بقلم: د. عدنان بوزان
ليست أخطر الوثائق في التاريخ تلك التي تعلنها الحكومات، بل تلك التي لا يراد للرأي العام أن يعرف بوجودها إلا بعد أن تتحول إلى وقائع على الأرض. ومن بين أكثر الوثائق إثارةً للجدل في القرن الحادي والعشرين، ما كشفه الجنرال الأمريكي المتقاعد ويسلي كلارك، القائد الأعلى السابق لقوات حلف شمال الأطلسي، حين تحدث عن مذكرة اطّلع عليها داخل البنتاغون بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، تتضمن خطة لإسقاط سبع دول خلال خمس سنوات فقط: العراق، وسوريا، ولبنان، وليبيا، والصومال، والسودان، وإيران.
كان من المفترض، وفق ذلك التصور، أن يكتمل المشروع بحلول عام 2006، لكننا اليوم في عام 2026، أي بعد عشرين عاماً من الموعد المحدد. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل فشل المشروع الأمريكي، أم أنه تأخر فقط؟
الإجابة لا تكمن في التقويم، بل في قراءة التاريخ.
فالاستراتيجيات الكبرى لا تقاس بالأعوام، وإنما بالنتائج. والقوى العظمى لا تتعامل مع الزمن كما تتعامل معه الحكومات أو وسائل الإعلام، بل تنظر إليه بوصفه أداةً من أدوات الصراع. قد تتراجع، وقد تعيد التموضع، وقد تبدل الوسائل، لكنها نادراً ما تتخلى عن أهدافها الاستراتيجية بمجرد تعثرها.
كان العراق أول مختبر لهذا المشروع. ففي عام 2003 نجحت الولايات المتحدة في إسقاط نظام صدام حسين خلال أسابيع، لكنها لم تستطع بناء دولة مستقرة بعد الاحتلال. تحول العراق إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، وتآكلت مؤسسات الدولة، وصعدت الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية، وأصبح البلد نموذجاً لكيفية إسقاط النظام دون امتلاك رؤية متماسكة لإعادة بناء الدولة.
وفي ليبيا، تحقق سقوط النظام بصورة أسرع، لكن الدولة نفسها دخلت في فراغ سياسي وأمني ما زالت تدفع ثمنه حتى اليوم. أما السودان، فقد شهد انفصال الجنوب، ثم انهيار النظام السابق، ثم اندلاع حرب داخلية جديدة جعلت الدولة أكثر هشاشة من أي وقت مضى. وفي الصومال، لم يكن المطلوب إسقاط نظام بعينه بقدر ما كان استمرار نموذج الدولة الضعيفة التي تعيش في حالة عدم استقرار دائم.
أما لبنان، فلم يسقط نظامه السياسي بالطريقة التقليدية، لكنه دخل منذ سنوات في واحدة من أعمق أزماته الاقتصادية والمؤسساتية، حتى بات يعيش انهياراً تدريجياً في الدولة والاقتصاد والإدارة، مع بقاء مؤسساته عاجزة عن إنتاج حلول مستدامة.
لكن سوريا كانت الحلقة الأكثر تعقيداً، والأكثر أهمية في هذا المسار.
فمنذ عام 2011 دخلت البلاد حرباً مفتوحة تجاوزت كونها انتفاضة داخلية أو نزاعاً على السلطة، لتصبح ساحةً لتقاطع المشاريع الدولية والإقليمية. وعلى مدى أكثر من عقد، أعيد رسم خرائط النفوذ، وتعددت الجيوش والقواعد العسكرية، وتوزعت البلاد بين مناطق نفوذ مختلفة.
ثم جاءت اللحظة التي بدت مستحيلة لسنوات، فسقط نظام بشار الأسد، وانتهى حكم استمر أكثر من نصف قرن لعائلة الأسد. غير أن سقوط النظام لم يؤدِّ إلى قيام دولة ديمقراطية أو عقد وطني جديد، بل صعدت إلى السلطة في دمشق قيادة تتصدرها هيئة تحرير الشام، في انتقال أنهى النظام السابق لكنه لم ينهِ أزمة الدولة السورية.
بل إن كثيراً من السوريين يرون أن البلاد انتقلت من استبداد ذي طابع أمني وحزبي إلى سلطة توجه إليها اتهامات بتغليب المرجعية الجهادية والأيديولوجية، مع استمرار الإقصاء السياسي، وغياب التمثيل الحقيقي للتعدد القومي والديني والمذهبي، ولا سيما فيما يتعلق بحقوق الشعب الكوردي وسائر المكونات السورية. وهكذا، لم يتحقق الانتقال من دولة السلطة إلى دولة المواطنة، بل تغيرت النخبة الحاكمة بينما بقي السؤال الأكبر بلا جواب: من يملك سوريا، ولمن تبنى الدولة؟
وهنا تتضح نقطة بالغة الأهمية؛ فالمشروع لم يكن يهدف بالضرورة إلى إسقاط الأنظمة وحدها، وإنما إلى إعادة تشكيل بنية الدولة نفسها، وتغيير موازين القوى، وإعادة رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط بما يتوافق مع مصالح القوى الكبرى. فالأنظمة يمكن أن تسقط في أيام، أما إعادة هندسة الدول فقد تستغرق عقوداً كاملة.
تبقى إيران الحلقة الأخيرة في السلسلة.
فعلى مدى خمسة وعشرين عاماً تعرضت طهران لعقوبات اقتصادية غير مسبوقة، وضغوط دبلوماسية، وعمليات استخباراتية، واغتيالات، وحروب سيبرانية، ومواجهات غير مباشرة عبر ساحات متعددة في المنطقة. ومع ذلك، لم تصل المواجهة إلى نهايتها، وما تزال إيران تمثل العقدة الأكثر تعقيداً في المشروع الأمريكي، سواء بسبب قدراتها العسكرية، أو موقعها الجيوسياسي، أو شبكة تحالفاتها الإقليمية.
ولذلك، فإن تأخر الوصول إلى المحطة الأخيرة لا يعني بالضرورة التخلي عنها، بل قد يعكس حجم التعقيد الذي تفرضه موازين القوى الدولية الجديدة، وصعود الصين، وعودة روسيا لاعباً مؤثراً، وتراجع القدرة الأمريكية على خوض حروب مباشرة كما حدث في العراق وأفغانستان.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الولايات المتحدة ليست قوة قادرة على فرض إرادتها وفق الجداول الزمنية التي تضعها مراكز التخطيط في واشنطن. لكنها أثبتت أيضاً أنها تمتلك قدرة كبيرة على تعديل أدواتها، والانتقال من الاحتلال العسكري المباشر إلى العقوبات الاقتصادية، والحروب بالوكالة، والضغط الدبلوماسي، وإدارة الصراعات الممتدة، دون أن تتخلى عن أهدافها الكبرى.
ومن هنا، فإن قراءة حديث ويسلي كلارك بوصفه نبوءة حرفية كانت قراءة خاطئة، كما أن اعتباره مجرد رواية فقدت قيمتها مع مرور الزمن لا يقل خطأً. فالمذكرة – إن صحت تفاصيلها – لم تكن جدولاً زمنياً ملزماً، بل كانت تعبيراً عن رؤية استراتيجية لإعادة صياغة الشرق الأوسط بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
غير أن العامل الذي لم يكن حاضراً في حسابات واضعي تلك الرؤية هو أن التاريخ لا يكتبه المخططون وحدهم. فهناك شعوب تقاوم، وقوى إقليمية تنافس، ومصالح دولية تتصادم، وأحداث غير متوقعة تعيد رسم الأولويات، فتتأخر المشاريع، وتتبدل الوسائل، وتتغير التحالفات، بينما يبقى الهدف النهائي قابلاً للتعديل لا للإلغاء.
إن أخطر ما في الشرق الأوسط ليس وجود مشاريع أمريكية أو روسية أو إيرانية أو تركية، بل غياب مشروع عربي وسوري وكوردي وطني قادر على بناء دولة المواطنة والقانون. فحين تعجز الدول عن إنتاج شرعيتها الداخلية، تصبح أكثر قابلية لأن تتحول إلى ساحات تتنافس فوقها مشاريع الآخرين.
لقد تأخر المشروع الأمريكي عشرين عاماً عن موعده المفترض، لكنه لم يختفِ من الحسابات الاستراتيجية. غير أن هذا لا يعني أنه مشروع محتوم النجاح، كما لا يعني أن المنطقة محكومة بالاستسلام لمسارات القوى الكبرى.
فالتاريخ لا يعرف قدراً سياسياً ثابتاً، ولا تعيش الأمم داخل وثائق البنتاغون أو الكرملين أو أي مركز قرار آخر، وإنما تصنع مستقبلها حين تمتلك إرادتها، وتبني مؤسساتها، وتنتج مشروعها الوطني المستقل.
وبين وثيقة كتبت في أروقة البنتاغون قبل ربع قرن، وواقعٍ ما زال يتشكل حتى اليوم، يبقى الشرق الأوسط ساحةً مفتوحة لصراع الإرادات، لا لتنفيذ الجداول الزمنية.