أين دمي… يا رائحةَ الدِّرْدار؟ ديوانٌ شعريٌّ للدكتور عدنان بوزان
- Super User
- مؤلفاتي الأدبية
- الزيارات: 1175
في زمنٍ يتكاثر فيه الصمت حتى يغدو لغةً بديلة، ويضيق فيه المعنى حتى يكاد يختنق بين ضجيج العالم، يعود هذا الديوان ليطرح سؤاله الأول والأبدي: أين دمي؟
ليس سؤالاً عابراً، ولا صرخةً آنية، بل هو جرحٌ مفتوح على اتساع الذاكرة، يتكئ على رائحة الدردار؛ تلك الرائحة التي لا تنتمي فقط إلى الشجر، بل إلى الأرض حين تخفي دماءها، وإلى الإنسان حين يفقد صوته في زحام القهر.
هذا الديوان، في طبعته الثانية، لا يعود بوصفه نصوصاً قديمة أُعيد نشرها، بل بوصفه كائناً حياً نجا من الزمن، وعاد ليعيد مساءلتنا من جديد. لقد صدر للمرة الأولى عام 2009، في مرحلة كانت تتشكل فيها الأسئلة الكبرى على نحوٍ خفي، قبل أن تنفجر في وجوهنا وقائعَ دامية. واليوم، إذ ينشر من جديد عبر فضاءٍ إلكتروني، فإنه لا يكتفي باستعادة ذاته، بل يعيد إنتاجها ضمن سياقٍ أكثر اتساعاً، حيث تتداخل الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، ويتحول الشعر إلى وثيقةٍ وجدانية وسياسية في آنٍ معاً.
يقع هذا العمل في 137 صفحة من القطع المتوسط، ويضم بين دفتيه 31 قصيدة. غير أنّ الأرقام هنا لا تختزل التجربة، بل تلمح فقط إلى حجمها الظاهري. أما في عمق النص، فنحن أمام عالمٍ متشظٍّ، تتجاور فيه الذات مع الوطن، والحب مع الفقد، والحنين مع الغضب، في نسيجٍ لغويٍّ كثيف يفيض بالصور والاستعارات، ويستدعي قارئه لا ليقرأ فقط، بل ليصغي… إلى ما بين الكلمات.
إنّ «رائحة الدردار» ليست مجرد عنوانٍ جمالي، بل هي مفتاحٌ تأويلي يفتح أبواب النص على مستوياتٍ متعددة من الدلالة. فالدردار، بما يحمله من حضورٍ طبيعي، يتحول
هنا إلى شاهدٍ صامت على الألم، إلى ذاكرةٍ نباتية تحفظ ما عجز الإنسان عن قوله. ومن هذا التوتر بين الطبيعة والتاريخ، بين الجسد والغياب، ينبثق السؤال: أين الدم؟ أهو دم الفرد الذي أُريق في العتمة؟ أم دم الجماعة الذي ضاع في خرائط السياسة؟ أم هو ذلك الدم الرمزي الذي يشير إلى المعنى حين يستنزف حتى الفراغ؟
في هذا الديوان، يتخذ الشعر موقعه بين الأدب والسياسة، لا بوصفه خطاباً مباشراً أو شعاراتياً، بل بوصفه تجربةً وجودية تقارب الواقع من زاوية الألم الإنساني العميق. هنا لا تفصل اللغة عن سياقها، ولا تعزل الصورة عن دلالتها، بل تتشابك العناصر كلها لتنتج نصاً يقف على تخوم الجمال والوجع. إنه شعرٌ يرفض التزيين الفارغ، ويذهب مباشرةً إلى جوهر الأشياء، حيث الحقيقة عارية، والإنسان في مواجهة نفسه.
وإذا كان هذا الديوان يعلن انتماءه إلى الأدب السياسي، فإنه يفعل ذلك من داخل اللغة لا من خارجها. فالسياسة هنا ليست موضوعاً، بل قدرٌ يتسرب إلى التفاصيل اليومية: إلى العلاقات، إلى الذاكرة، إلى الحلم. لذلك، فإن القصائد لا تلقي خطباً، بل تنبض، تتألم، وتتمرد، كأنها كائناتٌ تبحث عن خلاصها الخاص في عالمٍ يضيق بها.
إن إعادة نشر هذا العمل اليوم ليست مجرد فعل أرشفة أو استعادة، بل هي موقفٌ معرفي وجمالي في آنٍ واحد. فالنص الذي كتب في سياقٍ معين يعود اليوم ليقرأ في سياقات متعددة، فيعيد إنتاج أسئلته، ويمنحها أبعاداً جديدة. وهذا ما يجعل من هذا الديوان نصاً مفتوحاً، لا ينتمي إلى لحظةٍ واحدة، بل يمتد عبر الزمن، كأنه يحاور المستقبل بقدر ما يستعيد الماضي.
«أين دمي… يا رائحة الدردار؟» ليس مجرد ديوان شعري، بل هو محاولة للقبض على المعنى في لحظة انكساره، ومحاولة لكتابة الذاكرة وهي تنزف، ومحاولة أخيرة لطرح السؤال في وجه الصمت:
هل ما زال فينا ما يستحق أن يسمى دماً؟
أم أننا، في زحام هذا العالم، فقدنا حتى قدرتنا على الشعور بأننا ننزف؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يمكنك قراءة الديوان إلكترونياً من خلال الرابط الآتي.
https://online.fliphtml5.com/uczyba/pcwe/#p=1
للقراءة والتنزيل، اضغط على الملف في الأسفل.