بقلم: د. عدنان بوزان
حين تنتهي الحروب، لا تعود الشعارات إلى المقابر لتعتذر، ولا تقف الخطب الطويلة أمام أبواب البيوت التي فقدت أبناءها. وحدهن الأمهات يبقين هناك، يحملن صور الغائبين، ويعددن السنوات التي مرت كأنها جرحٌ لا يعرف الالتئام. ووحدهم الأيتام يكبرون، وهم يبحثون في وجوه الناس عن ملامح آباءٍ لن يعودوا أبداً.
كم من شابٍّ خرج من منزله وهو يظن أنه يسير نحو المجد، فإذا به يسير نحو قبرٍ مجهول! وكم من أمٍّ ودّعت ابنها على أمل أن يعود حاملاً الحياة، فعاد إليها اسماً منقوشاً على حجر، أو لم يعد حتى اسماً.
على امتداد عقودٍ طويلة، امتلأت الساحات بالشعارات، وضجت المنابر بالخطب، وارتفعت الأغاني التي كانت تعد الناس بالنصر القريب، بينما كانت القرى تزداد حزناً، وكانت البيوت تزداد فراغاً، وكانت الأمهات يتعلمن، بصمت، كيف يخبئن دموعهن حتى لا ينهار ما تبقى من الأسرة.
كان الشباب هم الوقود الدائم لكل خطاب، وكانت أحلامهم المادة الأسهل للاستهلاك. قيل لهم إن التضحية هي الطريق الوحيد، وإن الموت بطولة، وإن المستقبل ينتظر خلف المعركة القادمة. لكن السنوات مضت، وتعاقبت الأجيال، وبقي السؤال نفسه معلقاً فوق كل قبر: ماذا جنى أولئك الذين رحلوا؟
الذين فقدوا أبناءهم لم يربحوا شيئاً، والأطفال الذين كبروا أيتاماً لم تعوضهم الكلمات، والنساء اللواتي انتظرن الأزواج والإخوة والأبناء لم يجدن، في نهاية الانتظار، سوى ذاكرةٍ مثقلةٍ بالغياب. أما الذين صنعوا الخطابات، فكثيرٌ منهم غير مواقفه، وعدل لغته، وفتح أبواباً جديدة، وأعاد صياغة شعاراته بما يناسب المرحلة الجديدة.
التاريخ مليء بالتحولات السياسية، وتبدل المواقف قد يكون جزءاً من العمل السياسي، لكن الذي لا يجوز أن يتحول إلى رقمٍ عابر هو الإنسان. فحياة الشعوب ليست أوراقاً تفاوضية، ودماء الشباب ليست رأس مالٍ لأي مشروع، وآلام الأمهات ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه في البيانات السياسية.
إن أكثر ما يؤلم ليس سقوط شعار، فالشعارات تولد وتموت مع الزمن، بل أن يسقط معها عمر جيلٍ كامل، وأن يكتشف الناس، بعد سنواتٍ طويلة من التضحيات، أن الخلافات التي مزقتهم انتهت حول طاولات السياسة، بينما بقيت المقابر شاهدةً على الثمن الذي دفعه الأبرياء.
هناك أمهاتٌ ما زلن يضعن أطباق الطعام لأبنائهن الغائبين، وكأنهم سيطرقون الباب في أية لحظة. وهناك أطفالٌ تعلموا أن ينادوا كلمة «أبي» أمام صورةٍ معلقة على الجدار. وهناك آباءٌ رحلوا وهم ينتظرون عودة أبنائهم، من دون أن يعلموا أن أبناءهم سبقوهم إلى الموت.
هذه هي الحقيقة التي لا تستطيع الشعارات أن تخفيها. فالأعلام قد تتبدل، والخطابات قد تتغير، والتحالفات قد تنقلب، لكن دمعة أمٍّ فقدت ولدها لا تتغير، وصرخة طفلٍ حرم من أبيه لا تتبدل، ووجع عائلةٍ دفنت أحلامها مع أحبتها يبقى أثقل من كل البيانات، وأبلغ من كل الخطب.
إن الشعوب لا تحتاج إلى مزيدٍ من الشعارات بقدر حاجتها إلى الصدق، ولا تحتاج إلى خطابات التعبئة بقدر حاجتها إلى قياداتٍ تعتبر الإنسان أغلى من أي مكسبٍ سياسي. فالقضايا العادلة لا تزداد عدالةً بكثرة الضحايا، وإنما تزداد قوةً حين تصون حياة الناس وتحفظ كرامتهم.
ويبقى السؤال الأخلاقي الذي لا يسقط بالتقادم: من يواسي أماً أفنت عمرها في انتظار ابنٍ لن يعود؟ ومن يعيد طفولة يتيمٍ سرقتها الحرب؟ ومن يملك الحق في أن يطلب من شعبٍ مزيداً من التضحيات، قبل أن يجيب بصدق عن التضحيات التي مضت؟
قد تسقط الشعارات يوماً، وقد تتغير الرايات، وقد تتبدل التحالفات، لكن شيئاً واحداً يبقى عصياً على النسيان: وجع الأمهات... وبكاء الأيتام.