بقلم: د. عدنان بوزان
أمي...
ولدتُ ..
مع صرخةِ الألم
حين كان الليلُ يتعلمُ أسماءَ ضحاياه
وحين كانت الآهاتُ تخبّئُ أبناءها
تحتَ عباءةِ الصمت.
ولدتُ ..
في حضنِ الحسرات ..
حين كان الزمنُ يمشي حافياً
فوقَ جراحِنا
ويتركُ على أبوابِ القرى
أسماءً لا تجدُ قبورها.
ولدتُ ..
مع أنينِ الليلِ المعتم
مع تنهيدةِ الحكايات
حين كانت الجدّاتُ
يخبّئنَ التاريخَ في صدورهنَّ
كي لا تسرقهُ دفاترُ المنتصرين.
ولدتُ ..
حين كان الصيفُ
يخلعُ آخرَ ورقةٍ من شجرته
ويذرُّ غبارَ حزنهِ الأصفر
فوقَ الطرقات
كأنَّ الخريفَ لم يكن فصلاً
بل كان قدراً.
أمي...
ولدتُ ..
مع كذبةِ التاريخ
حين قالوا لنا:
كان قابيلُ قاتلاً ..
وكان هابيلُ بريئاً ..
ثم أغلقوا الكتاب قبلَ أن يخبرونا
مَن الذي ورثَ سكينَ قابيل.
منذُ آدمَ ..
والأرضُ تقسمُ باسمِ الآلهة
ومنذُ نوحٍ ..
والطوفانُ لا ينتهي؛
كلما جفَّ الماءُ
بدأ طوفانٌ آخر من الكلمات.
أمي...
ولدتُ ..
حين كانت دموعُ آرارات
تتدحرجُ من الجبل إلى السماء
وحين كان الجبلُ
يحاولُ أن يقولَ شيئاً
ولا يجدُ
غير الصمت.
آرارات...
يا شاهداً على جراحي ..
أنَّ الجبالَ تبكي
وأنَّ الصخرَ
قد يحفظُ ما تعجزُ
الوثائقُ عن حفظه.
ولدتُ ..
مع لغةٍ عاريةٍ من حروفها
لغةٍ نزعوا عنها
اسمها
ثم سألوها:
مَن أنتِ؟
فأجابتْ بصمتٍ طويل
كأنَّ الصمتَ كان آخرَ ما تبقى
لها من وطن.
لغةٌ عاقرة ..
كلما حملتْ قصيدةً
أجهضتها الحدود
وكلما أنجبتْ أغنيةً
جاءَ السجّانُ
ليفتشَ في حنجرتها عن جريمة.
لغةٌ
تحترقُ كلَّ يومٍ ألفَ عام
ولا يصيرُ رمادها
إلا مزيداً من الذاكرة.
أمي...
أنا لستُ تمثالاً ..
واقفاً في الساحاتِ العامة
كي يطوفَ الفاسدون حولي
في مواسمِ الانتخابات
ويضعوا على عنقي
أكاليلَ من الكذب
ثم يبيعوا اسمي
في سوقِ الشعارات.
لا...
أنا لستُ حجراً ..
كي ينحتوا وجهي كما يشاؤون
ولا رايةً ..
يرفعونها حين يحتاجون
إلى ظلٍّ جديد.
أنا لستُ اسماً على لافتة
ولا صورةً على جدارِ حزب
ولا قبراً ..
يحتاجُ إلى خطيب.
أمي...
أنا لستُ رفيقاً لأحد
حين تكونُ الرفقةُ
سُلماً إلى الكرسي
ولا صديقاً لأحد
حين تصبحُ الصداقةُ
مفتاحاً لخزائنِ البلاد
ولا أخاً لأحد
إذا كان الدمُ مجردَ شعار.
ولستُ ابناً..
لأبٍ سياسيٍّ يتيمِ الضمير
ولا معصماً ذهبياً
يقدمُ إلى قاضٍ فاسد
كي تشترى العدالةُ بساعةٍ لامعة.
أنا لستُ طريقاً ..
كي يمرَّ فوقي العالمُ والجاهل
ولا جسراً قديماً
مكسورَ الروح
تعبرُ عليهِ القوافلُ
ثم تنسى
مَن حملَ خطاها.
أنا...
لستُ معبراً لأحد.
أنا الجبلُ
حين يرفضُ أن يكونَ درجاً.
أنا الجرحُ ..
حين يتعلمُ
كيفَ يتحولُ إلى ذاكرة.
أنا الصوتُ ..
الذي كلما حاولوا دفنهُ في التراب
أنبتَ من القبر
قصيدة.
أنا الجودي...
لا لأنني نجوتُ من الطوفان
بل لأنني
ما زلتُ أقاومُ الريح ..
وأحملُ فوقَ كتفي
سفينةً لم تصلْ
إلى شاطئها.
أنا آخرُ ورقةٍ لم تسقطْ بعد
ورقةٌ وحيدة
تعلمتْ من الخريف
أنَّ السقوطَ
ليس دائماً نهاية.
أنا...
ورقةٌ ..
سقطتْ من شجرةِ الحنين
وظلتْ معلقةً
بينَ الأرضِ والسماء
لا هي عادتْ إلى غصنها
ولا رضيتْ
أن تكونَ تراباً.
أنا خارجُ
ولادةِ التاريخ...
لأنني لم أولد
في الصفحةِ التي كتبها المنتصرون
بل في الهامش الذي مزقوه
وظنوا أنه مات.
أنا ابنُ الحكاية ..
التي لم يسمحوا لها
أن تكتمل.
وحين يسألني التاريخ:
مَن أنت؟
لن أقول:
أنا ضحية.
ولن أقول:
أنا بطل.
سأقول فقط:
أنا الذي بقيَ واقفاً
حين انتهى الجميع
من كتابةِ السقوط.
أنا الذي كلما أغلقوا بابَ الذاكرة
فتحتهُ من جهةِ الجرح.
وكلما قالوا:
انتهت الحكاية...
رفعتُ رأسي
وقلت:
لم تبدأْ بعد.
أمي...
إن كنتِ تسألين
لماذا ولدتُ هكذا
فلا تبحثي عن اسمي
في سجلاتِ الولادة.
ابحثي عني في الجبال
في الأغاني التي نجتْ من النار
في اللغة التي بقيتْ
تتنفسُ تحتَ الركام
وفي عينِ طفلٍ
ينظرُ إلى وطنه
ولا يعرفُ لماذا
يمنعُ عليهِ أن يسميه.
هناك...
وُلدتُ ..
لا في رحمِ التاريخ
الذي كتبوه لنا
بل خارجَ رحمِه
حيثُ يولدُ الذين
لا يملكونَ
إلا ذاكرتهم
كي يقاوموا.
أنا خارجُ ولادةِ التاريخ...
لكنني ..
ربما أكونُ
واحداً من الذين سيكتبونَ نهايته