إسرائيل والشرق الأوسط الجديد... من يعيد رسم خرائط المنطقة؟
- Super User
- التحاليل السياسية
- الزيارات: 4183
بقلم: د. عدنان بوزان
ليست التحولات الكبرى في التاريخ مجرد نتائج لحروب تنتهي بانتصار طرف وهزيمة آخر، بل هي لحظات تعيد تعريف موازين القوة، وتعيد إنتاج الجغرافيا السياسية، وتؤسس لنظام إقليمي جديد. وما يمر به الشرق الأوسط اليوم لا يمكن قراءته بوصفه سلسلة من الحروب المنفصلة أو الأزمات العابرة، بل بوصفه مرحلة انتقالية تنتهي فيها قواعد قديمة، فيما لم تتبلور بعد قواعد جديدة. ولهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: من ربح الحرب الأخيرة؟ وإنما: من يملك القدرة على صياغة الشرق الأوسط الذي سيولد من تحت أنقاض النظام القديم؟
لقد بني النظام الإقليمي في الشرق الأوسط طوال القرن العشرين على معادلات فرضتها نتائج الحرب العالمية الأولى، ورسختها التوازنات الدولية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. كانت الدولة الوطنية هي الوحدة الأساسية، وكانت الحدود السياسية تتمتع بقدر كبير من الثبات، وكانت القوى الكبرى تضبط إيقاع الصراعات بما يمنع انهيار النظام برمته. إلا أن هذه المعادلة بدأت تتآكل تدريجياً مع نهاية الحرب الباردة، ثم تسارع هذا التآكل بفعل الحروب التي شهدتها المنطقة، وصعود الفاعلين من غير الدول، وانحسار سلطة الحكومات المركزية في عدد من البلدان، واتساع مساحة التدخلات الإقليمية والدولية.
في هذا المشهد المضطرب، برزت إسرائيل بوصفها أحد أكثر الأطراف قدرة على استثمار التحولات. فهي الدولة الوحيدة في المنطقة التي حافظت، خلال العقود الماضية، على تفوق عسكري وتكنولوجي واضح، وعلى مؤسسات دولة مستقرة، وعلى شراكة استراتيجية راسخة مع الولايات المتحدة، إضافة إلى قدرتها على تطوير علاقات متنامية مع عدد من الدول العربية والإقليمية. غير أن قراءة الدور الإسرائيلي من زاوية التفوق العسكري وحده تبقى قراءة ناقصة؛ لأن إسرائيل لا تتحرك فقط وفق منطق الحرب، بل وفق رؤية أمنية طويلة المدى تقوم على إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، بحيث تصبح أقل تهديداً وأكثر انسجاماً مع مصالحها.
منذ قيامها عام 1948، لم تكن العقيدة الإسرائيلية تقوم على الدفاع عن الحدود فحسب، وإنما على منع ظهور أي قوة إقليمية قادرة على كسر ميزان التفوق. ولهذا، شهدت المنطقة سلسلة من السياسات التي هدفت إلى الحفاظ على هذا التفوق، سواء عبر الردع العسكري، أو عبر بناء تحالفات، أو عبر إدارة التوازنات الإقليمية بما يمنع تشكل محور قادر على تهديد الأمن الإسرائيلي. ومع مرور الوقت، تطورت هذه الرؤية من مفهوم «الدفاع عن الدولة» إلى مفهوم أوسع يقوم على «إدارة البيئة الإقليمية». أي إن الأمن، وفق هذا المنظور، لا يتحقق عند الحدود فقط، بل يبدأ من طبيعة الأنظمة السياسية، ومن موازين القوى، ومن شكل العلاقات بين دول المنطقة.
لكن هذا لا يعني أن إسرائيل وحدها ترسم خرائط الشرق الأوسط، أو أنها تمتلك القدرة على فرض نظام إقليمي جديد بإرادتها المنفردة. فالشرق الأوسط كان، ولا يزال، ساحة لتقاطع مشاريع متعددة، تتنافس فيها الولايات المتحدة وروسيا والصين، كما تتقاطع فيها مصالح تركيا وإيران والدول العربية، فضلاً عن العوامل الداخلية التي تتحكم بمسار كل دولة على حدة. ولذلك، فإن الحديث عن «شرق أوسط إسرائيلي» بالمعنى المطلق لا يعكس تعقيد الواقع، بقدر ما يعكس رغبة بعض الأطراف في تفسير كل ما يجري من خلال عامل واحد.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن إسرائيل تحاول الاستفادة من لحظة التحول التاريخي التي تمر بها المنطقة. فكلما ضعفت الدولة المركزية في إحدى الدول المجاورة، أو تبدلت موازين القوى الإقليمية، اتسع هامش الحركة أمامها. وهذا لا يعني بالضرورة أنها تسعى إلى تغيير الحدود السياسية المعترف بها دولياً، بقدر ما يعني أنها تسعى إلى بناء بيئة استراتيجية تمنع ظهور تهديدات عسكرية مباشرة، وتحد من نفوذ خصومها، وتفتح المجال أمام علاقات سياسية واقتصادية وأمنية أوسع مع محيطها.
ولعل سوريا تمثل النموذج الأكثر وضوحاً لهذا التحول. فهي لم تعد مجرد دولة تواجه أزمة داخلية، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها المشاريع الإقليمية والدولية، ومختبراً لمستقبل الدولة في الشرق الأوسط. فالمشهد السوري لم يعد يختزل في الصراع على السلطة، وإنما أصبح يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة نفسها، وبشكل العلاقة بين المركز والأطراف، وبين الهوية الوطنية والتعددية القومية والدينية، وبين السيادة الوطنية والتدخلات الخارجية. ولذلك، فإن مستقبل سوريا لن تحدده دمشق وحدها، كما لن تحدده العواصم الإقليمية والدولية منفردة، بل ستتحدد ملامحه من خلال توازن معقد بين الإرادات الداخلية والخارجية.
وفي هذا السياق، تكتسب القضية الكوردية أهمية استثنائية، لأنها لم تعد مجرد قضية قومية تخص شعباً موزعاً بين أربع دول، بل أصبحت جزءاً من معادلات الأمن الإقليمي، ومن حسابات الطاقة، ومن مستقبل الدولة في الشرق الأوسط. فالكورد يعيشون في منطقة تمثل أحد أهم المفاصل الجغرافية في الإقليم، تمتد من جبال زاغروس إلى شمالي العراق وشمالي سوريا وجنوب شرقي تركيا وغرب إيران. ولهذا، فإن أي تحول في بنية الشرق الأوسط ستكون له انعكاسات مباشرة على مستقبلهم السياسي.
غير أن القراءة الواقعية تقتضي الابتعاد عن المبالغات، سواء تلك التي تصور إسرائيل بوصفها الضامن لمستقبل الكورد، أو تلك التي تنكر وجود أي تقاطع في المصالح بين الطرفين. فالعلاقات الدولية لا تبنى على العواطف، وإنما على المصالح. وقد عرفت المنطقة، في مراحل مختلفة، أشكالاً من التواصل أو التقاطع بين إسرائيل وبعض القوى الكوردية، لكن هذه العلاقات بقيت محكومة باعتبارات سياسية وأمنية متغيرة، ولم تتحول إلى تحالف استراتيجي ثابت أو إلى التزام دائم. ومن ثم، فإن مستقبل القضية الكوردية لا يمكن أن يبنى على الرهان على قوة خارجية، مهما كانت مكانتها، بل على بناء مشروع سياسي متماسك، وتطوير المؤسسات، وتحقيق أكبر قدر من التوافق الداخلي، وإقامة علاقات متوازنة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية.
وفي هذا الإطار، تبدو إحدى الإشكاليات الكبرى في الفكر السياسي الكوردي المعاصر مرتبطة بطبيعة العلاقة مع المتغيرات الإقليمية. فقد أثبتت التجربة التاريخية أن القوى الكبرى، وكذلك القوى الإقليمية، تنظر إلى القضية الكوردية من زاوية مصالحها الاستراتيجية، لا من زاوية الحقوق التاريخية أو المبادئ الأخلاقية. ولذلك، فإن أي تقاطع في المصالح قد يفتح نافذة سياسية في مرحلة معينة، لكنه قد ينغلق عندما تتغير الأولويات. والتاريخ الكوردي، منذ اتفاقية الجزائر عام 1975 إلى استفتاء إقليم كوردستان عام 2017، يقدم شواهد عديدة على أن السياسة الدولية لا تعرف الحلفاء الدائمين، وإنما تعرف المصالح الدائمة.
ومن هنا، فإن مصلحة الكورد في الشرق الأوسط الجديد لا تكمن في الارتهان إلى مشروع إقليمي بعينه، سواء كان إسرائيلياً أو أمريكياً أو غيرهما، بل في قراءة التحولات بواقعية، واستثمار الفرص التي تتيحها، دون تحويلها إلى رهانات مصيرية. فالحقوق القومية لا تحمى فقط بالدعم الخارجي، وإنما تحمى قبل ذلك بوحدة الموقف السياسي، وبناء المؤسسات الديمقراطية، وصياغة مشروع دستوري واضح، والقدرة على إقامة شراكات متوازنة مع جميع الأطراف، بعيداً عن سياسة المحاور.
ولا يمكن فهم مشروع الشرق الأوسط الجديد من دون التوقف عند التحولات التي يشهدها الإسلام السياسي. فقد كان هذا التيار، طوال العقود الأربعة الماضية، أحد أبرز الفاعلين في المنطقة، سواء عبر المشاركة في السلطة، أو عبر المعارضة، أو عبر الحركات المسلحة في بعض الحالات. إلا أن السنوات الأخيرة كشفت عن أزمة عميقة داخل هذا التيار، ليس بسبب الضغوط الأمنية وحدها، وإنما أيضاً بسبب التحديات المرتبطة بإدارة الدولة، والاقتصاد، والتعددية، والعلاقة بين الدين والسياسة.
ومع ذلك، فإن الحديث عن "نهاية الإسلام السياسي" يبدو تبسيطاً لا ينسجم مع الواقع. فالإسلام السياسي ليس تنظيماً واحداً ولا مدرسة فكرية واحدة، بل يضم تيارات وتجارب متباينة. وما يبدو اليوم هو أن المنطقة تدخل مرحلة إعادة تعريف لدور هذه التيارات، أكثر من دخولها مرحلة اختفائها. وستظل قدرتها على التأثير مرتبطة بمدى نجاحها في التكيف مع الدولة الوطنية، وقبول التعددية، واحترام قواعد التداول السلمي للسلطة.
أما تركيا، فإنها تنظر إلى الشرق الأوسط الجديد من زاوية تختلف عن الرؤية الإسرائيلية. فأنقرة ترى أن أمنها القومي يبدأ من حدودها الجنوبية، وأن أي ترتيبات سياسية في سوريا أو العراق تمس التوازنات الحدودية أو الملف الكوردي ستنعكس مباشرة على أمنها الداخلي. ولهذا، فإن السياسة التركية ستظل لاعباً أساسياً في أي معادلة إقليمية، سواء اتفقت مع إسرائيل في بعض الملفات، أو اختلفت معها في ملفات أخرى.
وفي المقابل، تسعى إيران إلى الحفاظ على موقعها بوصفها قوة إقليمية مؤثرة، رغم الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تواجهها. ومن المرجح أن تستمر في إعادة تموضع أدوات نفوذها بما يتلاءم مع المتغيرات، لأن الصراع في الشرق الأوسط لم يعد صراعاً بين دولتين، بل أصبح صراعاً بين رؤى مختلفة لمستقبل المنطقة برمتها.
أما العالم العربي، فيمر بمرحلة مراجعة عميقة لأولوياته. فبعد عقود كان فيها الصراع العربي ـ الإسرائيلي يحتل مركز السياسة الإقليمية، برزت تحديات جديدة تتعلق بالاقتصاد، والطاقة، والأمن الغذائي، والتكنولوجيا، والاستقرار الداخلي. وهذا التحول لا يعني اختفاء القضية الفلسطينية من الوعي العربي، لكنه يعني أن أولويات الدول أصبحت أكثر ارتباطاً بحسابات الأمن الوطني والتنمية الاقتصادية، وهو ما أسهم في إعادة تشكيل شبكة العلاقات الإقليمية.
وهنا تبرز المعضلة الكبرى: هل يستطيع أي طرف، بما في ذلك إسرائيل، أن يعيد رسم خرائط الشرق الأوسط؟
الإجابة، في تقديري، هي أن الخرائط لم تعد ترسم بالطريقة التي كانت ترسم بها في القرن الماضي. فلم تعد الجيوش وحدها هي التي تحدد مصير الدول، كما لم تعد الاتفاقيات العسكرية وحدها قادرة على إنتاج نظام إقليمي مستقر. فالخرائط الجديدة ترسم أيضاً عبر الاقتصاد، والتكنولوجيا، والطاقة، والممرات التجارية، والذكاء الاصطناعي، والتحالفات العابرة للحدود، والقدرة على بناء مؤسسات دولة قادرة على الصمود.
ولهذا، فإن الحديث عن شرق أوسط جديد يجب ألا يختزل في إعادة توزيع النفوذ العسكري، بل ينبغي أن يفهم بوصفه إعادة تشكيل لمفهوم الدولة نفسها. فالدول التي تعجز عن بناء عقد اجتماعي جديد، وعن إدارة تنوعها القومي والديني والمذهبي، ستكون أكثر عرضة للاهتزاز، بغض النظر عن حجم الدعم الخارجي الذي تتلقاه.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم على أعتاب مرحلة قد تكون الأكثر تعقيداً منذ اتفاقية سايكس ـ بيكو. غير أن الفارق الجوهري هو أن خرائط المستقبل لن ترسم هذه المرة في غرف الدبلوماسية وحدها، بل ستتشكل أيضاً من خلال قدرة شعوب المنطقة على بناء دول حديثة، ومؤسسات قوية، واقتصادات منتجة، وأنظمة سياسية تستند إلى المواطنة وسيادة القانون.
ويبقى السؤال الأهم: من يعيد رسم خرائط المنطقة؟
الإجابة ليست إسرائيل وحدها، وليست الولايات المتحدة، ولا تركيا، ولا إيران، ولا أي قوة منفردة. فالشرق الأوسط الجديد لن يكون نتاج إرادة دولة واحدة، بل حصيلة تفاعل معقد بين المصالح الدولية، والتوازنات الإقليمية، والتحولات الداخلية. غير أن الدول التي تمتلك رؤية استراتيجية، ومؤسسات مستقرة، واقتصاداً قوياً، وقدرة على التكيف مع المتغيرات، ستكون الأكثر تأثيراً في صياغة هذا المستقبل.
أما الشعوب التي تبقى أسيرة الانقسامات الداخلية، أو تراهن على الآخرين لبناء مستقبلها، فستجد نفسها موضوعاً للسياسات، لا شريكاً في صناعتها.
ولعل الدرس الأهم الذي يقدمه التاريخ هو أن الجغرافيا لا تتغير بالقوة وحدها، وأن الخرائط لا تعيش طويلاً إذا لم تستند إلى توازنات سياسية واجتماعية قابلة للاستمرار. ولذلك، فإن معركة الشرق الأوسط الحقيقية لا تدور حول من يربح الحرب المقبلة، بل حول من ينجح في بناء دولة قادرة على البقاء في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.
إن الشرق الأوسط الجديد لا يزال مشروعاً مفتوحاً على احتمالات متعددة، ولم يكتب فصله الأخير بعد. وما بين صراع القوى الكبرى، وطموحات القوى الإقليمية، وتطلعات شعوب المنطقة، ستظل السنوات القادمة هي التي تحدد ليس فقط شكل الخرائط، بل أيضاً معنى الدولة، وهوية النظام الإقليمي، ومستقبل الشعوب التي تعيش على هذه الأرض منذ آلاف السنين.