بقلم: د. عدنان بوزان
ليست المعرفة فضيلةً في ذاتها، كما أنها ليست ضمانةً للحكمة، ولا شهادةً أخلاقيةً تمنح صاحبها حق الحديث باسم الحقيقة. فالمعرفة ليست سوى أداة؛ ويمكن للأداة نفسها أن تبني بيتاً أو تهدمه، وأن تفتح باباً أو تصنع قيداً جديداً. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما يعرفه الإنسان، بل بما تفعله المعرفة في داخله.
لقد اعتادت الثقافة الحديثة أن تمنح المثقف مكانةً استثنائية، حتى بدا وكأنه الضمير الذي يفكر نيابةً عن المجتمع، والعقل الذي يرى ما لا يراه الآخرون، والصوت الذي يمتلك تفسير الأحداث قبل وقوعها. ومع مرور الزمن، لم يعد هذا التصور مجرد وصف لدور المثقف، بل تحول إلى صورة صنعها المثقف عن نفسه، حتى أصبح يصدق أنه يقف في مرتبة أعلى من بقية الناس، لا لأنه أكثر أخلاقاً، بل لأنه أكثر معرفة.
ومن هنا تبدأ المأساة.
فالمعرفة لا تغير الإنسان بالضرورة، بل قد تمنحه وسائل أكثر تعقيداً لإخفاء ذاته. فالجاهل يبرر أخطاءه ببساطة، أما المثقف فيبررها بمنهج فلسفي، أو بمفهوم في علم الاجتماع، أو بمصطلح نفسي، أو بإحالة تاريخية تجعل التناقض يبدو وكأنه نتيجة حتمية لتعقيد الواقع. وهكذا، تتحول الثقافة أحياناً من وسيلة لتحرير الإنسان إلى لغة راقية يتخفى بها الإنسان من مواجهة نفسه.
ولعل أخطر ما يصيب العقل ليس الجهل، وإنما الوهم الذي تولده المعرفة حين تقنع صاحبها بأنه أصبح فوق الحاجة إلى المراجعة. فكلما ازداد الإنسان يقيناً بأنه يمتلك الحقيقة، تقلصت قدرته على الشك، ومع انحسار الشك يبدأ العقل في التحول من فضاء للأسئلة إلى سجن للأجوبة الجاهزة.
إن معظم المثقفين لا يسقطون لأنهم لا يعرفون، بل لأنهم يعتقدون أنهم يعرفون أكثر مما ينبغي. فهم يملكون تفسيراً لكل شيء؛ يشرحون أسباب الحروب، ويحللون انهيار الدول، ويفسرون التحولات الاقتصادية، ويكتبون عن الحرية والعدالة والهوية والسلطة، حتى يبدو العالم كله نصاً مفتوحاً أمامهم. لكن المفارقة أن هذا العقل نفسه قد يعجز عن فهم انفعال واحد في داخله، أو عن تفسير خوف شخصي، أو عن الاعتراف بدافع خفي يحرك كثيراً من مواقفه.
فالإنسان يستطيع أن يقرأ آلاف الكتب عن الحرية، ويبقى أسير صورته أمام الآخرين. ويستطيع أن يحفظ تاريخ الاستبداد، بينما يمارس استبداده في بيته، أو في عمله، أو في حواره مع من يخالفه. وقد يكتب عشرات الصفحات عن التسامح، ثم يعجز عن الصفح عن إساءة صغيرة. وهنا لا تكمن المشكلة في نقص المعرفة، بل في الفجوة بين الوعي النظري والوعي الوجودي؛ بين ما يقوله الإنسان وما يكونه بالفعل.
ولهذا، فإن الثقافة قد تصبح، في بعض الأحيان، أكثر أشكال النرجسية تهذيباً. فبدلاً من أن يتفاخر الإنسان بثروته، أو نسبه، أو سلطته، يتفاخر بمكتبته، وبعدد الكتب التي قرأها، وبأسماء الفلاسفة الذين يحفظ أقوالهم. إنه لم يعد يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن هوية تمنحه شعوراً بالتفوق. وكلما اتسعت مكتبته، اتسعت معها المسافة النفسية التي تفصله عن الناس.
وليس من قبيل المصادفة أن يتحول كثير من الخطاب الثقافي إلى خطاب موجه من الأعلى إلى الأسفل؛ فالمثقف يتحدث كما لو أنه يملك الحقيقة، بينما لا يملك الآخرون سوى الإصغاء. إنه يطالب المجتمع بالنقد الذاتي، لكنه نادراً ما يمارس هذا النقد على نفسه. ويدعو إلى التحرر من الأوهام، بينما يعيش داخل أوهام أكثر رقياً وتعقيداً. ويرفض صناعة الأصنام السياسية، ثم يصنع من ذاته صنماً معرفياً لا يقبل المساس.
غير أن الحياة لا تمنح الامتيازات على أساس عدد الكتب، بل على أساس القدرة على العيش بصدق. فالإنسان الذي يفي بوعده، ويحترم كلمته، ويعتذر عندما يخطئ، ويعامل الآخرين بكرامة، قد يكون أكثر حكمة من آخر يحفظ تاريخ الفلسفة بأكمله؛ لأن الأخلاق ليست امتداداً طبيعياً للمعرفة، بل هي ثمرة مجاهدة طويلة للنفس، وهي معركة لا تنتصر فيها الكتب وحدها.
لقد أخطأت الثقافة الحديثة عندما أوحت بأن تراكم المعلومات يساوي الارتقاء الإنساني. فالمعلومات تزيد العقل امتلاءً، لكنها لا تجعل القلب أكثر رحمة، ولا الضمير أكثر يقظة، ولا الإرادة أكثر صدقاً. بل قد يحدث العكس؛ إذ تمنح الإنسان قدرة أكبر على خداع نفسه، لأنه يصبح قادراً على تسمية ضعفه بأسماء جميلة، وتحويل أنانيته إلى موقف فكري، ونرجسيته إلى استقلال فكري، وخوفه إلى حكمة، وعجزه إلى قراءة واقعية للأحداث.
إن أخطر أنواع الجهل ليس أن يجهل الإنسان شيئاً، بل أن يجهل نفسه. وكل معرفة لا تقود صاحبها إلى اكتشاف حدوده هي معرفة ناقصة، مهما بلغت من الاتساع. فالوعي الحقيقي لا يبدأ عندما نفهم العالم، وإنما عندما ندرك أن داخل كل واحد منا عالماً أكثر غموضاً من جميع الكتب التي قرأناها.
ولعل هذا هو السبب الذي يجعل أعظم المفكرين أكثر تواضعاً كلما ازدادوا علماً؛ لأن المعرفة الحقيقية لا تنتج الغرور، بل تنتج الدهشة. وكلما اتسعت آفاق العقل، ازداد شعوره بضآلة ما يعرفه. أما الغرور، فلا ينشأ من كثرة العلم، بل من توقفه؛ من اللحظة التي يعتقد فيها الإنسان أن رحلته انتهت، وأنه أصبح مؤهلاً للحكم على الآخرين.
ولذلك، فإن أزمة المثقف ليست في نقص الثقافة، بل في علاقته بالثقافة نفسها. هل يتعامل معها بوصفها طريقاً لا ينتهي نحو مراجعة الذات، أم بوصفها منصة يقف عليها ليمنح الآخرين الدروس؟ هنا يكمن الفارق بين مثقف يعيش المعرفة، ومثقف يعيش من المعرفة؛ بين من يرى في الفكر مسؤولية أخلاقية، ومن يراه وسيلة لصناعة المكانة والهيبة والاعتراف.
إن العالم لا يعاني اليوم من قلة المعلومات؛ فالمعرفة متاحة أكثر من أي وقت مضى. لكنه يعاني من ندرة الصدق، ومن قلة أولئك الذين يملكون شجاعة توجيه الأسئلة إلى أنفسهم قبل توجيهها إلى الآخرين. ولهذا، فإن أعظم امتحان للثقافة ليس أن تجعل الإنسان أكثر قدرة على تفسير الواقع، بل أن تجعله أكثر قدرة على الاعتراف بضعفه، وأكثر استعداداً لتغيير نفسه.
فحين تصبح المعرفة مرآةً يرى الإنسان فيها عيوبه قبل أن يرى أخطاء العالم، تتحول الثقافة إلى فعل تحرر. أما حين تتحول إلى ستار يخفي به هشاشته، فإنها لا تعود نوراً، بل تصبح حجاباً كثيفاً يفصل الإنسان عن الحقيقة التي كان يظن أنه يبحث عنها منذ البداية.