بقلم: د. عدنان بوزان
لم يعد السؤال في سوريا اليوم: من يحكم دمشق؟ بل: هل ما تزال دمشق قادرة على حكم سوريا؟ فبعد أكثر من خمسة عشر عاماً من الحرب، لم تعد البلاد تعيش أزمة سلطة فحسب، بل أزمة دولة وهوية ووظيفة سياسية وجغرافيا وطنية. لقد انهار النموذج الذي قامت عليه الجمهورية السورية منذ منتصف القرن العشرين، فيما لم يتبلور بعد نموذج جديد قادر على ملء الفراغ. وما تشهده البلاد اليوم ليس مرحلة انتقالية بالمعنى التقليدي، وإنما مخاض تاريخي يعيد تشكيل الدولة السورية من جذورها.
في علم السياسة، لا تقاس قوة الدول بما تنص عليه دساتيرها، وإنما بقدرتها الفعلية على بسط سيادتها وإدارة شؤونها واحتكار استخدام القوة المشروعة. ومن هذا المنظور، تبدو سوريا اليوم أمام واقع مختلف؛ إذ لم تعد السلطة المركزية تحتكر القرار السياسي، ولا السيطرة العسكرية، ولا إدارة الحدود، ولا حتى إدارة جزء من علاقاتها الخارجية. فقد أفرزت سنوات الحرب مناطق نفوذ متعددة، لكل منها سلطاتها الأمنية والإدارية، وقواها العسكرية، وشبكة علاقاتها الإقليمية والدولية. ولذلك، لم يعد النقاش يدور حول حدود الدولة السورية بقدر ما يدور حول طبيعة الدولة التي ستولد من رحم هذا الواقع الجديد.
لقد انتهت، عملياً، مرحلة الدولة المركزية الصلبة التي حكمت سوريا لعقود طويلة، سواء كان ذلك نتيجة الحرب، أم حصيلة تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية سبقتها بسنوات. أما المرحلة المقبلة، فما تزال مفتوحة على مشاريع متنافسة، لكل منها رؤيته لمستقبل البلاد، وداعموه، وأدواته، وحساباته الإقليمية والدولية.
ولذلك، فإن المعركة الحقيقية لم تعد تدور حول بقاء سوريا أو زوالها، بل حول شكل الدولة السورية القادمة.
فثمة من يسعى إلى إعادة إنتاج الدولة المركزية بصيغة جديدة، انطلاقاً من الاعتقاد بأن المركزية هي الضامن الوحيد لوحدة البلاد. وفي المقابل، يذهب آخرون إلى أن اللامركزية السياسية والإدارية أصبحت ضرورة لإدارة التعددية السورية، وتحقيق قدر أكبر من المشاركة في السلطة، والحد من أسباب الصراع. بينما يرى فريق ثالث أن الفيدرالية تمثل الصيغة الدستورية الأكثر قدرة على التوفيق بين وحدة الدولة وضمان الحقوق القومية والثقافية والسياسية لمكوناتها المختلفة.
غير أن اختزال هذا الجدل في ثنائية «الوحدة أو التقسيم» يمثل تبسيطاً مفرطاً لمسألة معقدة. فالفيدرالية ليست، بالضرورة، مشروعاً للتقسيم، كما أن المركزية ليست ضمانة دائمة للوحدة. والتاريخ السياسي يقدم نماذج عديدة لدول مركزية تفككت رغم شدة مركزيتها، كما يقدم نماذج ناجحة لدول فيدرالية استطاعت أن تحقق مستويات عالية من الاستقرار والتماسك. فجوهر المشكلة لا يكمن في شكل النظام السياسي، وإنما في طبيعة العقد الوطني الذي ينظم العلاقة بين الدولة ومواطنيها، ويضمن العدالة والشراكة وسيادة القانون.
ومع ذلك، فإن استمرار الانقسام العسكري والسياسي، في ظل غياب مشروع وطني جامع، قد يقود إلى سيناريو أكثر خطورة، يتمثل في ترسيخ مناطق النفوذ وتحولها تدريجياً إلى كيانات سياسية مستقلة بحكم الأمر الواقع، حتى وإن بقيت الحدود الدولية لسوريا على حالها. فالتقسيم لا يبدأ دائماً بإعلان رسمي، وإنما يبدأ عندما تمتلك كل منطقة مؤسساتها الأمنية والإدارية، واقتصادها، وقرارها السياسي، وعلاقاتها الخارجية بصورة منفصلة عن الدولة المركزية.
وفي خضم هذه التحولات، يظل الجولان أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية. فمن الناحية القانونية، لا يزال الجولان أرضاً سورية محتلة وفق أحكام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ولم يحظَ قرار ضمه من قبل إسرائيل باعتراف دولي واسع. غير أن استمرار السيطرة الإسرائيلية، بالتزامن مع انشغال الدولة السورية بأزماتها الداخلية، أسهم في تكريس واقع سياسي جديد يثير تساؤلات جدية حول مستقبل هذا الملف. فكلما طال أمد هذا الواقع، وتراجعت أولوية الجولان في الحسابات الإقليمية والدولية، ازدادت احتمالات ترسيخ الأمر الواقع سياسياً، حتى وإن ظل الوضع القانوني للجولان دون تغيير.
إن أخطر ما يواجه الدول ليس خسارة جزء من أراضيها فحسب، بل فقدان قدرتها على الدفاع عن حقوقها التاريخية، عندما تصبح معركة البقاء الداخلي أكثر إلحاحاً من القضايا الوطنية الكبرى.
وفي المقابل، تتحول سوريا بصورة متزايدة إلى ساحة تتقاطع فيها المشاريع الإقليمية والدولية. فتركيا تنظر إلى شمال سوريا من منظور أمنها القومي ومصالحها الحدودية، وإسرائيل تراقب الجنوب باعتباره امتداداً لأمنها الاستراتيجي، فيما تسعى إيران العودة إلى سوريا والحفاظ على ما تبقى من نفوذها، بينما تعمل كل من الولايات المتحدة وروسيا على إدارة توازنات تحول دون انهيار المشهد بصورة كاملة، بما يحفظ مصالحهما في المنطقة. وبهذا المعنى، أصبحت سوريا مساحة للتنافس والتفاوض بين القوى الإقليمية والدولية، بقدر ما هي ساحة للصراع الداخلي.
غير أن هذا التشابك الخارجي، على أهميته، لا يلغي حقيقة أساسية، وهي أن أي تسوية سياسية لن تكون قابلة للاستمرار ما لم تستند إلى توافق وطني يعترف بالتعددية القومية والثقافية والدينية، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد يضمن المشاركة المتساوية لجميع السوريين.
وفي هذا السياق، تبرز القضية الكوردية باعتبارها إحدى القضايا المفصلية في مستقبل الدولة السورية. فقد أثبتت العقود الماضية أن سياسة الإنكار لم تنتج استقراراً، كما أن مقاربة المسألة الكوردية بوصفها قضية أمنية لم تؤدِّ إلا إلى تعميق الأزمة. وفي المقابل، فإن أي مشروع لإعادة بناء الدولة لن يكون قابلاً للحياة إذا تجاهل حقوق مكون رئيس من مكونات المجتمع السوري، تماماً كما لن يكون قابلاً للاستمرار إذا قام على تقويض وحدة البلاد وسيادتها. إن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد معادلة دستورية تحقق الشراكة الوطنية، وتحفظ وحدة الدولة، وتصون الحقوق في آن واحد.
ومن هنا، فإن النقاش حول اللامركزية أو الفيدرالية ينبغي أن ينتقل من دائرة الشعارات والتخوين إلى فضاء البحث الدستوري والسياسي الرصين، لأن الدول الحديثة لا تبنى على الإنكار، وإنما على الاعتراف بالتعددية، وسيادة القانون، وبناء المؤسسات القادرة على إدارة الاختلاف ضمن إطار الدولة الواحدة.
لكن حسب كل هذه المؤشرات على الأرض تبين أن هناك أزمة جديدة ولربما أسوأ من قبلها ، فلا يمكن التعامل معه باستخفاف. فسوريا ما تزال تحمل في داخلها كثيراً من عوامل الانفجار: انتشار السلاح، والانقسام المجتمعي، وتضارب المصالح الإقليمية، والهشاشة الاقتصادية، وغياب الثقة بين القوى السياسية. ومع ذلك، فإن أي تصعيد محتمل لن يكون بالضرورة نسخة مكررة من حرب عام 2011، بل قد يتخذ أشكالاً مختلفة، تتراوح بين صراعات محلية، ومواجهات بين مناطق النفوذ، أو احتكاكات إقليمية تدار على الأرض السورية، بحسب موازين القوى والمتغيرات الإقليمية.
إن مستقبل سوريا لن يحسم في الميدان العسكري وحده، بل على طاولة السياسة وصياغة العقد الوطني الجديد. فالقوة تستطيع فرض وقائع مؤقتة، لكنها لا تستطيع بناء دولة مستقرة. أما الدولة، فلا تستقر إلا عندما يشعر جميع مواطنيها بأنهم شركاء متساوون في وطن واحد، لا رعايا لدى سلطة واحدة.
لقد وصلت سوريا إلى مفترق تاريخي حاسم. فإما أن تنجح في إعادة بناء دولتها على أسس المواطنة والعدالة والشراكة وسيادة القانون، وإما أن يستمر مسار التآكل التدريجي، فتتحول خطوط التماس إلى حدود سياسية، ومناطق النفوذ إلى كيانات دائمة، وتغدو وحدة البلاد مجرد نصوص دستورية لا تجد ما يجسدها على أرض الواقع.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل السوريين اليوم ليس كيف يستعيدون الماضي، بل كيف يصنعون المستقبل. فالدول لا تنهار لأنها خسرت حرباً، وإنما لأنها عجزت عن إنتاج مشروع وطني جديد يجمع أبناءها حول دولة تتسع للجميع. وتلك، في نهاية المطاف، هي المعركة الحقيقية التي تواجه سوريا اليوم: معركة بناء الدولة، لا مجرد الصراع على السلطة.