هل يعاد التاريخ اليوم؟ وهل تسير الحركة السياسية الكوردية في سوريا على خطى الخلافات والانشقاقات التاريخية؟
- Super User
- مقالات سياسية
- الزيارات: 2066
بقلم: د. عدنان بوزان
يقال إن التاريخ لا يعيد نفسه بصورةٍ حرفية، لكنه كثيراً ما يعيد إنتاج أنماطه وأخطائه بأشكالٍ جديدة. وعند النظر إلى واقع الحركة السياسية الكوردية في سوريا اليوم، يبرز سؤال مشروع ومقلق في آنٍ واحد: هل تتجه هذه الحركة نحو تكرار التجارب التاريخية التي أضعفتها في مراحل سابقة؟ وهل تعود الخلافات والانشقاقات القديمة لتفرض نفسها من جديد في مرحلةٍ تحتاج فيها القضية الكوردية إلى أعلى درجات الوحدة والوعي والمسؤولية السياسية؟
لقد عانت الحركة السياسية الكوردية في سوريا، منذ نشأتها الحديثة، من ظاهرة الانقسامات التنظيمية والتنافس الحزبي الذي تجاوز، في كثير من الأحيان، حدود الاختلاف الطبيعي في الرؤى والبرامج السياسية. ومع مرور العقود، تحولت بعض الخلافات إلى انشقاقات متتالية أضعفت البنية التنظيمية للحركة، وأثّرت سلباً في قدرتها على تمثيل المطالب القومية والديمقراطية بصورة موحدة وفاعلة.
واليوم، ورغم التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا والمنطقة خلال السنوات الماضية، لا تزال بعض مظاهر الانقسام حاضرة بأشكال مختلفة. فبدلاً من أن تدفع التحديات المشتركة نحو تعزيز الشراكة السياسية وترسيخ الحوار الوطني الكوردي، ما تزال الخلافات الحزبية والإيديولوجية تلقي بظلالها على المشهد السياسي، الأمر الذي يثير مخاوف من إعادة إنتاج أخطاء الماضي في ظروف أكثر تعقيداً وحساسية.
غير أن المقارنة بين الماضي والحاضر لا تعني بالضرورة أن التاريخ يعيد نفسه بصورة كاملة. فهناك متغيرات جديدة لم تكن موجودة في العقود السابقة، من أبرزها ارتفاع مستوى الوعي السياسي لدى شرائح واسعة من المجتمع الكوردي، واتساع مساحة النقاش العام، وظهور جيل جديد أكثر إدراكاً لأهمية العمل المشترك وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية الضيقة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود الاختلافات السياسية بحد ذاتها، فالتعددية السياسية ظاهرة طبيعية وصحية في أي مجتمع يسعى إلى الديمقراطية، وإنما يكمن في تحويل هذه الاختلافات إلى صراعات تستنزف الطاقات وتضعف الموقف الكوردي في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب لا تخسر بسبب تنوع آرائها، بل بسبب عجزها عن إدارة هذا التنوع ضمن إطار من الحوار والاحترام المتبادل والشراكة الوطنية.
لذلك، فإن السؤال الأهم اليوم ليس ما إذا كان التاريخ سيعاد أم لا، بل ما إذا كانت القوى السياسية الكوردية قد استوعبت دروس الماضي بما يكفي لتجنب تكرار أخطائه. فالمستقبل لا يبنى على استحضار الخلافات القديمة وإعادة إنتاجها، بل على تحويل التجارب السابقة إلى خبرة سياسية تسهم في بناء رؤية مشتركة لمستقبل أكثر استقراراً وعدالةً وتمثيلاً لتطلعات المجتمع الكوردي.
وفي النهاية، تبقى القضية الكوردية أكبر من أي حزب، وأوسع من أي خلاف سياسي عابر. وإذا كان التاريخ يحمل دروساً قاسية، فإنه يمنح أيضاً فرصةً دائمة للمراجعة والتصحيح. ويبقى السؤال الذي سيحدد ملامح المرحلة المقبلة: هل تنتصر ذاكرة الانقسامات والصراعات القديمة، أم ينتصر وعي المسؤولية التاريخية والمصلحة الوطنية المشتركة؟