بقلم: د. عدنان بوزان
ليس البكاء ضعفاً حين يكون العمر كله قد أُنفق في حمل وطنٍ لم يكتمل، وليس عيباً أن تنحدر دمعةٌ من عين رجلٍ قضى سنوات عمره واقفاً في وجه الريح؛ لأن الذين يظنون أن المناضل خلق من حجرٍ لا يدركون أن أشد الصخور صلابةً تتشقق إذا طال عليها الزمن. والمناضل الكوردي لم يكن، في يومٍ من الأيام، أسطورةً تمشي على قدمين، ولم يولد وفي يده بندقيةٌ أو شعار، بل ولِد طفلاً، كسائر أطفال الأرض، كان يريد أن يركض في الحقول، وأن يعود مساءً إلى حضن أمه، وأن يحلم بمستقبلٍ بسيط، لا أكثر. لكن التاريخ، ذلك الكائن الذي لا يعرف الرحمة، اختاره منذ ولادته ليكون شاهداً على واحدةٍ من أطول المآسي السياسية في العصر الحديث، فكبر قبل أوانه، وشاخ قبل أوانه، وحمل وطناً فوق كتفيه قبل أن يتعلم كيف يحمل حقيبته المدرسية.
من حق المناضل الكوردي أن يبكي؛ لأن أحداً لم يسأله يوماً إن كان يريد هذه الحياة. رآه الجميع مقاتلاً، لكن أحداً لم ينظر إلى الطفل الذي مات في داخله منذ سنواته الأولى. أحب الجميع صورته وهو يقف شامخاً فوق الجبال، لكن أحداً لم يرَه حين كان يجلس وحيداً في الليل، يتأمل وجوه رفاقه الذين غابوا واحداً تلو الآخر، ويحاول أن يتذكر أصواتهم قبل أن يبتلعها الصمت. وصفق الجميع لتضحياته، لكن التصفيق لا يعيد أماً ماتت وهي تنتظر ابنها، ولا يعيد أخاً اختفى، ولا يعيد بيتاً صار ركاماً، ولا يعيد قريةً محتها الحروب من الخرائط، وبقيت معلقةً في ذاكرة الذين نجوا منها.
إن أكثر ما يوجع المناضل الكوردي ليس أنه عرف الموت كثيراً، بل أنه عرف الانتظار أكثر. انتظر أن ينصفه التاريخ، فلم يفعل. وانتظر أن يتعلم العالم شيئاً من الدماء التي سالت، فلم يتعلم. وانتظر أن تتحول الوعود إلى حقائق، فاكتشف أن السياسة تجيد كتابة الوعود بالحبر الذي يذوب عند أول مصلحة. وكلما ظن أن الفجر قد اقترب، اكتشف أن الليل لم يكن ينقضي، بل كان يبدل أقنعته، وأن الظلام يستطيع أن يرتدي وجوهاً جديدة من دون أن يغيِر حقيقته القديمة.
لقد عاش الكوردي أكثر من قرنٍ وهو يسمع الكلمات نفسها: العدالة، وحق الشعوب، وحرية الإنسان، وحق تقرير المصير. لكن هذه الكلمات كانت تبدو جميلةً في خطابات المؤتمرات الدولية، وقاسيةً حين تصل إلى الجبال التي يسكنها المناضلون. هناك، كانت البنادق أصدق من البيانات، وكانت قبور الشبان أكثر عدداً من قرارات الأمم، وكانت الأمهات يحفظن أسماء الشهداء أكثر مما يحفظ السياسيون أسماء الاتفاقيات. وما أقسى أن يكتشف الإنسان أن دمه كان دائماً أغلى في الخطب منه على الأرض.
ومن حقه أن يبكي؛ لأنه لم يخسر وطنه مرةً واحدة، بل خسره كل صباح. كان يخسره حين تمنع لغته، وحين يشوه تاريخه، وحين يقال له إن ذاكرته مجرد حكاية، وإن أسماء جباله يمكن أن تستبدل، وإن أسماء قراه يمكن أن تمحى، وإن أسماء شهدائه لا تستحق أن تذكر. لم يكن فقدان الأرض وحده هو المأساة، بل كانت المأساة أيضاً محاولة اقتلاع الإنسان من نفسه، وكأن المطلوب من الكوردي أن يعيش بلا ذاكرة حتى يصبح بلا قضية، وأن ينسى حتى يغفر، وأن يصمت حتى يكافأ بالنسيان.
لكن أكثر الجراح قسوةً لم تأتِ دائماً من الذين خاصموه، بل جاءت أحياناً ممن ساروا إلى جانبه. فكم من مناضلٍ حمل القضية فوق ظهره حتى انحنى، ثم اكتشف، حين كبر، أن أحداً لم يعد يتذكر اسمه. وكم من رجلٍ قضى شبابه بين السجون والجبال والمنافي، ثم عاد ليجد أن الذاكرة السياسية قصيرة، وأن الأجيال الجديدة تعرف أسماء القادة أكثر مما تعرف أسماء الذين مهدوا لهم الطريق بدمائهم. وكم من قلبٍ احترق في سبيل القضية، ثم انتهى وحيداً، لا يملك من حياته سوى صورٍ باهتة، ورسائل قديمة، وأوسمةٍ لا تستطيع أن تطعم أبناءه خبزاً، ولا أن تمسح عن روحه شعور الخذلان.
إن السياسة، حين تفقد أخلاقها، تصبح قادرةً على استهلاك الإنسان كما تستهلك الورق. ترفع المناضل حين تحتاج إليه، ثم تضعه على رفِّ النسيان حين تنتهي مهمته. وحين تتحول الأحزاب إلى غايات بدلاً من أن تكون وسائل، يصبح الإنسان آخر ما يفكر فيه، وتتحول التضحيات إلى أرقام، والشهداء إلى مناسبات، والذكريات إلى خطابات موسمية، بينما يبقى المناضل الحقيقي وحيداً، يحمل أثقال عمره، ويتساءل في سره: هل كانت القضية تستحق كل هذا الوجع، أم أن الوجع كان أكبر من الجميع؟
ومع ذلك، لم يتوقف عن الحلم. وتلك هي المأساة الأجمل والأقسى في الوقت نفسه. كان يعرف أن الطريق طويل، لكنه واصل السير. وكان يعرف أن الخذلان يتكرر، لكنه لم يسمح له بأن يتحول إلى كراهية. وكان يعرف أن العالم لا يسمع إلا الأقوياء، لكنه ظل يتحدث بلغة الحق، حتى حين بدا الحق أفقر من أن يجد من يدافع عنه.
ولم يكن المناضل الكوردي يبكي لأنه تعب من النضال، بل لأنه تعب من الانتظار. فالإنسان يستطيع أن يحتمل الحرب سنوات، لكنه لا يستطيع أن يحتمل انتظار العدالة عمراً كاملاً. يستطيع أن يواجه الرصاص، لكنه ينهار أمام الصمت. يستطيع أن يدفن رفيقه، لكنه يعجز عن دفن الأسئلة التي تلاحقه كل ليلة: لماذا كل هذا الدم؟ ولماذا يبدو الطريق، بعد كل هذه العقود، أطول مما كان في بدايته؟ ولماذا يشعر أحياناً بأن الزمن يدور في دائرةٍ مغلقة، وأن الأجيال تتبدل، بينما تبقى المأساة هي نفسها، لا يتغير فيها إلا عدد القبور؟
ربما لا يعرف العالم أن المناضل الكوردي لا يبكي على نفسه كثيراً، بل يبكي على أمه التي شاخت وهي تنظر إلى الباب كل مساء، وعلى أبيه الذي مات قبل أن يرى الحلم الذي كان يحدث أبناءه عنه، وعلى زوجته التي تعلمت أن تؤجل الفرح خوفاً من خبرٍ عاجل، وعلى أطفاله الذين كبروا وهم يتعرفون إلى وجه أبيهم من الصور أكثر مما يتعرفون إليه من حضوره. إنه يبكي لأن النضال سرق من حياته تفاصيلها الصغيرة التي يصنع منها الناس سعادتهم: مائدةً تجمع العائلة، وعيداً بلا غياب، وبيتاً لا يخاف أصحابه من طرقات الليل، وحديقةً يزرع فيها أبناءه بدلاً من أن يزرع فيها أسماء الراحلين.
ومن حقه أن يبكي؛ لأنه اكتشف، بعد كل هذه السنوات، أن الوطن ليس تلك الأرض التي حلم بها فحسب، بل هو أيضاً العمر الذي مضى وهو يطارده. فالوطن الذي لا يتحقق يبتلع أعمار أبنائه، ويحول سنواتهم إلى جسورٍ تعبر عليها الأجيال التالية، بينما يرحل الذين بنوا تلك الجسور من دون أن يعبروا عليها مرةً واحدة.
لا تعاتبوا المناضل الكوردي إذا رأيتم دموعه، لأن تلك الدموع ليست هزيمة، بل خلاصة قرنٍ كاملٍ من الانتظار، وهي ليست ماءً ينساب من العين، بل تاريخٌ ثقيلٌ وجد، أخيراً، منفذاً إلى الضوء. فالرجال الذين حملوا أوطانهم فوق ظهورهم لا يبكون لأنهم ضعفاء، وإنما لأن الأوطان، مهما كانت عظيمة، تصبح، في لحظةٍ ما، أثقل من أن يحتملها قلبٌ واحد. وحين يعجز القلب عن حمل كل ذلك الألم، لا يبقى أمامه إلا أن يتكلم باللغة الوحيدة التي لم تستطع السياسة أن تزورها، ولم تستطع البنادق أن تقتلها، ولم تستطع الخيبات أن تصادرها... لغة الدموع.