فرض وقائع ميدانية قد تتحول، بمرور الوقت، إلى أمر واقع. فقد يجري إضعاف السيطرة السورية تدريجياً، ثم تتحول الإجراءات التي تقدم بوصفها مؤقتة إلى ترتيبات مستدامة، إذا غابت المساءلة الوطنية وتراجعت القدرة على اتخاذ موقف موحد. ولهذا، فإن أي تفاهم أمني يمس الأرض السورية أو يقيد ممارسة السيادة عليها يجب أن يخضع لنقاش وطني واضح، وأن تكشف للرأي العام مضمونه وحدوده وآثاره.
ومن هنا، يكتسب التزامن بين تصاعد التوتر في الحسكة واستمرار التطورات في الجنوب أهمية سياسية بالغة. فبينما تتجه الأنظار إلى الصراع الداخلي بين الكورد والعرب، تواصل إسرائيل تحركاتها في جنوب سوريا، وتستمر المفاوضات بشأن الترتيبات الأمنية، ويبقى مستقبل السيادة السورية موضع تساؤل. ووفق هذه القراءة، فإن إشغال الداخل السوري بصراع قومي يؤدي وظيفة سياسية خطيرة، تتمثل في تقليص الاهتمام بالتطورات الجنوبية وإضعاف القدرة على تشكيل موقف وطني موحد إزاءها.
فعندما ينشغل السوريون بالخلافات الداخلية، تتراجع قدرتهم على متابعة ما يجري على حدودهم، وتضعف إمكانية محاسبة السلطة على خياراتها الخارجية، ويزداد خطر التعامل مع الوقائع الجديدة باعتبارها أمراً مفروضاً لا يمكن تغييره. وهنا تكمن خطورة الفتنة الداخلية: فهي لا تدمر الثقة بين المكونات فحسب، بل تضعف أيضاً القدرة الجماعية على الدفاع عن السيادة الوطنية.
وفي هذه المعادلة، تتكامل الملفات الثلاثة: الحسكة، والمسار التركي مع حزب العمال الكردستاني، والجنوب السوري. ففي الحسكة يدور الصراع على هوية الدولة وحدود الحقوق الكوردية؛ وفي المسار التركي تتحدد ملامح العلاقة بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني ومستقبل الصراع المسلح؛ وفي الجنوب تتشكل وقائع أمنية جديدة بفعل التحركات الإسرائيلية والتفاهمات المطروحة. وعند قراءة هذه الملفات معاً، تتضح كيفية تداخل الأمن الداخلي مع الحسابات الإقليمية، وكيف يمكن أن تتحول الأزمة السورية إلى ساحة لإعادة ترتيب المصالح على حساب السوريين.
إن اللعبة المخابراتية، في هذا التصور، لا تقتصر على تحريك مجموعات في الشارع أو إطلاق شعارات بعينها، بل تقوم على خلق بيئة سياسية يصبح فيها كل طرف منشغلاً بمخاوفه المباشرة، فيما يتراجع السؤال الأوسع عن مستقبل البلاد. فالكوردي يخشى على هويته وحقوقه، والعربي يدفع إلى القلق على موقعه ومصالحه، والمكونات الأخرى تخشى أن تصبح ضحية لتوازنات لا تملك التأثير فيها، بينما تستفيد القوى الإقليمية من انقسام المجتمع وضعف قدرته على إنتاج موقف وطني مستقل.
ولا يعني ذلك أن كل عربي يشارك في تجمع ما يتحرك بتوجيه تركي، أو أن كل خلاف في الحسكة يدار من غرفة مخابرات واحدة؛ فجوهر اللعبة قد يتحقق أيضاً من خلال استثمار التناقضات القائمة، وتوجيهها نحو أهداف أوسع، واستغلال المخاوف المتبادلة لتقويض فرص التفاهم بين المكونات. لكن النتيجة السياسية التي يفضي إليها هذا المسار واضحة: مجتمع أكثر انقساماً، وقوى محلية أكثر انشغالاً بصراعاتها، وسلطة أقدر على فرض الوقائع، وأطراف خارجية أكثر قدرة على التأثير في مستقبل البلاد.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى: إن الذين يرفعون شعار وحدة سوريا، بينما يساهمون في إقصاء الكورد أو التحريض عليهم، يقوضون الأساس الاجتماعي الذي تقوم عليه الوحدة نفسها. فالوحدة ليست مجرد شعار سياسي، ولا يمكن اختزالها في رفع علم واحد أو إخضاع جميع المناطق لمركز واحد؛ إنها عقد بين مواطنين متساوين، يعترفون بحقوق بعضهم بعضاً، ويقبلون بأن تكون الدولة إطاراً مشتركاً لا أداة لفرض هوية قومية على بقية المكونات.
أما إذا أصبحت الوحدة مرادفة للإنكار والإقصاء، فإنها تتحول إلى مصدر للصراع بدلاً من أن تكون حلاً له. وعندما يشعر الكورد بأن حقوقهم مهددة، ويدفع العرب إلى مواجهة جيرانهم، وتجد المكونات الأخرى أن مستقبلها مغيب عن حسابات السلطة، فإن الدولة قد تحتفظ بوحدتها الشكلية، بينما يتعمق الانقسام داخل المجتمع.
لهذا، فإن ما يجري في الحسكة ليس مجرد أزمة أمنية محلية، بل محطة خطيرة في الصراع على شكل سوريا الجديدة. فعملية الدمج يمكن أن تتحول إلى مدخل لبناء دولة تعترف بالتعددية وتضمن الحقوق، لكنها قد تستخدم أيضاً لإعادة إنتاج المركزية والإقصاء تحت شعارات السيادة ومحاربة الإرهاب. وبين هذين المسارين، يتحدد ما إذا كان السوريون سيبنون دولة مشتركة أم سيتركون أنفسهم أسرى صراع داخلي تستفيد منه القوى الساعية إلى فرض مصالحها على البلاد.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار التحركات الإسرائيلية في الجنوب، بالتزامن مع المفاوضات والتفاهمات الأمنية، يجعل من الضروري النظر إلى الأزمة السورية باعتبارها صراعاً على الأرض والسيادة، لا مجرد صراع على السلطة داخل المدن. فعندما تتعرض مناطق سورية لضغوط عسكرية خارجية، ويعاد ترتيب الوضع الأمني على الحدود، ثم يتصاعد الاستقطاب القومي في الداخل، تتزايد مخاطر إضعاف الدولة والمجتمع معاً، وتهيئة الظروف لتكريس وقائع جديدة يصعب التراجع عنها.
إن أخطر ما في هذه المرحلة أن يجد السوريون أنفسهم أمام خسارتين متزامنتين: تآكل الثقة المتبادلة داخل المجتمع، وتراجع القدرة على التأثير في مصير الأراضي والحدود. وبينما ينشغل الناس بالسجال حول الهوية والرموز والانتماءات، يمكن أن تتقدم المشاريع السياسية والأمنية التي تعيد تشكيل البلاد بعيداً عن أي توافق وطني حقيقي.
ولهذا، لا يمكن فصل أحداث الحسكة عن السؤال الأكبر الذي يواجه سوريا: من يقرر مستقبلها؟ أهو الشعب السوري من خلال عقد سياسي يضمن المساواة والتعددية والسيادة، أم تتحدد ملامح المستقبل من خلال تقاطع المصالح بين السلطة الجديدة وأنقرة، والضغوط الإسرائيلية في الجنوب، والصراعات الداخلية التي تستنزف المجتمع وتبعده عن قضاياه المصيرية؟
إن مستقبل سوريا لا يتوقف على توحيد المؤسسات العسكرية والإدارية وحدها، بل يتوقف أيضاً على طبيعة المشروع السياسي الذي يحكم هذه المؤسسات. فإذا قامت الدولة الجديدة على الاعتراف بحقوق جميع مكوناتها، أمكن أن تصبح التعددية أساساً للاستقرار. أما إذا قامت على إخضاع المكونات وإعادة إنتاج الإقصاء، فإنها ستفتح الباب أمام أزمة جديدة، حتى لو نجحت في فرض سيطرتها على الأرض لفترة من الزمن.
وفي المحصلة، ليست الحسكة سوى إحدى الساحات التي تتقاطع فيها أزمة الدولة السورية مع الصراع الإقليمي على القضية الكوردية، ومستقبل العلاقة بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، والتحركات الإسرائيلية في جنوب سوريا. وإن التعامل مع هذه الملفات باعتبارها أزمات منفصلة يحجب الصورة الكاملة، بينما يكشف الربط بينها أن ما يجري في الداخل السوري لا ينفصل عن التوازنات الإقليمية التي تسعى إلى التأثير في مستقبل البلاد.
إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له سوريا ليس الضغط الخارجي على أراضيها فحسب، بل دفع شعوبها إلى الانقسام من الداخل، بحيث ينشغل السوريون بمواجهة بعضهم بعضاً، فيما تتغير الوقائع على حدودهم وتعاد صياغة التفاهمات السياسية والأمنية التي سترسم مستقبلهم. فعندما يتحول الكوردي إلى خصم للعربي، والعربي إلى خصم للكوردي، وتصبح الهوية القومية ساحة للتخوين والإقصاء، لا يكون الخاسر مكوناً واحداً، بل سوريا كلها.
إن وحدة سوريا لا يجوز أن تكون غطاءً لإنكار الحقوق، كما لا يجوز تحويل المطالبة بالحقوق إلى صراع بين المكونات. إن ما تكشفه هذه الأحداث هو ضرورة فهم المصالح التي تستفيد من الانقسام، وكيفية توظيف الأزمات الداخلية في صراعات إقليمية أوسع، بالتوازي مع متابعة التحركات الإسرائيلية والتفاهمات الأمنية في الجنوب السوري. فالحسكة لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة تستنزف المجتمع وتبعده عن القضايا التي تمس سيادته ومستقبله.
فحين ينشغل السوريون بمن يرفع العلم في الحسكة، بينما تتغير الوقائع على الأرض في جنوب البلاد، وحين تتحول القضية الكوردية إلى أداة ضغط في الصراع التركي، لا تعود الأزمة مجرد خلاف داخلي، بل تصبح صراعاً على من يملك حق رسم مستقبل سوريا، ومن يدفع ثمن هذا المستقبل، ومن يستفيد من انقسام السوريين وعجزهم عن الدفاع عن مصالحهم المشتركة.