بقلم: د. عدنان بوزان
ليست مسألة العنف، أو ما يصطلح عليه في الخطاب السياسي والقانوني بـ«الإرهاب»، ظاهرة تولد مكتملة في لحظة مفاجئة داخل الإنسان، وكأنها جوهر ثابت في الطبيعة البشرية، بل هي – في جوهرها الأعمق – نتاجٌ مركب لتفاعل طويل ومعقد بين الفرد وبنى المجتمع، وبين الوعي واللاوعي، وبين القانون المختل والعدالة الغائبة، وبين التربية والانحراف البنيوي في البيئة المحيطة.
من منظور فلسفة القانون وعلم الاجتماع الجنائي، لا يمكن فهم السلوك الإجرامي الخطير بوصفه انحرافاً فردياً معزولاً فحسب، بل بوصفه أيضاً انعكاساً لاختلالات أوسع في البناء الاجتماعي. فالفرد لا يعيش في فراغ، بل يتكون داخل منظومة متشابكة من القيم والرموز والمؤسسات والضغوط الاقتصادية والسياسية والثقافية. ومن ثم، فإن أي تحليل يختزل الظاهرة في الإرادة الفردية المجردة إنما يتجاهل جزءاً جوهرياً من الحقيقة، ويقع في تبسيط مخل لطبيعة السلوك الإنساني.
إن القول بأن الإنسان «يولد إرهابياً» قول يفتقر إلى أساسه العلمي والفلسفي، لأن الإنسان في لحظة ولادته يكون صفحةً مفتوحة قابلة للتشكل، تتكون تدريجياً عبر التربية، والتعليم، والتنشئة الاجتماعية، وأنماط السلطة داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع والدولة. وعليه، فإن الانحرافات السلوكية الحادة لا تظهر عادةً كطفرة مفاجئة، بل كمسار تراكمي طويل يبدأ من الإقصاء والتهميش، ويمر بفقدان المعنى والشعور بالظلم، وصولاً إلى الانفجار السلوكي في صورته العنيفة.
غير أنه، وفي المقابل، لا يجوز الوقوع في حتمية اجتماعية مطلقة تسقط المسؤولية عن الفرد كلياً. فالفرد يظل، في إطار الفلسفة الأخلاقية والقانون الوضعي، كائناً مسؤولاً يمتلك قدراً من الاختيار حتى داخل أكثر البيئات قسوة. غير أن هذا الاختيار نفسه لا ينفصل عن مستوى الوعي المتاح، ولا عن عدالة الفرص، ولا عن طبيعة النظام الاجتماعي الذي يحيط به ويؤثر في قراراته.
ومن هنا يمكن فهم الظاهرة بوصفها نتيجة تفاعل بين مستويين متداخلين:
أولاً: مستوى بنيوي اجتماعي، يتمثل في الفقر، والجهل، وضعف التعليم، وانغلاق الفكر، وهيمنة العصبيات الدينية أو القبلية أو الأيديولوجية، وتراكم الإحساس بالظلم أو الإقصاء، وانعدام العدالة الاجتماعية.
ثانياً: مستوى فردي نفسي، يتمثل في هشاشة الهوية، وضعف المناعة الفكرية، والقابلية للتأثر بخطابات العنف، خاصة عندما تتحول هذه الخطابات إلى بدائل نفسية عن المعنى والانتماء والكرامة.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن العنف المتطرف، في بعض صوره، ليس إلا عرضاً لمرض اجتماعي أعمق، لا مجرد انحراف فردي معزول. فالمجتمع الذي يعاني من أزمات مزمنة في التعليم، ومن ضعف في مؤسساته الثقافية، ومن انغلاق في فضاء الحوار، ومن خلل في توزيع العدالة والفرص، هو مجتمع ينتج – بشكل مباشر أو غير مباشر – بيئات قابلة لنمو أشكال متعددة من التطرف.
ومع ذلك، فإن هذا التحليل لا يفهم على أنه تبرير للفعل العنيف أو تخفيف من وطأته القانونية أو الأخلاقية. فالقانون في صيغته الحديثة يميز بوضوح بين تفسير الظاهرة وفهم جذورها من جهة، وبين تبريرها أو قبولها من جهة أخرى. فالفعل العنيف ضد الأبرياء يظل فعلاً مجرماً، لأنه يخرق العقد الاجتماعي ويهدد وجود الجماعة الإنسانية ذاتها.
لكن العدالة القانونية لا تكتمل بالعقاب وحده، بل تبدأ من الوقاية. وهنا تبرز الإشكالية الجوهرية: إذا أُريد الحد من الظواهر العنيفة المتطرفة، فإن التركيز لا ينبغي أن ينحصر في النتائج، بل يجب أن يمتد إلى الجذور. أي إلى إصلاح التعليم، وتفكيك بنى الجهل، وبناء ثقافة نقدية عقلانية، وتعزيز قيم المواطنة، وتقوية مؤسسات العدالة الاجتماعية، وفتح المجال أمام الحوار بدل الإقصاء.
فالمجتمع الذي ينتج أفراداً قادرين على التفكير الحر، وطرح الأسئلة، ونقد السلطة والمعرفة دون خوف، هو مجتمع تقل فيه احتمالات الانزلاق نحو العنف، لأن الإنسان فيه يجد معنى لوجوده داخل النظام الاجتماعي لا خارجه.
يمكن القول إن مسؤولية الظاهرة ليست أحادية الاتجاه، بل هي مسؤولية مركبة تتوزع بين البنية والوعي، وبين التربية والقرار، وبين القانون والثقافة. فلا يمكن تحميل الفرد وحده كل أعباء الانحراف، كما لا يمكن إعفاء المجتمع من مسؤوليته في إنتاج الشروط التي تسمح بظهور هذا الانحراف.
وتبقى الحقيقة الأساسية أن ارتفاع مستوى الوعي المجتمعي، وتعمق الثقافة، وتوسع العدالة، يؤدي بصورة طبيعية إلى انحسار مساحات العنف والتطرف، دون الحاجة إلى اختزال الظاهرة في تفسير فردي ضيق أو في تبرئة اجتماعية شاملة.
وهكذا، يصبح السؤال الجوهري ليس: من المسؤول فقط؟
بل: كيف نبني مجتمعاً لا يجبر فيه الإنسان على أن يتحول إلى نسخة مشوهة من ذاته كي يجد مكانه في العالم؟