تحذير سياسي إلى الأحزاب الكوردية في شمال كوردستان: مخاطر توقيت طرح تقرير المصير
- Super User
- سياسة
- الزيارات: 1174
في هذه اللحظة التاريخية الدقيقة، حيث تتكثف التحولات الإقليمية وتتقاطع المصالح الدولية على حساب الشعوب، أجد نفسي مضطراً لإطلاق تحذير واضح وصريح إلى الأحزاب الكوردية في شمال كوردستان وتركيا، إزاء ما يطرح اليوم من شعارات ومطالب تتعلق بحق تقرير المصير.
إن المطالبة بحق تقرير المصير، من حيث المبدأ، حق مشروع لأي شعب يسعى إلى حريته وكرامته. غير أن السياسة لا تقرأ بالنوايا، بل بالتوقيت والسياق ومآلات النتائج. ومن هنا، فإن طرح هذا الشعار في هذه المرحلة الحساسة تحديداً لا يمكن فصله عن شبكة التعقيدات الأمنية والسياسية التي تحيط بالمنطقة.
وهنا أطرح جملة من التساؤلات المشروعة:
لماذا لم ترفع هذه المطالب في مراحل سابقة، عندما كانت الظروف السياسية والعسكرية أكثر ملاءمة؟
ولماذا لم يطرح هذا المشروع قبل تعثر التجربة الكوردية في شرق الفرات، وقبل حالة الانكشاف السياسي والعسكري التي أصابتها؟
ولماذا يطرح اليوم، في لحظة يعاد فيها رسم خرائط النفوذ، وتدار فيها عمليات تصفية تدريجية لما تبقى من المكتسبات الكوردية؟
إن القراءة الواقعية المتأنية تقود إلى استنتاج بالغ الخطورة، مفاده أن هذا الطرح، في هذا التوقيت بالذات، لا يعكس بالضرورة إرادة سياسية مستقلة، بقدر ما قد يكون نتيجة دفعٍ أمني موجه، يهدف إلى خلق ذريعة جاهزة لتبرير استهداف ما تبقى من الوجود الكوردي سياسياً وعسكرياً.
إن رفع سقف المطالب من دون امتلاك أدوات تحقيقها، وفي ظل ميزان قوى مختل، لا يقود إلى التحرر، بل إلى العزلة، وربما إلى الانهيار. فالتاريخ حافل بالتجارب التي تحولت فيها الشعارات الكبرى إلى فخاخ قاتلة، عندما استخدمت خارج شروطها الموضوعية وسياقاتها الواقعية.
وأرى بوضوح أن هذه الخطوة قد تستغل لتصوير الكورد بوصفهم تهديداً وجودياً، بما يفتح الباب أمام تبرير سياسات الإقصاء والإلغاء، بل وربما الدفع نحو عمليات أوسع تستهدف ما تبقى من حضورهم السياسي والديمغرافي في المنطقة. وهذا ما يجعلها، في تقديري، خطوة كارثية لا تخدم القضية الكوردية، بل تسهم في تسريع مسارات تصفيتها.
إن المسؤولية التاريخية تفرض على الأحزاب الكوردية أن تتحلى بأعلى درجات الوعي السياسي، وأن تميز بين النضال الواقعي المنتج وبين الانجرار إلى مشاريع قد تدار من خارج إرادتها. كما تفرض عليها إعادة قراءة المشهد بعمق، والانتقال من سياسة ردود الأفعال إلى بناء استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على حماية الوجود وترسيخ المكتسبات قبل رفع سقف الشعارات.
إن القضية الكوردية اليوم ليست بحاجة إلى مغامرات سياسية غير محسوبة، بقدر ما تحتاج إلى عقلانية تاريخية، ورؤية استراتيجية متماسكة، وقدرة حقيقية على الصمود وإعادة البناء.
أقولها بوضوح:
ليس كل ما يرفع من شعارات هو طريق إلى الحرية، فبعض الشعارات قد يكون الطريق الأقصر إلى الهاوية.
17 آذار 2026
د. عدنان بوزان