سوريا بين إعادة توزيع السلطة ومشروع التقسيم: من دمشق إلى حمص... خرائط النفوذ التي ترسم خلف الستار
- Super User
- التحليلات السياسية
- الزيارات: 174
بقلم: د. عدنان بوزان
لم تعد التطورات التي تشهدها سوريا قابلة للفهم من زاوية الصراع الداخلي على السلطة، أو من خلال الحديث عن إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد سقوط النظام السابق، بل باتت تستدعي قراءة أعمق تتجاوز المشهد السياسي الراهن إلى طبيعة التحولات الجيوسياسية التي قد تعيد رسم خريطة البلاد وحدود النفوذ فيها. فالمسألة لم تعد محصورة في هوية الحاكم الجديد أو شكل النظام السياسي الذي سيقام في دمشق، وإنما أصبحت مرتبطة بمستقبل الجغرافيا السورية، وبإعادة توزيع السلطة والسيادة بين مراكز إقليمية ومحلية، في ظل تقاطع المصالح الأمريكية والتركية والإسرائيلية. ومن هذا المنطلق، فإن ما يجري لا يمكن استبعاده من احتمالات الانتقال من مرحلة الصراع على حكم سوريا إلى مرحلة إعادة تشكيل سوريا نفسها.
لقد أشرتُ في قراءة سابقة إلى أن البلاد قد تكون مقبلة على مواجهة عسكرية جديدة، وأن الحرب القادمة لن تقتصر بالضرورة على صراع داخلي، بل قد تتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية، لتتحول إلى مدخل لإعادة ترتيب مناطق النفوذ. وكنت قد توقعت أن يكون جنوب سوريا في مقدمة المناطق التي ستشهد تحولات عميقة، وأن تداعياتها قد تمتد إلى محيط العاصمة دمشق، وربما تؤدي إلى تغيير موقعها بوصفها مركزاً سياسياً وإدارياً للدولة. واليوم، مع تزايد التسريبات المتعلقة بنقل مؤسسات حكومية وسيادية إلى مدن سورية أخرى، تبرز مؤشرات تستحق التوقف عندها، ولا سيما ما نشرته صحيفة تركية نقلاً عن مصدر مسؤول في الحكومة السورية لم تكشف عن هويته، بشأن التفكير في نقل بعض الوزارات إلى حلب، ووزارة الدفاع إلى حماة. ورغم أن هذه المعلومات لا ترقى وحدها إلى مستوى القرار الرسمي، فإن دلالتها السياسية تستحق القراءة في سياق التحولات الأوسع التي تشهدها البلاد.
في تقديري، لا ينبغي التعامل مع الحديث عن حلب وحماة باعتباره مجرد إجراء إداري أو محاولة لتخفيف العبء عن العاصمة، بل يجب وضعه ضمن احتمال إعادة توزيع مراكز السلطة في سوريا. فدمشق التي ظلت لعقود مركز القرار السياسي والعسكري والأمني، قد تواجه واقعاً مختلفاً إذا تعرض محيطها الجنوبي لتغييرات جغرافية وأمنية تقلص قدرة الحكومة المركزية على ممارسة سلطتها. ومن هنا أرى أن نقل الوزارات إلى حلب، ووزارة الدفاع إلى حماة، قد يكون جزءاً من ترتيبات انتقالية أوسع، بينما تبرز حمص بوصفها المرشح الجغرافي والسياسي الأكثر أهمية لتكون مركز الحكم الجديد، إذا انتهت التحولات المرتقبة إلى إعادة تشكيل الدولة السورية.
فحمص تحتل موقعاً استراتيجياً في قلب الجغرافيا السورية، وتشكل نقطة اتصال بين دمشق والساحل وحماة وحلب، فضلاً عن أهميتها في الربط بين المناطق الداخلية والشمالية والغربية. ولذلك فإن انتقال مركز السلطة إليها، في حال تعذر استمرار دمشق بوصفها عاصمة سياسية وأمنية فاعلة، ليس احتمالاً يمكن تجاهله. وقد تنتهي إعادة توزيع المؤسسات بين حلب وحماة وغيرها إلى تثبيت حمص مركزاً سياسياً لدولة سورية جديدة ذات غالبية سنية، فيما تتخذ المناطق الأخرى أشكالاً مختلفة من الإدارة والحكم والارتباطات الأمنية. ولا أطرح ذلك باعتباره قراراً معلناً أو حقيقة محسومة، بل باعتباره السيناريو الذي أقرأه من خلال الموقع الجغرافي لحمص وطبيعة التحولات المحتملة في بنية الدولة.
أما جنوب سوريا، فيمثل إحدى أكثر ساحات إعادة تشكيل النفوذ حساسية، نظراً إلى ارتباطه المباشر بالحسابات الأمنية الإسرائيلية. فإسرائيل لا تتعامل مع الجنوب باعتباره مجرد منطقة حدودية تحتاج إلى ترتيبات عسكرية مؤقتة، بل إن تحركاتها ومطالبها الأمنية وتدخلاتها الميدانية تفتح المجال أمام احتمال فرض واقع سياسي وأمني طويل الأمد، تتجاوز آثاره مفهوم المنطقة العازلة إلى إعادة تحديد طبيعة السلطة التي يمكن أن تمارس نفوذها في تلك المنطقة. وفي هذا السياق، يصبح مستقبل السويداء ودرعا والقنيطرة ومحيط دمشق الجنوبي جزءاً من معادلة واحدة، لا يمكن فصلها عن التفاهمات الإقليمية والدولية المتعلقة بمستقبل سوريا.
والسيناريو الذي أضعه أمام هذا المشهد هو احتمال تشكل كيان درزي في الجنوب السوري، يتمتع باستقلالية سياسية وأمنية واسعة، تحت مظلة حماية إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة، بما قد يؤدي إلى إخراج أجزاء من الجنوب تدريجياً من دائرة السيطرة الفعلية لدمشق. وقد يمتد هذا الترتيب، وفقاً للحدود الجغرافية والأمنية التي يمكن أن تفرضها التطورات، إلى مناطق من محيط العاصمة، ولا سيما جرمانا ومناطق جنوب دمشق. ولا يعني ذلك أن هذه المناطق أصبحت بالفعل جزءاً من كيان منفصل، أو أن اتفاقاً موثقاً قد حسم مصيرها، وإنما أن موقعها الجغرافي وتركيبتها المحلية يجعلانها حاضرة في أي تصور لإعادة ترتيب الجنوب ومحيط العاصمة.
وتزداد أهمية هذا الاحتمال عند وضعه في سياق الاتصالات الأمريكية المتعلقة بالعلاقة بين دمشق وتل أبيب. فلقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع في واشنطن، والاتصالات المتعلقة بالترتيبات الأمنية بين سوريا وإسرائيل، يضعان الملف السوري ضمن مسار تفاوضي أوسع، تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والسياسية. ومن هنا أطرح فرضية وجود تفاهمات غير معلنة، أو ترتيبات يجري التفاوض عليها بعيداً عن الأضواء، قد تتجاوز مسألة وقف التصعيد العسكري إلى إعادة توزيع مناطق النفوذ. أما القول بوجود اتفاق سري مكتمل بين الشرع وإسرائيل، برعاية أمريكية، يقضي بوضع الجنوب ومناطق من دمشق تحت نفوذ كيان درزي محمي إسرائيلياً، فهو استنتاج سياسي محتمل في إطار هذه القراءة، وليس واقعة مثبتة بوثيقة أو إعلان رسمي. غير أن غياب الإعلان لا يلغي أهمية دراسة الاتجاهات التي قد تقود إلى مثل هذا السيناريو.
وفي المقابل، لا يمكن فصل مستقبل الساحل السوري عن عملية إعادة تشكيل الدولة. فاللاذقية وطرطوس تمثلان مجالاً جغرافياً واستراتيجياً له خصوصيته السكانية والاقتصادية والعسكرية، كما أن موقعهما على البحر المتوسط يمنحهما أهمية تتجاوز حدود الإدارة المحلية. ومن هذا المنطلق، يبرز احتمال تحولهما إلى إقليم خاص يتمتع بصلاحيات إدارية وسياسية وأمنية واسعة، وربما بترتيبات تضمن له استقلالية فعلية عن المركز، مع الإبقاء على روابط دستورية واقتصادية شكلية مع الدولة السورية. وبذلك لا يكون الساحل مجرد منطقة ذات إدارة محلية، بل جزءاً من منظومة أقاليم تتوزع بينها السلطة الفعلية، وفق توازنات داخلية وضمانات خارجية.
أما الشمال السوري، وتحديداً المناطق الكوردية، فيمثل الملف الأكثر ارتباطاً بالتوازنات التركية ومستقبل القضية الكوردية في المنطقة. فتركيا لا تنظر إلى هذا الملف من زاوية وحدة الأراضي السورية وحدها، وإنما من منظور أمنها القومي ومنع قيام كيان كوردي مستقل يمتلك مقومات سياسية وعسكرية وجغرافية قابلة للتطور. ولذلك فإن أي صيغة مستقبلية لإقليم كوردي في شمال سوريا ستكون، على الأرجح، موضع تفاوض بين أنقرة وواشنطن ودمشق، ولن تنفصل عن الشروط التركية المتعلقة بالبنية العسكرية والسياسية الكوردية.
وفي هذا الإطار، أرى أن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في قيام إقليم كوردي يتمتع بإدارة ذاتية وصلاحيات دستورية وإدارية، لكنه يبقى ضمن سقف سياسي وأمني تتأثر حدوده بالنفوذ التركي، مقابل إنهاء البنية المسلحة لحزب العمال الكردستاني وإعادة صياغة المشروع السياسي الكوردي بما يتوافق مع الترتيبات الإقليمية الجديدة. وقد يقدم هذا المسار باعتباره تسوية للقضية الكوردية في سوريا، بينما تكمن إشكاليته الأساسية في احتمال تحويل المطالب القومية والسياسية إلى حقوق إدارية محصورة ضمن حدود الدولة السورية، من دون الاعتراف الكامل بالحقوق القومية والدستورية للكورد.
ومن هنا تكتسب التطورات المتعلقة بمسار عبد الله أوجلان وحزب العمال الكردستاني أهمية تتجاوز مسألة إنهاء الصراع المسلح. فالمفاوضات التركية والحديث عن نزع السلاح وإعادة ترتيب مستقبل الحزب قد تكون جزءاً من عملية أوسع لإعادة صياغة الملف الكوردي في المنطقة، بما يتيح لأنقرة تحقيق أهدافها الأمنية، ويفتح في الوقت نفسه المجال أمام ترتيبات جديدة في شمال سوريا. كما أن ما يتداول بشأن وضع أوجلان في جزيرة إيمرالي ودوره في المرحلة المقبلة ينبغي قراءته ضمن السياق السياسي العام، بعيداً عن الاكتفاء بالتوصيفات المتداولة لوضعه القانوني أو الاعتقالي. فالمسألة الجوهرية هي طبيعة الدور الذي يمكن أن يؤديه في إعادة ترتيب الحركة الكوردية وإنهاء الصراع المسلح.
لكن ينبغي التمييز هنا بين إنهاء العمل المسلح وإنهاء القضية الكوردية؛ فالأول إجراء أمني وسياسي، أما الثاني فليس أمراً يمكن تحقيقه بقرار أو تفاهم بين الحكومات. إذ إن القضية الكوردية ترتبط بحقوق قومية وتاريخية وسياسية ودستورية لا تختزلها مسألة السلاح، ولا يمكن أن تتحول إلى مجرد ملف أمني تديره أنقرة وفق مصالحها. ولذلك فإن احتمال قيام إقليم كوردي تحت تأثير تركي، مقابل إنهاء المشروع المسلح، يطرح سؤالاً أساسياً حول طبيعة التسوية: هل ستكون مدخلاً للاعتراف بالحقوق الكوردية وترسيخها دستورياً، أم وسيلة لاحتواء المشروع القومي وإعادة تحديد سقوفه بما يتناسب مع التوازنات الإقليمية؟
وعند جمع هذه الملفات، تتضح أهمية الدور الأمريكي في إدارة التناقضات بين أنقرة وتل أبيب ودمشق. فالولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت توازنات أمنية وسياسية تحافظ على مصالحها ونفوذها، وتمنع تحول سوريا إلى ساحة مواجهة إقليمية مفتوحة. وتركيا تسعى إلى إعادة ترتيب الشمال السوري وإنهاء التهديدات التي تراها مرتبطة بالوجود العسكري الكوردي، فيما تعمل إسرائيل على فرض معادلات أمنية جديدة في الجنوب، وتحتاج الحكومة السورية الحالية إلى الاعتراف الدولي والدعم السياسي والاقتصادي وتثبيت سلطتها. وهذه المصالح المتقاطعة قد تفتح المجال أمام تفاهمات متدرجة، يحصل بموجبها كل طرف على ضمانات أو مكاسب في منطقة معينة، مقابل تقديم تنازلات في ملفات أخرى.
ومن هنا يمكن تصور خريطة سياسية سورية جديدة تتوزع فيها البلاد على أربعة مجالات رئيسية: جنوب ذو خصوصية درزية وترتيبات أمنية مرتبطة بإسرائيل؛ وساحل يتمتع بوضع إقليمي خاص؛ وشمال كوردي تحكمه صيغة إدارية وسياسية تتأثر بالتفاهمات التركية؛ ومنطقة داخلية مركزية ذات غالبية سنية، قد ينتقل مركز حكمها من دمشق إلى حمص، مع توزيع المؤسسات العسكرية والإدارية بين حماة وحلب ومدن أخرى. ولا يعني هذا التصور بالضرورة نشوء أربع دول مستقلة أو ترسيم حدود دولية جديدة، بل قد يأخذ شكل أقاليم تتمتع بدرجات متفاوتة من الحكم الذاتي والاستقلالية الأمنية، بينما تبقى الدولة السورية موحدة في الشكل القانوني، ومجزأة في مراكز القرار الفعلية.
وهنا تكمن النقطة الأكثر أهمية في قراءة ما يجري: إن التقسيم المحتمل لسوريا قد لا يأتي عبر إعلان سياسي صريح أو اتفاق دولي معلن، وإنما من خلال فرض وقائع متراكمة تبدأ بترتيبات أمنية، ثم تتحول إلى إدارات محلية، فصلاحيات سياسية موسعة، وصولاً إلى كيانات ترتبط بضمانات وقوى خارجية. وعندها قد تبقى الحدود السورية كما هي، ويرفع علم واحد في المؤسسات الرسمية، لكن القرار العسكري والأمني والسياسي يصبح موزعاً بين مراكز متعددة، ولا تعود دمشق قادرة على ممارسة سلطتها بصورة متساوية على كامل الجغرافيا السورية.
وفي هذا السياق، تكتسب تسريبات نقل الوزارات والمؤسسات السيادية أهمية إضافية، ولا سيما ما نشرته الصحيفة التركية في الثالث من تشرين الثاني 2026 بشأن نقل عدد من الوزارات إلى حلب ووزارة الدفاع إلى حماة، مع تداول تصورات أخرى تتعلق بتوزيع مؤسسات الدولة على مدن ومناطق سورية مختلفة. فإذا صحت هذه المعلومات، فإنها تفتح الباب أمام قراءة تتجاوز إعادة تنظيم الإدارة الحكومية إلى احتمال إعادة توزيع مراكز السلطة. فالسؤال لم يعد لماذا تنقل وزارة من دمشق إلى حلب أو حماة فحسب، بل ما طبيعة الدولة التي يجري إعداد مؤسساتها، وما إذا كان هذا التوزيع مقدمة لانتقال مركز الحكم إلى حمص، في ظل تغير موقع دمشق ضمن المعادلة الأمنية والسياسية الجديدة.
إن ما أراه في مجمل هذه التطورات هو احتمال انتقال سوريا من نموذج الدولة المركزية التي تحتكر فيها العاصمة القرار السياسي والعسكري إلى نموذج تتعدد فيه مراكز السلطة ومناطق النفوذ، بحيث تحتفظ الحكومة المركزية بإدارة جزء من المؤسسات، فيما تتمتع الأقاليم الأخرى بصلاحيات وترتيبات أمنية وسياسية مختلفة، تتداخل فيها المصالح المحلية مع الضمانات الخارجية. وقد يكون هذا التحول مقدمة لتقسيم فعلي لا يحتاج إلى إعلان رسمي، لأن تقسيم القرار قد يسبق تقسيم الأرض، وتفكيك السيادة قد يحدث قبل تغيير الخرائط.
وبذلك فإن الحديث عن نقل الوزارات إلى حلب وحماة، واحتمال انتقال مركز الحكم إلى حمص، ومستقبل الجنوب والساحل والشمال الكوردي، لا ينبغي قراءته بوصفه مجموعة أحداث منفصلة، بل ضمن مشهد واحد تتقاطع فيه الجغرافيا بالسياسة، والأمن بالمصالح الدولية، والتسويات المحلية بالمشاريع الإقليمية. وقد تكون سوريا مقبلة على مرحلة لا تتغير فيها السلطة وحدها، بل تتغير معها طبيعة الدولة وحدود سيادتها ومراكز قرارها.
إن ما يثير القلق في هذا المسار ليس مجرد احتمال تغيير العاصمة أو إنشاء أقاليم جديدة، بل أن تتحول سوريا إلى مساحة لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الخارجية، من دون أن يكون للسوريين دور حقيقي في تحديد مستقبل بلادهم. فالدولة التي تعاد صياغة جغرافيتها وفق تفاهمات الآخرين قد تحتفظ باسمها وحدودها وعلمها، لكنها تفقد تدريجياً قدرتها على اتخاذ قراراتها السيادية بصورة مستقلة.
قد لا نشهد إعلاناً رسمياً عن تقسيم سوريا، لكننا قد نشهد تكريس تقسيمها الفعلي عبر أقاليم ومراكز نفوذ متعددة، لكل منها ترتيباته الأمنية والسياسية وارتباطاته الخارجية. وعندها لن يكون السؤال من يحكم دمشق، ولا أين تنتقل الوزارات، بل ماذا بقي من الدولة السورية نفسها، وهل ستظل سوريا دولة واحدة بقرار سيادي واحد، أم ستتحول إلى جغرافيا موحدة على الخرائط ومجزأة في السياسة والواقع؟