بقلم: د. عدنان بوزان
عندما أرهقه الألم، لم يبحث عن كتفٍ يبكي عليه، بل بحث عن معنى لهذا الوجع الذي أثقل روحه حتى غدا أثقل من الكلام. جلس أمام الخرائط القديمة، يحدق في الحدود التي رسمها المنتصرون، ويتساءل: كم من الدماء احتاجت هذه الخطوط كي تتحول إلى قانون؟ وكم من وطنٍ كان لا بد أن يذبح، كي يولد وطنٌ آخر من بين أشلائه؟
كان الألم أكبر من أن يكون جرحاً شخصياً؛ فقد غدا وطناً كاملاً يسكن صدره، وتاريخاً يمشي على قدمين، وذاكرةً تقاوم الموت كلما توالت الهزائم، كأنها تعرف أن موت الذاكرة هو الهزيمة الأخيرة التي لا يستعاد بعدها شيء.
وحين اشتد عليه التعب، أدرك أن أكثر ما يرهق الإنسان ليس الظلم وحده، بل اعتياده؛ فحين يصبح القهر مألوفاً، يفقد الظلم قبحه في العيون، ويتحول الاستبداد من جريمةٍ إلى عادة، ومن خوفٍ عابر إلى نظامٍ كامل للحياة. فالاستبداد لا ينتصر بقوة السلاح وحدها، وإنما ينتصر حين ينجح في إقناع الناس بأن الصمت حكمة، والخضوع نجاة، والهزيمة قدرٌ لا فكاك منه، وحين يمنح المقهورون جلاديهم شرعيةً لا تحتاج إلى توقيع، يكفيها أن يعتاد الناس الصمت.
نظر إلى شعبه، فرأى جيلاً يهاجر لأن الأرض لم تعد تتسع لأحلامه، وقادةً يتحدثون عن الوطن فيما يتقاسمون ما تبقى منه، ومثقفين يكتبون عن الحرية وهم يرتجفون أمام كلمة الحق، وسياسيين يحفظون أسماء العواصم البعيدة أكثر مما يحفظون أسماء القرى التي احترقت، ويعرفون أبواب السفارات أكثر مما يعرفون أبواب بيوت الذين منحوا السياسة أسماءها وشرعيتها.
عندها أدرك أن المأساة لا تبدأ حين يخسر الشعب معركة، بل حين يخسر ثقته بنفسه؛ فالهزيمة العسكرية قد تنتهي بانتهاء المعركة، أما الهزيمة التي تستقر في الوعي فتحتاج إلى أجيال كي تقتلع. فالأمم التي تؤمن بحقها قد تتعثر، وقد تنكسر، وقد تسقط طويلاً، لكنها لا تختفي؛ أما الأمم التي تفقد إيمانها بذاتها، فإنها تتحول شيئاً فشيئاً إلى أرقامٍ في تقارير المنظمات الدولية، وإلى قضيةٍ يتداولها الآخرون على موائد السياسة، وإلى مأساةٍ تروى بلسان غير أصحابها.
كان يعلم أن التاريخ لا يرحم الضعفاء، لكنه كان يعلم أيضاً أن التاريخ لا يحترم من يستسلم. لذلك لم يكن الألم بالنسبة إليه نهاية الطريق، بل بدايته؛ لأن الوجع الذي لا يوقظ الوعي يتحول إلى عبء، والدمعة التي لا تصير موقفاً تضيع في صحراء النسيان. فكل ألمٍ لا يعلم صاحبه شيئاً، هو جرحٌ مفتوح بلا ذاكرة، وكل دمعةٍ لا تتحول إلى إرادة، ليست أكثر من ماءٍ يعبر الوجه ثم يختفي.
قال في سرّه: ليس أخطر ما يواجه الشعوب أن تحتل أراضيها، بل أن تحتل عقولها؛ فاحتلال الأرض قد ينتهي بخروج المحتل، أما احتلال الوعي فيستطيع أن يبقى حتى بعد رحيل الجيوش. وحين يصبح الخوف ثقافةً، والانقسام هويةً، والارتهان سياسةً، يتحول الوطن إلى مساحةٍ جغرافية بلا روح، ويصبح الإنسان غريباً حتى وهو يمشي فوق تراب أجداده.
كان يعرف أن الحرية لا تهدى، وأن العدالة لا تستعار، وأن الحقوق التي لا يحرسها أصحابها تتحول، مع مرور الزمن، إلى حكايات يرويها المؤرخون، لا إلى واقعٍ تعيشه الشعوب. فالحق الذي لا يجد من يحمله قد يبقى حقاً في الكتب، لكنه يموت في الحياة؛ والحرية التي لا تجد وعياً يحميها، سرعان ما تتحول إلى شعارٍ جميل على جدرانٍ باردة.
وحين أرهقه الألم إلى أقصى مداه، لم ينحنِ؛ لأن بعض الرجال لا تمنحهم المعاناة الانكسار، بل تمنحهم بصيرةً أشد نفاذاً. ومن بين الركام، أدرك أن الأوطان لا تنهض بالخطب وحدها، ولا بالشعارات، ولا بالولاءات الضيقة، وإنما تنهض حين يصبح الإنسان الحر هو القيمة العليا، وحين تتحول الحقيقة إلى مبدأ لا يساوم عليه، وحين يصبح الوطن أكبر من الأحزاب، وأبقى من الأشخاص، وأقدس من المصالح العابرة.
وعندها فهم أن السياسة التي تنسى الإنسان تتحول إلى لعبةٍ على أنقاضه، وأن القضية التي لا تصنع وعياً تتحول إلى شعار، وأن النضال الذي لا يبني مستقبلاً يظل أسيراً للماضي. فليس المطلوب أن نحفظ أسماء الهزائم فقط، بل أن نعرف كيف نحولها إلى معرفة، والمعرفة إلى إرادة، والإرادة إلى مشروع، والمشروع إلى مستقبل.
وهكذا حمل ألمه كما يحمل المناضل رايته الأخيرة؛ لا كعلامة ضعف، بل كشهادةٍ على أنه مرّ من النار ولم يتحول إلى رماد. لم يكن ينتظر شفقة أحد، ولم يعد يراهن على عدالة العالم، فقد تعلم أن السياسة لا تعرف الرحمة إلا حين تجبر على احترام القوة الأخلاقية والوعي والإرادة، وأن الأمم لا تحترم لأنها مظلومة، بل لأنها تعرف كيف تحول ظلمها إلى قوة، وهزائمها إلى مشروع، وذاكرتها إلى وعي، وآلامها إلى مستقبل.
وعندما نهض، لم يكن الألم قد غادره.
كان لا يزال هناك.
لكنه لم يعد الألم نفسه.
كان قد تحول في داخله إلى شيءٍ آخر:
إلى وعيٍ لا ينام ..
وإلى ذاكرةٍ لا تباع ..
وإلى إرادةٍ تعرف أن الطريق إلى الحرية قد يكون طويلاً، لكنه يبدأ دائماً من اللحظة التي يرفض فيها الإنسان أن يتصالح مع قيده.