بقلم: د. عدنان بوزان
حين تقرأ الحالة السورية اليوم بعيداً عن لغة المجاملة السياسية وخطاب التبرير، فإنها لا تبدو مجرد أزمة عابرة أو تعثر في مسار الدولة، بل تبدو أقرب إلى منظومة حكم فقدت قدرتها على إنتاج الشرعية السياسية الحقيقية، وتحولت إلى بنية مغلقة تدار بمنطق القوة لا بمنطق الدولة. إنها “سفينة بلا قبطان” بالمعنى السياسي الدقيق؛ سفينة تتحرك فوق بحر من الانقسامات الاجتماعية والقومية والسياسية، دون رؤية وطنية جامعة، ودون عقد اجتماعي يعيد تعريف معنى المواطنة والمشاركة.
وفي هذا السياق، لا تعود استعارة “سفينة الحمقى” مجرد صورة بلاغية، بل تصبح توصيفاً سياسياً مباشراً لبنية سلطة أعادت إنتاج نفسها عبر الإقصاء لا عبر التمثيل، وعبر التحكم لا عبر التوافق. إنها سلطة لم تنجح في تحويل التعدد السوري إلى مصدر قوة، بل تعاملت معه كتهديد يجب ضبطه أو احتواؤه، ما أدى إلى تعميق الانقسام بدل تجاوزه، وإلى تفكيك المجال السياسي بدل توحيده.
بهذا المعنى، لا تبدو الأزمة السورية أزمة إدارة فقط، بل أزمة مفهوم الدولة ذاته: دولة تصر على تمثيل المجتمع دون أن تسمح له فعلياً بأن يكون شريكاً في إنتاج القرار السياسي.
أولاً: السلطة السورية وتحول الدولة إلى جهاز إدارة مغلق
إن بنية السلطة في سوريا اليوم تظهر بوضوح انتقال الدولة من كونها إطاراً سياسياً جامعاً لإدارة التعدد الاجتماعي إلى جهاز إداري–أمني مغلق يعيد إنتاج شرعيته من داخل ذاته، لا من المجتمع الذي يفترض أنه مصدر هذه الشرعية. فالمركزية الشديدة لم تعد مجرد خيار تنظيمي، بل أصبحت بنية حكم تختزل فيها السياسة داخل دائرة ضيقة من القرار، تدار بمنطق السيطرة أكثر مما تدار بمنطق التمثيل أو التعاقد الاجتماعي.
وفي هذا السياق، يبدو “مجلس الشعب السوري” في صيغته الحالية أقرب إلى مؤسسة وظيفية داخل منظومة السلطة، منه إلى برلمان تعددي مستقل يعكس توازنات المجتمع السوري بكل تعقيداته. فهو لا يعمل كفضاء مفتوح للصراع السياسي المشروع، بل كجهاز منضبط ضمن هندسة سياسية مسبقة، تحدد فيها حدود الفعل السياسي الممكن، وسقف الخطاب المسموح، واتجاهات التمثيل التي لا تخرج عن الإطار العام للسلطة التنفيذية.
ومن هنا، تصبح العملية الانتخابية نفسها جزءاً من إدارة الاستمرارية السياسية، لا أداة لإنتاج التغيير أو تداول السلطة. فالانتخابات في هذا السياق لا تفهم كتنافس بين رؤى سياسية متباينة، بل كآلية لإعادة توزيع الأدوار داخل البنية ذاتها، بما يضمن بقاء النسق السياسي القائم دون اختراقات جوهرية. إن ما يجري هو أقرب إلى إعادة تدوير للنخب ضمن حدود مرسومة سلفاً، لا إلى انفتاح حقيقي على الإرادة الشعبية.
وبالتالي، فإن مفهوم “الانتقاء” يطغى عملياً على مفهوم “الاختيار”، حيث يتم ضبط المجال السياسي بطريقة تجعل من نتائج العملية الانتخابية انعكاساً مسبق التشكيل لبنية السلطة، وليس تعبيراً حراً عن المجتمع. وهنا يفقد الفعل الانتخابي جوهره كآلية ديمقراطية قائمة على التعدد والتنافس، ويتحول إلى إجراء شكلي يضفي شرعية إجرائية على واقع سياسي قائم مسبقاً.
في ظل هذا الواقع، لا تعود الديمقراطية سوى غطاء لغوي–إجرائي يستخدم لتثبيت البنية القائمة، لا لتجاوزها أو تعديلها. فصندوق الاقتراع، بدلاً من أن يكون أداة لتجديد الشرعية، يتحول إلى رمز لاستمرارية نفس المنطق السياسي، حيث يعاد إنتاج نفس التوازنات داخل إطار يبدو ديمقراطياً في الشكل، لكنه مغلق في المضمون.
وهكذا، تتجلى الأزمة ليس فقط في أداء المؤسسات، بل في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث تدار السياسة من الأعلى إلى الأسفل، بينما يختزل المجتمع إلى متلقٍ للقرارات، لا شريك في صناعتها.
ثانياً: انهيار التمثيل السياسي وتآكل فكرة البرلمان
في البنى السياسية الطبيعية، يفترض أن يكون البرلمان التجسيد الأعلى لفكرة التمثيل الديمقراطي، أي الفضاء الذي تتحول فيه التعددية الاجتماعية والسياسية إلى صراع مشروع ومنظم داخل إطار الدولة، لا خارجها. فهو المؤسسة التي تدار فيها الخلافات لا بوصفها تهديداً للوحدة، بل بوصفها شرطاً لصناعة التوازن السياسي واستمرار العقد الاجتماعي.
لكن في الحالة السورية، وبفعل طبيعة تطور السلطة خلال العقود الماضية، تم تفريغ هذه الوظيفة الجوهرية تدريجياً، حتى غدا “مجلس الشعب” أقرب إلى مؤسسة تسجيل سياسي منه إلى مؤسسة تشريعية تمثيلية. فبدلاً من أن يكون ساحة حقيقية لتداول الأفكار والمشاريع السياسية المتنافسة، تحول إلى إطار يكرس الموجود أكثر مما يعيد تشكيله، ويعيد إنتاج التوازنات القائمة بدل أن يفتح المجال لإعادة تعريفها.
إن هذا التآكل في الوظيفة التمثيلية لا يمكن قراءته بوصفه خللاً إدارياً أو نقصاً تقنياً في آليات العمل البرلماني، بل هو تعبير عن أزمة أعمق تتعلق بجوهر التمثيل السياسي نفسه. فالمشكلة ليست في عدد المقاعد أو شكل العملية الانتخابية فقط، بل في غياب الفضاء السياسي الذي يسمح بوجود تمثيل حقيقي للمجتمع السوري بكل تنوعاته القومية والاجتماعية والسياسية.
وعندما يغيب هذا التمثيل الفعلي، لا تختفي السياسة، بل تخرج من المؤسسات إلى خارجها. أي أن غياب التعدد داخل البرلمان لا يؤدي إلى استقرار سياسي، بل إلى إعادة إنتاج التوتر في أشكال أخرى، خارج الإطار المؤسسي الرسمي. وهنا تبدأ الانقسامات في التبلور ليس فقط سياسياً، بل اجتماعياً وجغرافياً أيضاً، حيث تتشكل مناطق نفوذ وهويات سياسية متمايزة، تتعامل مع الدولة المركزية بدرجات متفاوتة من القبول أو القطيعة أو التحفظ.
إن أخطر ما في هذا التحول ليس فقط غياب التمثيل، بل تحوله إلى غياب مستمر يعاد إنتاجه دورياً، بحيث يصبح “الفراغ التمثيلي” جزءاً من بنية النظام السياسي ذاته. وهذا الفراغ لا يبقى محصوراً داخل جدران البرلمان، بل يمتد ليصبح جزءاً من الحياة السياسية العامة، حيث يدار الاختلاف خارج المؤسسات بدل أن يدار داخلها.
وهكذا، فإن تآكل فكرة البرلمان في الحالة السورية لا يعني فقط ضعف مؤسسة بعينها، بل يشير إلى خلل في بنية الدولة السياسية نفسها، حيث لم تعد المؤسسات قادرة على احتواء التعدد، بل أصبحت تعيد إنتاج أحادية القرار السياسي بشكل ممنهج، ما يؤدي في النهاية إلى تعميق الانقسام بدل معالجته، وإلى تفكيك المجال السياسي بدل توحيده.
ثالثاً: القضية الكوردية كاختبار حقيقي لفكرة الدولة
تعد القضية الكوردية في سوريا واحدة من أكثر الملفات حساسيةً وعمقاً في بنية الأزمة السورية، ليس لأنها قضية فئة اجتماعية أو قومية فحسب، بل لأنها تكشف بشكل مباشر عن طبيعة الدولة نفسها: هل هي دولة تتسع للتعدد بوصفه مكوناً تأسيسياً، أم أنها دولة تعرف ذاتها عبر مركز واحد يعيد صياغة بقية المكونات بوصفها ملحقات ثقافية أو إدارية قابلة للإدارة لا الشراكة؟
إن الكورد، بوصفهم مكوناً قومياً أصيلاً في الجغرافيا السورية، لم ينتج حضورهم التاريخي والسياسي داخل الدولة حتى الآن صيغةَ اعتراف سياسي مستقرة وواضحة، تعكسهم كطرف شريك في بنية الدولة، لا كهوية ثقافية قابلة للاحتواء أو التكييف ضمن حدود ضيقة. وهذا الاختلال في مفهوم الاعتراف لا يتعلق فقط بحقوق ثقافية أو لغوية، بل يمس جوهر العلاقة بين الدولة ومواطنيها، أي فكرة المواطنة نفسها ومعناها السياسي.
إن استمرار إدارة هذا الملف بمنطق الإنكار أو التجزئة أو التأجيل السياسي لا يؤدي إلى حل الأزمة، بل إلى إعادة إنتاجها بشكل أكثر تعقيداً. فالدولة التي تعجز عن الاعتراف بتعددها الداخلي لا تستقر، بل تدخل في حالة تآكل بطيء لمفهوم الشرعية، حيث تتحول القوة إلى بديل عن التوافق، ويصبح الضبط الأمني بديلاً عن العقد السياسي الجامع. وفي مثل هذه الحالة، لا تعود الدولة إطاراً جامعاً، بل تتحول إلى بنية إدارة أزمة دائمة.
ومن هنا تبرز أهمية إعادة التفكير في شكل الدولة السورية المستقبلية خارج القوالب المركزية الصلبة التي أثبتت محدوديتها في إدارة التنوع. فالقضية الكوردية ليست مجرد ملف يدار ضمن بنية قائمة، بل هي اختبار مباشر لقدرة الدولة على إعادة تعريف نفسها. هل يمكنها أن تتحول من دولة مركز مهيمن إلى دولة شراكة سياسية حقيقية؟ أم أنها ستبقى أسيرة نموذج يعتبر التعدد تهديداً لا فرصة؟
في هذا السياق، يصبح الحديث عن اللامركزية السياسية أو الفيدرالية ليس مجرد خيار إداري تقني، بل ضرورة سياسية لإعادة تأسيس العلاقة بين المكونات المختلفة على قاعدة الاعتراف المتبادل. فالفيدرالية هنا لا تطرح كبديل تفكيكي للدولة، بل كصيغة لإعادة بناء وحدة الدولة على أسس واقعية، تأخذ في الاعتبار التنوع القائم بدل إنكاره أو تجاوزه.
إن أي حل سياسي جاد لا يمكن أن يتجاهل هذا المسار، لأن تجاهله يعني الإبقاء على أسباب الأزمة ذاتها، ولو تغيرت أشكالها. فالدولة التي لا تعيد تعريف ذاتها في ضوء مكوناتها الفعلية، تبقى دولة معلقة بين الشكل والمضمون، بين الشرعية المعلنة والشرعية المتنازع عليها، وهو ما يجعل استقرارها دائماً مؤجلاً وغير مكتمل.
رابعاً: الفيدرالية ليست تهديداً بل ضرورة لإعادة تأسيس الدولة
إن النقاش حول الفيدرالية في السياق السوري لا يمكن التعامل معه بمنطق التخويف السياسي أو باعتباره مشروعاً يهدد وحدة الدولة، بل يجب قراءته بوصفه محاولة جدية لإعادة تعريف هذه الوحدة نفسها على أسس واقعية وعملية، تتجاوز النموذج المركزي الصلب الذي أثبت عبر التجربة أنه غير قادر على استيعاب التعدد السوري، بل يميل إلى كبحه أو تأجيل انفجاره لا معالجته.
فالدولة المركزية التي تصر على احتكار تعريف الهوية الوطنية، وإدارة التنوع من مركز واحد، لا تنتج وحدة حقيقية بقدر ما تنتج وحدة شكلية هشة، تعتمد على الضبط الإداري والأمني أكثر مما تعتمد على التوافق السياسي والاعتراف المتبادل. وفي مثل هذا النموذج، يصبح التعدد ليس مصدر قوة للدولة، بل مشكلة مؤجلة، يتم التعامل معها كحالة استثنائية بدلاً من كونها حقيقة بنيوية في المجتمع السوري.
من هنا، تأتي الفيدرالية ليس كشعار سياسي أو مطلب فئوي ضيق، بل كمشروع لإعادة هندسة العلاقة بين المركز والأطراف على أساس الشراكة السياسية الفعلية. فهي تهدف إلى إعادة توزيع السلطة داخل الدولة بطريقة تجعل من جميع المكونات شركاء في إنتاج القرار السياسي، لا مجرد متلقين له أو خاضعين لهيمنته. وبهذا المعنى، لا تمثل الفيدرالية تفكيكاً للدولة، بل إعادة تأسيس لها على قاعدة الاعتراف بالتعدد بدل إنكاره.
إن جوهر الفيدرالية في الحالة السورية لا يكمن في البنية الإدارية فقط، بل في التحول السياسي العميق من دولة مركزية هرمية إلى دولة عقد سياسي متعدد المستويات، حيث تمارس السلطة على أكثر من مستوى، ويعاد تعريف السيادة بوصفها شراكة داخلية لا احتكاراً مركزياً. وهذا التحول هو ما يسمح بتحويل التنوع القومي والاجتماعي إلى عنصر استقرار، بدل أن يبقى مصدر توتر دائم.
وفي هذا الإطار، يبرز الدور الكوردي كعنصر تأسيسي في أي صيغة مستقبلية للدولة السورية. فالكورد ليسوا مجرد مكون هامشي يمكن إدماجه أو تجاهله، بل هم طرف سياسي واجتماعي أصيل، يجب أن يكون جزءاً من صياغة البنية الدستورية للدولة، لا مجرد تابع إداري داخلها. إن إشراكهم في بناء الدولة على أساس الشراكة الفعلية، وليس الإلحاق الرمزي، يمثل شرطاً أساسياً لأي استقرار طويل الأمد.
وبذلك، تصبح الفيدرالية ليست خياراً بين خيارات، بل ضرورة تاريخية تفرضها طبيعة الواقع السوري ذاته، حيث لا يمكن إعادة إنتاج دولة مستقرة دون إعادة توزيع السلطة، ولا يمكن بناء وحدة سياسية حقيقية دون الاعتراف بالتعدد الذي يشكل جوهر المجتمع السوري.
خامساً: مجلس الشعب السوري بين الشكل الديمقراطي والمضمون المغيّب
إن ما يسمى بالعملية الانتخابية البرلمانية في سوريا، بما في ذلك آليات “الترشيح” و”الانتقاء” السياسي، يكشف عن خلل بنيوي عميق في فهم فكرة التمثيل السياسي ذاتها، لا مجرد خلل إجرائي في ممارسة الانتخابات. فالمجلس، في بنيته الراهنة، لا يقوم على قاعدة التعدد السياسي الحقيقي أو التنافس الحزبي المفتوح، بل على هندسة سياسية مسبقة تعيد إنتاج نفس البنية الحاكمة داخل إطار مؤسساتي يبدو ديمقراطياً في الشكل، لكنه محكوم مسبقاً في المضمون.
في هذا السياق، لا تفهم الانتخابات بوصفها لحظة تنافس بين مشاريع سياسية مختلفة تعكس تنوع المجتمع، بل كآلية لإعادة توزيع المقاعد داخل منظومة سياسية قائمة سلفاً، تحدد فيها حدود الفعل السياسي الممكن، ومعايير القبول والرفض، وسقف التمثيل الذي لا ينبغي تجاوزه. وبهذا المعنى، يتحول الفعل الانتخابي من أداة لإنتاج الإرادة الشعبية إلى أداة لإعادة إنتاج الاستمرارية السياسية.
إن هذا النمط من “التمثيل المُدار” يؤدي عملياً إلى تفريغ المؤسسة البرلمانية من جوهرها السيادي، بحيث لا يعود مجلس الشعب سلطة رقابية وتشريعية مستقلة، بل يصبح أقرب إلى جهاز داعم للبنية التنفيذية، يعمل ضمن حدودها السياسية والإدارية، ولا يخرج عن إطارها العام. ونتيجة لذلك، تتقلص وظيفة البرلمان من فضاء لصناعة القرار إلى فضاء لتثبيت القرار، ومن ساحة للصراع السياسي إلى ساحة لتأكيد التوازن القائم.
وهذا التحول لا يمس فقط طبيعة المؤسسة البرلمانية، بل يمس جوهر المفهوم الديمقراطي نفسه. فحين تفصل الديمقراطية عن التعدد الحقيقي، وعن إمكانية تداول السلطة أو مساءلتها، تتحول إلى إطار شكلي فارغ من محتواه السياسي، يستخدم لإضفاء الشرعية الإجرائية على واقع لا يعكس بالضرورة التمثيل الفعلي للمجتمع.
وبذلك، يصبح الخلل ليس في “مجلس الشعب” كمؤسسة فحسب، بل في المنظومة التي تحدد معنى التمثيل ذاته داخل الدولة، حيث يتم استبدال التنافس السياسي الحقيقي بآليات ضبط وإدارة مسبقة، تبقي المجال السياسي مغلقاً ضمن حدود مرسومة، وتمنع تحول البرلمان إلى فضاء يعكس التنوع الاجتماعي والسياسي السوري بكل تعقيداته.
سادساً: منطق السفينة الواحدة وحدود الإنكار السياسي
إن استمرار إدارة التعدد السوري بمنطق الإقصاء، أو عبر حلول تجميلية تبقي جوهر الأزمة على حاله، لا يؤدي في الواقع إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها بصيغ أكثر تعقيداً وحدة. فالدولة التي تتعامل مع تنوعها الداخلي بوصفه مشكلة يجب ضبطها أو احتواؤها، لا تنجح في بناء استقرار حقيقي، بل تنتج حالة دائمة من التوتر الكامن، حتى وإن بدت مظاهر السيطرة قائمة على السطح.
إن استعارة “السفينة الواحدة” هنا تكشف جوهر الإشكال السياسي القائم: فالسفينة التي تدار دون قبطان يمثل جميع ركابها فعلياً، أو التي تدار بقبطان لا يعترف بوجودهم السياسي المتساوي، هي سفينة فاقدة لمبدأ الشراكة الذي يقوم عليه أي نظام سياسي مستقر. وفي هذه الحالة، لا تصبح المشكلة في وجهة السفينة فقط، بل في طبيعة القيادة ذاتها، وفي تعريف من يملك حق تحديد الاتجاه.
إن أخطر ما في الواقع السوري ليس فقط تعدد الأزمات، بل طريقة إدارتها. فحين يختزل التنوع السياسي والقومي في إطار إدارة أمنية أو إدارية، ويتم التعامل معه كملف يمكن تأجيله أو ضبطه، فإن النتيجة ليست تجاوز الأزمة، بل تحويلها إلى بنية دائمة داخل الدولة. وهكذا تتحول الاستثناءات إلى قواعد، والتحولات المؤقتة إلى واقع مستقر من عدم الاستقرار.
في هذا السياق، تتحدد اللحظة السورية الراهنة بوصفها لحظة مفصلية بين مسارين لا ثالث لهما: إما إعادة تأسيس الدولة على قاعدة الاعتراف الكامل بالتعدد السياسي والقومي والاجتماعي، بما يضمن تحويل هذا التعدد إلى عنصر شراكة داخل بنية الدولة، أو الاستمرار في إدارة أزمة مفتوحة تتغير أشكالها الخارجية، بينما تبقى بنيتها العميقة ثابتة دون معالجة.
إن الفارق بين هذين المسارين ليس شكلياً، بل جوهري. فالمسار الأول يعني إعادة تعريف الدولة نفسها بوصفها عقداً سياسياً بين مكوناتها، لا كياناً مركزياً يفرض تعريفاً واحداً للهوية والسيادة. أما المسار الثاني، فيعني استمرار الدوران داخل حلقة مغلقة من التوترات المؤجلة، حيث يتم تأجيل الانفجار دون معالجة أسبابه.
وهنا تتضح خطورة “منطق السفينة الواحدة” حين يفهم بشكل أحادي، أي حين يستخدم لتبرير الإقصاء بدلاً من أن يكون تعبيراً عن الشراكة. فالسفينة لا تستقر بوجود قبطان واحد يحتكر الرؤية، بل بوجود عقد مشترك يضمن أن جميع من فيها جزء من قرار الاتجاه، لا مجرد ركاب في مسار مفروض عليهم.
وبذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط إلى أين تتجه السفينة، بل كيف تدار، ومن يملك حق تحديد وجهتها، وعلى أي أساس يعاد تعريف مفهوم الشراكة داخلها.
في الختام، إن مستقبل سوريا لا يمكن أن يبنى على استمرار إنكار مكوناتها الاجتماعية والقومية والسياسية، ولا على اختزال فكرة التمثيل السياسي في نموذج واحد يحتكر تعريف الدولة ومعنى المواطنة. فالدولة التي لا تعترف بالكورد وبقية المكونات كشركاء حقيقيين في صياغة الحاضر والمستقبل، لا تنتج وحدة وطنية مستقرة، بل تنتج وحدة شكلية هشة، تتكئ على القوة أكثر مما تتكئ على التوافق، وعلى إدارة الأزمة أكثر مما تتكئ على حلها.
إن الأزمة السورية في جوهرها ليست أزمة أطراف متنازعة فقط، بل أزمة نموذج دولة لم يعد قادراً على استيعاب التعدد الذي يشكل بنيته الاجتماعية الحقيقية. ولذلك فإن أي محاولة لإعادة بناء الدولة خارج منطق الشراكة ستظل تدور في الحلقة نفسها من الانقسام والتوتر، حتى وإن تغيرت أدوات الإدارة أو أشكال الخطاب السياسي.
ومن هنا، فإن الخروج من “سفينة الحمقى” سياسياً لا يعني مجرد تغيير الوجوه أو إعادة توزيع المواقع داخل البنية ذاتها، بل يعني تغيير منطق الحكم نفسه: الانتقال من منطق السيطرة والإقصاء إلى منطق الشراكة السياسية الفعلية، ومن مركزية القرار الأحادي إلى تعددية القرار، ومن إدارة التعدد كتهديد إلى التعامل معه كقيمة تأسيسية للدولة.
وفي هذا الإطار، تصبح الديمقراطية والفيدرالية والاعتراف السياسي بالمكونات المختلفة ليست شعارات سياسية، بل شروطاً ضرورية لإمكانية قيام دولة مستقرة. فبدون ذلك، ستبقى السفينة في حالة دوران داخل العاصفة نفسها، تتبدل فيها المواقع والوجوه، بينما تبقى وجهة الأزمة ثابتة، ويظل الوصول إلى ميناء الاستقرار مؤجلاً بلا نهاية واضحة.