بقلم: د. عدنان بوزان
لم تعد التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط مجرد أحداثٍ منفصلة، بل تبدو وكأنها حلقاتٌ في مشهدٍ استراتيجي واحد، تتداخل فيه القوة العسكرية مع الحرب الاستخباراتية، وتتصارع فيه مشاريع النفوذ قبل أن تتواجه الجيوش. فمن الضربات الإيرانية التي استهدفت بنى تحتية حساسة في سوريا والخليج، إلى الرسائل العسكرية الحادة الصادرة من باكستان، وصولاً إلى إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه الكشف عن وثائق سرية، تتشكل معادلة جديدة عنوانها أن الشرق الأوسط دخل مرحلة إعادة رسم خرائط الردع والنفوذ.
أولاً: إيران... من سياسة الرد إلى فرض المعادلات
تحمل الضربات الإيرانية الأخيرة دلالات تتجاوز بعدها العسكري المباشر، إذ لا تبدو مجرد ردود فعل ظرفية على تطورات ميدانية، بل تأتي في سياق استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة وفرض معادلات ردع جديدة. فاستهداف البنى التحتية لا يقتصر على إحداث أضرار مادية، وإنما يوجه رسالة استراتيجية مفادها أن أي مواجهة مستقبلية لن تبقى محصورة في الميدان العسكري، بل ستمتد إلى مفاصل الاقتصاد والطاقة والاتصالات وشبكات النقل، وهي الأعصاب الحيوية التي تقوم عليها الدولة الحديثة.
وفي الساحة السورية، تبدو هذه الضربات جزءاً من مسعى إيراني للحفاظ على عمقها الاستراتيجي داخل بلاد الشام، بعد سنوات من التنافس مع روسيا على إدارة النفوذ، وتصاعد الضغوط الإسرائيلية الرامية إلى تقويض الوجود العسكري الإيراني، إلى جانب التحولات التي شهدتها بنية السلطة في دمشق وما رافقها من إعادة توزيع لمراكز النفوذ داخل الدولة السورية.
ومن منظور استراتيجي أوسع، تدرك طهران أن سوريا تمثل الحلقة المركزية في مشروعها الإقليمي، ليس فقط بوصفها ساحة نفوذ سياسي وعسكري، بل أيضاً باعتبارها الممر الجغرافي الذي يربط إيران بلبنان والبحر المتوسط. ولذلك، يرى عدد من المحللين أن الحفاظ على هذا الممر، أو إعادة تأمينه، يظل أحد الأهداف الرئيسية للاستراتيجية الإيرانية، لما يوفره من إمكانية استمرار خطوط الإمداد اللوجستي والعسكري إلى حلفائها، وفي مقدمتهم حزب الله اللبناني، بما يعزز ما تصفه طهران بـ«محور المقاومة» ويحافظ على توازن الردع مع إسرائيل.
أما في الخليج، فإن أي تهديد للبنية التحتية النفطية، أو للموانئ، أو لشبكات الطاقة، يحمل رسالة استراتيجية مختلفة، مفادها أن أمن الخليج لم يعد منفصلاً عن أي مواجهة إقليمية مع إيران. فطهران تسعى إلى ترسيخ معادلة مفادها أن أي تصعيد عسكري ضدها ستكون له كلفة اقتصادية وسياسية تتجاوز حدودها، وتمتد إلى أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية، بما يجعل أمن الخليج جزءاً لا يتجزأ من معادلة الردع الإقليمية.
ثانياً: سوريا... الساحة الأكثر هشاشة
لا تزال سوريا تمثل الحلقة الأكثر هشاشة في معادلة الشرق الأوسط، ليس بسبب تداعيات الحرب الممتدة منذ أكثر من عقد فحسب، بل نتيجة تحولها إلى نقطة تقاطع لمشاريع النفوذ الإقليمي والدولي. فالدولة التي تعاني تعدد القوى العسكرية الأجنبية، وتوزع مناطق السيطرة بين قوى محلية وخارجية، أصبحت الساحة الأكثر قابلية لتصفية الحسابات بين الفاعلين الإقليميين والدوليين، حيث تتداخل المصالح الأمريكية والروسية والإيرانية والتركية والإسرائيلية في رقعة جغرافية واحدة.
ولم تعد الأراضي السورية مجرد ممر لخطوط الإمداد العسكرية أو مقراً للقواعد الأجنبية، بل تحولت إلى عقدة جيوسياسية تتحكم بجزء مهم من معادلات المشرق العربي. فمن يملك القدرة على التأثير في سوريا يمتلك هامشاً أوسع للتأثير في أمن العراق ولبنان والأردن وشرق البحر المتوسط، فضلاً عن التحكم في جزء من مسارات الطاقة والممرات البرية التي تربط الخليج بالبحر المتوسط.
وفي هذا السياق، لا تقرأ أي ضربة إيرانية داخل الأراضي السورية بوصفها عملاً عسكرياً معزولاً، بل باعتبارها جزءاً من صراع أوسع على إعادة رسم موازين النفوذ في المشرق. فهي تحمل رسائل متزامنة إلى الولايات المتحدة بشأن وجودها العسكري في شرق الفرات، وإلى إسرائيل بشأن استمرار محاولات تقويض الوجود الإيراني، وإلى تركيا التي تسعى إلى تثبيت نفوذها في الشمال السوري، كما تشكل إشارة إلى روسيا بأن طهران ما تزال لاعباً رئيسياً لا يمكن تجاوزه في مستقبل سوريا.
ومع استمرار غياب تسوية سياسية شاملة، وضعف مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز القرار، تبدو سوريا مرشحة لأن تبقى الساحة الأكثر عرضة للتصعيد، حيث تتحول كل أزمة إقليمية إلى مواجهة جديدة على أراضيها، ويغدو أمنها واستقرارها رهينةً للتوازنات الدولية أكثر من كونه نتاجاً لإرادة سورية خالصة.
ثالثاً: جنوب كوردستان... الرسائل الإيرانية تتجاوز حدود العراق
لا يمكن قراءة الضربات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت مناطق متفرقة في إقليم كوردستان العراق، من السليمانية إلى هولير (أربيل)، بوصفها عمليات عسكرية معزولة أو ردود فعل آنية على تهديدات أمنية محددة. فهذه الضربات تأتي ضمن سياق استراتيجي أوسع، تسعى من خلاله طهران إلى إعادة رسم حدود الردع على امتداد المجال الجيوسياسي الممتد من غرب إيران إلى شرق البحر المتوسط. ومن هذا المنظور، فإن إقليم كوردستان لا ينظر إليه في العقيدة الأمنية الإيرانية باعتباره مجرد جزء من الدولة العراقية، بل بوصفه مساحة ذات أهمية استخباراتية وعسكرية، تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والإسرائيلية والإقليمية، بما يجعله جزءاً من معادلة الأمن القومي الإيراني.
وتحمل هذه الضربات مجموعة من الرسائل المتزامنة. فالرسالة الأولى موجهة إلى الولايات المتحدة، ومضمونها أن أي وجود عسكري أو استخباراتي أمريكي في الإقليم، أو أي استخدام لأراضيه في أنشطة تعتبرها طهران مهددة لأمنها، لن يبقى بمنأى عن الاستهداف إذا تصاعدت المواجهة الإقليمية. أما الرسالة الثانية، فتتجه نحو إسرائيل، في ظل اتهامات إيرانية متكررة بوجود تعاون أمني واستخباراتي بين تل أبيب وبعض الجهات داخل الإقليم، وهي اتهامات لم تثبت بصورة قاطعة في المجال العام، لكنها تشكل جزءاً من الخطاب الأمني الإيراني وتؤثر في طريقة صياغة استراتيجيتها العسكرية.
وفي الوقت نفسه، تحمل الضربات رسالة إلى الحكومة الاتحادية في بغداد وسلطات إقليم كوردستان، مفادها أن طهران تتوقع إجراءات أكثر صرامة لمنع استخدام الأراضي العراقية في أي أنشطة تراها موجهة ضد أمنها القومي، وأنها تحتفظ بحق الرد وفقاً لتقديرها إذا رأت أن هذه المخاطر تتزايد.
غير أن الرسائل الإيرانية لا تتوقف عند حدود الردع العسكري، بل تمتد إلى البعد السياسي. فمن خلال إظهار قدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة في عمق الإقليم، تسعى طهران إلى التأكيد أنها ما تزال تمتلك حرية المبادرة في إحدى أكثر الساحات حساسية بالنسبة للولايات المتحدة، وأنها قادرة على التأثير في موازين الأمن الإقليمي من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن أو تل أبيب. وهي بذلك تحاول فرض معادلة مفادها أن الضغوط المفروضة عليها يمكن الرد عليها في ساحات النفوذ المحيطة بها، وليس فقط داخل حدودها الوطنية.
ومع ذلك، فإن استمرار هذا النمط من الضربات ينطوي على مخاطر استراتيجية كبيرة، إذ قد يؤدي إلى توسيع دائرة التوتر داخل العراق، وإضعاف استقرار إقليم كوردستان، وفتح المجال أمام مزيد من التنافس بين القوى الإقليمية والدولية على أرض عراقية تعاني أصلاً هشاشةً سياسية وأمنية. وفي حال تكررت هذه الضربات في سياق تصعيد أوسع، فإن الإقليم قد يتحول من منطقة نفوذ متنازع عليها إلى إحدى الجبهات المتقدمة في أي مواجهة إقليمية محتملة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
رابعاً: الخليج... اختبار أمن الطاقة العالمي
يمثل الخليج العربي أحد أهم المراكز الجيوسياسية والاقتصادية في العالم، إذ يحتضن أكبر احتياطات النفط والغاز، ويمر عبر مياهه جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية. ولذلك، فإن أي تهديد يستهدف منشآته الحيوية أو ممراته البحرية لا ينعكس على أمن دول المنطقة فحسب، بل يمتد أثره مباشرة إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق المال، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة الدولية.
وتدرك إيران أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لفرض معادلات ردع جديدة، لذلك تسعى إلى توظيف ما يمكن تسميته بـ«الردع الاقتصادي». فاستهداف البنية التحتية النفطية، أو الموانئ، أو شبكات الكهرباء، أو المنشآت اللوجستية، لا يهدف فقط إلى إلحاق خسائر مادية، بل إلى رفع كلفة أي مواجهة عسكرية محتملة، وإرسال رسالة إلى الولايات المتحدة وحلفائها بأن أي تصعيد ضد طهران ستكون له تداعيات اقتصادية تتجاوز حدود الإقليم.
كما تدرك طهران أن أمن الخليج لم يعد قضيةً محلية تخص دوله وحدها، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي. فتعطل صادرات النفط والغاز، أو اضطراب الملاحة في الممرات البحرية الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، كفيل بإحداث اضطرابات في أسعار الطاقة، وإرباك الأسواق العالمية، وفرض ضغوط اقتصادية على الدول الصناعية الكبرى.
ومن هذا المنطلق، تحاول إيران ترسيخ معادلة استراتيجية جديدة تقوم على مبدأ «إذا تعرض أمننا القومي للخطر، فلن يبقى أمن الطاقة العالمي بمنأى عن تداعيات المواجهة». وبذلك تنتقل معادلة الردع من الإطار العسكري التقليدي إلى فضاء أوسع، تتداخل فيه القوة العسكرية مع أوراق الاقتصاد والطاقة والجغرافيا، لتصبح كلفة الحرب أكبر بكثير من حدود الميدان العسكري نفسه.
خامساً: باكستان... رسائل ردع تتجاوز جنوب آسيا
بالتوازي مع التصعيد الإقليمي، برزت رسائل عسكرية باكستانية اتسمت بلهجة حازمة، عكست حرص إسلام آباد على التأكيد أنها ما تزال لاعباً يمتلك أدوات ردع مؤثرة، رغم انشغالها بتحدياتها الداخلية والإقليمية. ورغم أن باكستان ليست طرفاً مباشراً في معظم أزمات الشرق الأوسط، فإن امتلاكها السلاح النووي، وواحداً من أكبر الجيوش في العالم الإسلامي، يمنح أي موقف يصدر عنها بعداً استراتيجياً يتجاوز حدود جنوب آسيا.
وتأتي هذه الرسائل في سياق بيئة أمنية تشهد تغيرات متسارعة، حيث تراقب باكستان باهتمام التحولات الجارية في الخليج وإيران وأفغانستان وآسيا الوسطى، لما لها من انعكاسات مباشرة على أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية، ولا سيما في ظل تشابك الملفات الأمنية مع مشاريع النقل والطاقة، وتنامي الدور الصيني في المنطقة عبر مبادرة «الحزام والطريق» والممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني.
كما تحرص إسلام آباد على تأكيد أن أي اضطراب واسع في الإقليم لن يبقى بعيداً عن حساباتها الاستراتيجية، سواء من زاوية أمن الطاقة، أو استقرار طرق التجارة، أو موازين الردع النووي في جنوب آسيا. ومن هنا، يمكن فهم رسائلها العسكرية بوصفها إعلاناً عن الجاهزية، أكثر من كونها تمهيداً للانخراط المباشر في صراعات الشرق الأوسط، ورسالةً بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي إذا مست التحولات الإقليمية مصالحها الحيوية أو أخلّت بالتوازنات التي تؤثر في أمنها القومي.
سادساً: ترامب... الوثائق السرية كسلاح سياسي
في المشهد الأمريكي، لا تقل الوثائق السرية التي لوح الرئيس دونالد ترامب بالكشف عنها تأثيراً عن أدوات الردع التقليدية، وإن اختلفت طبيعة ميدانها. ففي الولايات المتحدة، كثيراً ما تتحول الوثائق والتقارير الاستخباراتية وملفات التحقيق إلى أدوات لإعادة تشكيل السردية السياسية، وكشف الصراعات داخل مؤسسات الدولة، والتأثير في موازين القوة بين البيت الأبيض، والأجهزة الأمنية، والكونغرس، والأحزاب السياسية.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة خطوة ترامب باعتبارها جزءاً من معركة سياسية داخلية تهدف إلى إعادة رسم المشهد الأمريكي قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. فالكشف عن وثائق قد تتضمن معلومات محرجة أو تثير تساؤلات حول أداء إدارات سابقة، أو مسؤولين محسوبين على الحزب الديمقراطي، من شأنه أن يعمق الانقسامات داخل الحزب، ويضع قياداته أمام ضغوط سياسية وإعلامية متزايدة، بما يضعف تماسكه الداخلي ويحد من قدرته على توحيد خطابه السياسي.
ولا تقتصر أهمية هذه الاستراتيجية على مضمون الوثائق بحد ذاته، بل تمتد إلى توقيت نشرها، وطريقة توظيفها في معركة الرأي العام. فالهدف في مثل هذه المواجهات لا يكون دائماً إدانة الخصم قانونياً، بقدر ما يكون استنزافه سياسياً، ودفعه إلى الانشغال بالدفاع عن نفسه، وإعادة فتح ملفات الماضي، بدلاً من التركيز على بناء خطاب انتخابي أو برنامج سياسي للمستقبل.
ومن زاوية تحليلية، يرى بعض الباحثين أن هذا النمط من إدارة الصراع السياسي يجد ما يشبهه في تجارب دول أخرى، حيث استخدمت التسريبات، أو الوثائق، أو ملفات الفساد، أو التحقيقات القضائية، بوصفها أدوات لإضعاف الخصوم من الداخل، وإثارة التنافس والانقسام داخل صفوفهم، بدلاً من الاكتفاء بالمواجهة السياسية المباشرة. وفي هذا السياق، يستحضر بعض المراقبين التجربة التركية خلال سنوات حكم حزب العدالة والتنمية، بوصفها مثالاً على توظيف الصراعات المؤسسية والإعلامية والقضائية في إعادة تشكيل موازين القوى داخل المشهد السياسي. غير أن هذه المقارنة تبقى في حدود التشابه في أساليب إدارة الصراع السياسي، ولا تعني تطابق السياقات القانونية أو الدستورية أو التاريخية بين الولايات المتحدة وتركيا.
وبذلك، تبدو الوثائق السرية في الحالة الأمريكية أكثر من مجرد ملفات مؤجلة للكشف؛ فهي تتحول إلى أداة في الصراع على الشرعية السياسية، وصناعة الرأي العام، وإعادة توزيع موازين القوة داخل النظام السياسي الأمريكي، في لحظة تتزايد فيها حدة الاستقطاب بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
سابعاً: شرق أوسط جديد أم مرحلة أكثر خطورة؟
عند قراءة هذه التطورات في إطارها الاستراتيجي، يتبين أن الشرق الأوسط لا يقف على أعتاب حرب شاملة بالمعنى التقليدي، بقدر ما يدخل مرحلة جديدة من الصراع تقوم على تعدد أدوات القوة وتداخل مستويات المواجهة. فلم تعد الحروب تخاض بالصواريخ والطائرات وحدها، بل باتت تشمل الاقتصاد، والطاقة، والاستخبارات، والحرب السيبرانية، والإعلام، والتسريبات السياسية، والعقوبات، في إطار صراع مركب تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين السلم والحرب.
وفي هذا المشهد، لم يعد الهدف الرئيس للقوى الإقليمية والدولية تحقيق انتصار عسكري حاسم، بل فرض معادلات ردع جديدة، وإعادة رسم مناطق النفوذ، ورفع كلفة أي مواجهة محتملة إلى الحد الذي يدفع الخصوم إلى إعادة حساباتهم قبل اتخاذ قرار التصعيد. ولهذا، أصبحت العمليات العسكرية المحدودة، والضغوط الاقتصادية، والحروب غير المباشرة، أدوات أكثر فاعلية من الحروب التقليدية واسعة النطاق، وإن كانت تحمل في طياتها مخاطر كبيرة ناجمة عن سوء التقدير أو خروج الأزمات عن نطاق السيطرة.
وفي المحصلة، يقف الشرق الأوسط أمام مرحلة انتقالية قد تعيد تشكيل النظام الإقليمي خلال السنوات المقبلة. فإيران تعمل على تثبيت شبكة ردع تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، وسوريا لا تزال تمثل العقدة الجيوسياسية الأكثر هشاشة في صراع النفوذ الإقليمي، بينما يظل الخليج مركزاً للتنافس على أمن الطاقة والتجارة العالمية. وفي المقابل، تسعى قوى أخرى، من بينها باكستان، إلى تأكيد حضورها ضمن معادلات الردع الجديدة، في حين تشهد الولايات المتحدة صراعاً سياسياً داخلياً يتخذ من الوثائق والتسريبات أداة لإعادة تشكيل التوازنات بين القوى الحزبية والمؤسساتية.
إن ما تشهده المنطقة اليوم ليس مجرد تصعيد عسكري عابر، بل بداية مرحلة تتداخل فيها إعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية مع التحولات التي يشهدها النظام الدولي. فكل ضربة عسكرية، وكل وثيقة تكشف، وكل رسالة ردع توجه، ليست سوى جزء من صراع أوسع على رسم خرائط النفوذ وتحديد مراكز القوة في الشرق الأوسط خلال العقد القادم.
وفي عالمٍ تتراجع فيه الحروب التقليدية أمام صراعات النفوذ المركبة، لم يعد السؤال: من سيطلق الرصاصة الأولى؟ بل أصبح: من سينجح في فرض قواعد اللعبة الجديدة قبل أن تطلق الرصاصة؟