روج آفا والسلطة السورية الجديدة: إشكالية الاندماج وحدود الشراكة
- Super User
- التحاليل السياسية
- الزيارات: 316
بقلم: د. عدنان بوزان
تشهد سوريا منذ سنوات تحولات سياسية عميقة وبنيوية، لم تقتصر آثارها على إعادة تشكيل موازين القوة على الأرض فحسب، بل امتدت لتعيد فتح الأسئلة التأسيسية الكبرى المتعلقة بطبيعة الدولة، ومعنى الهوية السياسية، وحدود السلطة، ومستقبل العلاقة بين المركز والأطراف. فالأزمة السورية، التي بدأت كحراك سياسي واجتماعي، تحولت تدريجياً إلى بنية صراع معقدة أعادت تفكيك الدولة وإعادة تركيبها بصورة غير مكتملة، ما جعل مسألة “الدولة السورية” ذاتها موضوعاً مفتوحاً للنقاش والتأويل وإعادة التعريف.
ومع بروز سلطة سورية جديدة تحاول تقديم نفسها بوصفها إطاراً سياسياً انتقالياً أو تأسيسياً لإعادة بناء الدولة بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام والتدخلات الإقليمية والدولية، عاد النقاش بقوة حول مستقبل مناطق شمال وشرق سوريا، أو ما يعرف سياسياً وجغرافياً بـ«روج آفا». هذه المنطقة التي لم تعد تفهم فقط بوصفها هامشاً جغرافياً، بل بوصفها فضاءً سياسياً نشأ فيه نموذج مختلف نسبياً في إدارة الشأن العام، قائم على أشكال من الإدارة الذاتية، والتعددية المحلية، ومحاولات إعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والسلطة خارج الإطار المركزي التقليدي.
في هذا السياق، برز سؤال العلاقة بين روج آفا والسلطة المركزية الجديدة في دمشق بوصفه أحد أكثر الأسئلة حساسية وتعقيداً في مستقبل سوريا. غير أن أهمية هذا السؤال لا تنبع فقط من طبيعته السياسية المباشرة، بل من كونه يعكس تناقضاً أعمق في تصور الدولة السورية نفسها: هل هي دولة مركزية تقليدية تستعيد سلطتها عبر إعادة توحيد القرار السياسي والإداري؟ أم أنها دولة في طور التشكل مجدداً، مضطرة إلى الاعتراف بالتعدد الذي فرضته سنوات الحرب بوصفه حقيقة سياسية لا يمكن تجاوزها؟
إن جوهر الإشكال لا يكمن في التفاصيل الإدارية أو الترتيبات الدستورية الجزئية، على أهميتها، بل في طبيعة الرؤية التي تحكم مفهوم الدولة لدى الطرفين. فالنقاش الدائر لا يتعلق فقط بحدود الصلاحيات، أو شكل الإدارة المحلية، أو توزيع الموارد، بل بصراع بين نموذجين مختلفين للدولة والمجتمع والسياسة: نموذج يقوم على المركزية بوصفها ضمانة للوحدة والاستقرار، ونموذج آخر يرى في اللامركزية الموسعة أو التعددية السياسية شرطاً أساسياً لمنع تكرار أسباب الانفجار السابق.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كان الاندماج بين روج آفا والدولة السورية الجديدة ممكناً أو غير ممكن، بل كيف يمكن تعريف هذا الاندماج أصلاً، وعلى أي أسس سياسية ودستورية يمكن أن يبنى، وما هي حدوده الفاصلة بين مفهوم “الشراكة السياسية” بوصفها علاقة متوازنة بين أطراف متعددة داخل الدولة الواحدة، وبين إعادة إنتاج أنماط “الهيمنة المركزية” التي كانت، في جزء كبير منها، أحد الأسباب البنيوية التي أدت إلى تفكك العلاقة بين الدولة ومجتمعها خلال العقود الماضية وصولاً إلى انفجار الأزمة.
إن التجربة السورية خلال العقدين الأخيرين، وبشكل أعم خلال تاريخ الدولة الحديثة، تظهر أن الإشكال الأساسي لم يكن في وجود التنوع بحد ذاته، بل في كيفية إدارة هذا التنوع. فالمقاربة المركزية الصارمة، التي لم تعترف بشكل كافٍ بالتعدد القومي والثقافي والسياسي، ساهمت في خلق فجوة متزايدة بين المركز والأطراف، وهي فجوة لم تحل عبر الأدوات الأمنية أو الإدارية، بل انفجرت في لحظة انهيار سياسي شامل. ومن هنا، فإن أي محاولة لإعادة بناء الدولة السورية دون معالجة هذا الخلل البنيوي ستبقى معرضة لإعادة إنتاج الأزمة نفسها، وإن بأشكال مختلفة.
وفي المقابل، فإن التجربة التي تشكلت في روج آفا خلال سنوات الحرب لم تكن مجرد حالة طارئة أو رد فعل ظرفي، بل تطورت إلى نموذج إداري وسياسي له خصائصه ومؤسساته وتصوراته الخاصة حول العلاقة بين المجتمع والسلطة. هذا النموذج، بغض النظر عن درجة الاتفاق أو الاختلاف حوله، أصبح جزءاً من الواقع السياسي السوري، ولا يمكن تجاهله أو اختزاله دون الدخول في إشكال شرعية سياسي أعمق يتعلق بمن يمتلك حق تعريف “الدولة” و”المواطنة” و”التمثيل السياسي” في المرحلة المقبلة.
وهنا تتبلور الإشكالية المركزية: إذا كان الهدف هو إعادة بناء دولة سورية موحدة وقابلة للاستمرار، فإن هذا الهدف لا يمكن تحقيقه عبر إعادة فرض المركزية القديمة، كما لا يمكن تحقيقه عبر تفكيك كل أشكال التنظيم المحلي التي نشأت خلال الحرب. بل يتطلب الأمر صياغة معادلة سياسية جديدة تقوم على الاعتراف المتبادل، وإعادة توزيع السلطة بشكل دستوري واضح، يوازن بين وحدة الدولة من جهة، وحقوق المكونات والمناطق في الإدارة والمشاركة من جهة أخرى.
إن أي تسوية مستقبلية بين روج آفا والسلطة السورية الجديدة ستظل رهينة القدرة على تجاوز منطق “الانتصار والهزيمة” إلى منطق “العقد السياسي”. فالدول لا تبنى في مراحل ما بعد النزاع على أساس الغلبة السياسية فقط، بل على أساس القدرة على تحويل التناقضات إلى ترتيبات مؤسساتية قابلة للاستمرار. وفي الحالة السورية، يبدو هذا التحول أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، نظراً لحجم التشظي السياسي والاجتماعي الذي أنتجته سنوات الحرب.
وفي هذا الإطار، تصبح مسألة الاندماج بين روج آفا ودمشق ليست مجرد سؤال إداري حول كيفية دمج المؤسسات أو توحيد الهياكل، بل سؤالاً تأسيسياً حول معنى الدولة نفسها: هل هي أداة مركزية للضبط والسيطرة؟ أم إطار سياسي جامع للتعدد والاختلاف؟ وهل يمكن بناء وحدة سياسية مستدامة دون الاعتراف بالاختلاف بوصفه عنصراً بنيوياً في تكوين المجتمع السوري؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد في نهاية المطاف ليس فقط شكل العلاقة بين روج آفا والسلطة السورية الجديدة، بل أيضاً مستقبل الدولة السورية بأكملها، بين أن تكون دولة تعيد إنتاج أزماتها السابقة، أو دولة تعيد تعريف نفسها على أسس جديدة قادرة على استيعاب الواقع الذي أنتجته سنوات الصراع الطويلة.
أولاً: من الأزمة السورية إلى ولادة تجربة سياسية جديدة
لم تظهر تجربة روج آفا بوصفها مشروعاً نظرياً مجرداً أو صياغة فكرية منفصلة عن الواقع، بل تشكلت في سياق تاريخي بالغ التعقيد فرضته الأزمة السورية منذ اندلاعها. فقد أدى الانهيار التدريجي لمؤسسات الدولة في أجزاء واسعة من الجغرافيا السورية، وتراجع قدرة المركز على إدارة المناطق الطرفية، إلى نشوء فراغات سياسية وأمنية وإدارية أعادت فتح المجال أمام أنماط جديدة من التنظيم المجتمعي والسياسي.
وفي هذا السياق، برزت في شمال وشرق سوريا أشكال متعددة من الإدارة المحلية، لم تكن مجرد حلول ظرفية لإدارة أزمة أمنية أو إنسانية، بل تطورت تدريجياً إلى بنية سياسية وإدارية أكثر تركيباً، تقوم على مفاهيم اللامركزية الديمقراطية، وتوسيع قاعدة المشاركة المحلية، وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع خارج الإطار التقليدي للدولة المركزية.
وخلال سنوات الحرب، لم تعد روج آفا تفهم بوصفها مجرد امتداد جغرافي أو منطقة هامشية داخل الدولة السورية، بل تحولت إلى فضاء سياسي-اجتماعي يحمل مشروعاً مختلفاً في تصور الدولة، ومفهوم الحكم، وآليات الشرعية السياسية. فقد نشأت فيها تجربة تحاول إعادة صياغة العلاقة بين المكونات القومية والثقافية المختلفة، وبين المجتمع المحلي ومؤسساته الإدارية، على أساس مبدأ التعددية والشراكة لا الاحتكار السياسي.
ومن هنا بدأت تتبلور معادلة سياسية جديدة داخل السياق السوري، تتجاوز الثنائية التقليدية بين “الدولة والمجتمع” إلى ثنائية أكثر تعقيداً: من جهة هناك سلطة مركزية تسعى إلى استعادة وظائف الدولة وإعادة توحيد القرار السياسي والإداري تحت مرجعيتها، ومن جهة أخرى توجد تجربة سياسية نشأت في ظل الحرب، ترى أن الأزمة السورية لم تكن مجرد خلل ظرفي في بنية الدولة، بل نتيجة خلل بنيوي أعمق في نموذج الحكم المركزي ذاته، وبالتالي فإن تجاوز الأزمة لا يمكن أن يتم عبر إعادة إنتاج ذلك النموذج، بل عبر إعادة تعريفه أو تعديله جذرياً.
وبين هذين التصورين، يتحدد جوهر الصراع السياسي المستقبلي في سوريا: هل يكون الحل في إعادة بناء الدولة وفق مركزية تقليدية معاد ترميمها؟ أم في صياغة عقد سياسي جديد يعترف بالتعددية السياسية والإدارية بوصفها جزءاً من بنية الدولة، لا استثناءً عليها؟
إن هذا التباين في الرؤية لا يعكس فقط اختلافاً في السياسات أو المصالح، بل يشير إلى اختلاف أعمق في فهم معنى الدولة نفسها، ووظيفة السلطة، وحدود المركز، وحقوق الأطراف، وهو ما يجعل تجربة روج آفا عنصراً محورياً في النقاش حول مستقبل الدولة السورية، لا مجرد ملف من ملفات الأزمة.
ثانياً: معضلة الاعتراف السياسي
تعد مسألة الاعتراف السياسي واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في العلاقة بين روج آفا والسلطة السورية الجديدة، إذ لا تتعلق الإشكالية هنا بمجرد ترتيبات إدارية أو تفاهمات أمنية أو توزيع تقني للصلاحيات بين المركز والأطراف، بل تمسّ في جوهرها سؤالاً أعمق يتعلق بالاعتراف بواقع سياسي واجتماعي جديد نشأ وتبلور خلال سنوات الحرب، وأصبح جزءاً من البنية الفعلية على الأرض، بغض النظر عن درجة القبول أو الرفض السياسي له.
فالإشكال الأساسي يتمثل في أن “الاعتراف” في السياق السوري لم يعد مسألة قانونية أو دستورية فقط، بل أصبح مفهوماً سياسياً مشحوناً يرتبط مباشرة بطبيعة الدولة نفسها: هل هي دولة تعيد إنتاج نموذجها المركزي التقليدي مع بعض التعديلات الشكلية؟ أم دولة في طور إعادة التأسيس، مضطرة إلى إدماج التحولات التي فرضها الواقع الميداني والاجتماعي خلال سنوات الصراع؟
من منظور تجربة روج آفا، لا يمكن تصور أي عملية اندماج سياسي حقيقية دون الاعتراف بالمؤسسات التي تشكلت على الأرض، وبأنماط الإدارة المحلية التي تطورت خلال سنوات الحرب، وبالخصوصية الثقافية والقومية لمكونات المنطقة، إضافة إلى الاعتراف بحق المجتمعات المحلية في إدارة شؤونها ضمن إطار وطني جامع يقوم على مبادئ الديمقراطية والتعددية وعدم الإقصاء. ووفق هذا التصور، فإن الاعتراف ليس امتيازاً سياسياً يمنح، بل شرطاً تأسيسياً لبناء علاقة مستقرة بين المركز والمناطق.
في المقابل، ينظر جزء من القوى السياسية في المركز إلى مسألة الاعتراف بهذه البنى بوصفها إشكالية مرتبطة بمفهوم السيادة ووحدة الدولة. فالتوسع في الاعتراف بالهياكل المحلية القائمة قد يفهم، من هذا المنظور، على أنه مقدمة لإعادة توزيع السلطة على نحو يمسّ مركزية القرار السياسي، أو يفتح الباب أمام نماذج حكم لا تتطابق مع التصور التقليدي للدولة المركزية التي تشكلت تاريخياً في سوريا.
ومن هنا تتجلى المفارقة البنيوية في هذه العلاقة: فبينما ترى روج آفا أن الاعتراف السياسي هو المدخل الضروري لتأسيس وحدة وطنية أكثر استقراراً وتوازناً، ترى بعض دوائر السلطة المركزية أن هذا الاعتراف ذاته قد يحمل في طياته خطر تفكك المركز أو إضعاف قدرته على ضبط المجال السياسي العام. وبين هذين التصورين المتناقضين، تتعقد إمكانية الوصول إلى صيغة سياسية مشتركة قادرة على التحول إلى عقد دائم ومستقر.
وهكذا لا تبدو معضلة الاعتراف مجرد خلاف تقني أو إداري، بل تعبيراً عن أزمة أعمق في تعريف الدولة السورية نفسها، وفي تحديد طبيعة العلاقة بين السلطة والتعدد، وبين الوحدة السياسية والاختلاف المجتمعي، وهو ما يجعل هذه المعضلة إحدى أكثر نقاط التوتر حساسية في مستقبل سوريا السياسي.
ثالثاً: الاندماج أم الإلحاق؟
من الناحية النظرية، يعد مفهوم “الاندماج” أحد المفاهيم الإيجابية في العلوم السياسية ونظريات بناء الدولة، إذ يفترض قيام علاقة سياسية قائمة على المشاركة المتبادلة بين مختلف المكونات والأطراف داخل إطار دولة واحدة، بما يتيح إعادة إنتاج وحدة سياسية لا تقوم على الإقصاء، بل على التعددية والتنظيم المشترك للسلطة. وفي هذا المعنى، يبدو الاندماج أقرب إلى صيغة توافقية تهدف إلى إعادة دمج المجال السياسي في إطار مؤسساتي جامع، دون إنكار التمايزات الاجتماعية أو الثقافية أو الإدارية القائمة.
غير أن التجربة التاريخية المقارنة تظهر أن مفهوم الاندماج ليس دائماً عملية محايدة أو متوازنة، بل قد يتحول في بعض السياقات السياسية إلى مسار غير متكافئ، تعاد من خلاله صياغة العلاقة بين المركز والأطراف بطريقة تميل لصالح الطرف الأكثر قوة، سواء على مستوى الدولة أو على مستوى البنية السلطوية القائمة.
وفي مثل هذه الحالات، ينزلق مفهوم الاندماج تدريجياً إلى ما يمكن وصفه بـالإلحاق السياسي؛ أي عملية إعادة دمج طرف أو منطقة أو مكون سياسي ضمن بنية دولة قائمة، دون الاعتراف الكافي بخصوصيته السياسية أو مؤسساته المحلية أو مكتسباته التي تشكلت في سياق تاريخي معين. وعند هذه النقطة، يفقد الاندماج معناه التشاركي الأصلي، ويتحول إلى أداة لإعادة إنتاج المركزية، وإن بصيغة محدثة أو أكثر مرونة في الشكل، لكنها لا تمس جوهر العلاقة السلطوية بين المركز والهامش.
وفي الحالة السورية تحديداً، يبرز هذا التخوف بصورة واضحة في النقاشات الدائرة حول مستقبل العلاقة بين روج آفا والسلطة السورية الجديدة. فإذا كان المقصود بالاندماج هو إعادة إدماج المؤسسات المحلية ضمن الدولة السورية على أساس عقد دستوري جديد، يضمن في الوقت نفسه الحفاظ على الخصوصية الإدارية والثقافية وصلاحيات الحكم المحلي ضمن إطار ديمقراطي لا مركزي، فإن ذلك يمكن أن يشكل أرضية لشراكة سياسية حقيقية قائمة على التوازن والاعتراف المتبادل.
أما إذا كان مفهوم الاندماج يفهم باعتباره عملية تفكيك للبنى والمؤسسات التي نشأت خلال سنوات الحرب، وإعادة صهرها بالكامل داخل نموذج إداري مركزي تقليدي، دون مراعاة للتحولات السياسية والاجتماعية التي حدثت على الأرض، فإن هذا المسار لا يمكن توصيفه كاندماج بالمعنى السياسي الدقيق، بل كعملية إلحاق سياسي وإداري تعيد إنتاج منطق المركزية، وتبقي على الإشكال البنيوي نفسه الذي ساهم في تعقيد الأزمة السورية بدل حلها.
رابعاً: حدود الشراكة الممكنة
إن أي تصور لشراكة سياسية بين روج آفا والسلطة السورية الجديدة لا يمكن أن يستند إلى موازين القوة وحدها، لأن الشراكات التي تبنى على منطق الغلبة أو التفوق الميداني غالباً ما تكون شراكات هشة، قابلة للتفكك مع تغير الظروف السياسية أو إعادة تشكل موازين النفوذ. فالقوة، مهما كانت مركزية في لحظة معينة، لا تستطيع وحدها إنتاج عقد سياسي مستقر، بل قد تؤسس لترتيبات مؤقتة تخفي تحت سطحها تناقضات غير محلولة.
وعليه، فإن الشراكة المستدامة لا يمكن أن تقوم إلا على جملة من الأسس السياسية الواضحة والمتبادلة، وفي مقدمتها الاعتراف المتبادل بين الأطراف بوصفهم شركاء داخل كيان سياسي واحد، وليس أطرافاً خاضعة أو ملحقة ببنية مركزية. ويضاف إلى ذلك ضرورة بناء درجة من الثقة السياسية، وهي عنصر غالباً ما يكون الأكثر هشاشة في سياقات ما بعد النزاع، لكنه يظل شرطاً ضرورياً لأي عملية انتقال من منطق الصراع إلى منطق التعايش السياسي.
كما تتطلب أي شراكة جدية وجود مصالح مشتركة قابلة للتقاطع، لا بمعناها الضيق المرتبط بالتكتيك السياسي، بل بمعناها البنيوي الذي يربط استقرار الدولة بمشاركة جميع مكوناتها في صياغة مستقبلها. فغياب هذا التقاطع بين المصالح يجعل العلاقة عرضة للاختزال إلى علاقة إدارة أزمة بدلاً من بناء مشروع دولة.
وتشمل هذه الأسس أيضاً الاعتراف بالتعددية القومية والثقافية التي تشكل إحدى الحقائق البنيوية للمجتمع السوري، إلى جانب ضمان الحقوق السياسية والثقافية والدستورية لجميع المكونات دون استثناء، بما يكرس مفهوم المواطنة المتساوية بدلاً من التراتبية السياسية أو الثقافية. كما يقتضي ذلك تبني صيغ واضحة من اللامركزية الديمقراطية، تتيح للمجتمعات المحلية إدارة شؤونها ضمن إطار الدولة، والمشاركة الفعلية في عملية اتخاذ القرار بدل الاكتفاء بدور تنفيذي محدود.
وفي السياق نفسه، فإن نجاح أي شراكة مستقبلية يتطلب تجاوز المقاربة الأمنية التقليدية في التعامل مع القضايا السياسية والاجتماعية. فالمسائل المرتبطة بالهوية والتمثيل والحقوق لا يمكن اختزالها في أدوات أمنية أو حلول إدارية ظرفية، لأن طبيعتها البنيوية تتجاوز هذا المستوى بكثير. بل إن معالجتها تتطلب مقاربات سياسية ودستورية طويلة الأمد، قادرة على تحويل الخلاف من مصدر صراع إلى مجال تنظيم مؤسساتي داخل الدولة.
ومن دون ذلك، ستبقى أي شراكة محتملة عرضة للاهتزاز، لأنها ستفتقر إلى الأساس السياسي الذي يحول التفاهمات المؤقتة إلى عقد مستدام، قادر على الصمود أمام التحولات الداخلية والإقليمية التي لا تزال تعيد تشكيل المشهد السوري بأكمله.
خامساً: البعد الكوردي في المعادلة السورية
لا يمكن فصل العلاقة بين روج آفا والسلطة السورية الجديدة عن السياق الأوسع للقضية الكوردية في سوريا، بوصفها أحد أكثر الملفات تعقيداً واستمرارية في البنية السياسية السورية الحديثة. فالكورد يشكلون أحد المكونات الاجتماعية والقومية الأساسية في البلاد، وقد ارتبط حضورهم التاريخي بمسار طويل من التفاعلات السياسية والدستورية غير المستقرة، حيث ظلت مطالبهم المتعلقة بالاعتراف والحقوق والتمثيل موضع جدل سياسي متكرر عبر عقود متعاقبة.
وعلى الرغم من أن الرؤى داخل المجتمع الكوردي ليست أحادية أو متجانسة، بل تتوزع بين مقاربات سياسية وتنظيمية متعددة تعكس تنوع التجربة الكوردية نفسها، إلا أن هناك قاسماً مشتركاً عاماً يمكن ملاحظته يتمثل في المطالبة بالاعتراف الدستوري بالوجود الكوردي، وبضمان الحقوق السياسية والثقافية واللغوية، إضافة إلى تأكيد ضرورة المشاركة الفعلية في صياغة مستقبل الدولة السورية، لا بوصف ذلك مشاركة رمزية، بل باعتبارها مشاركة مؤثرة في بنية القرار السياسي.
ومن هذا المنظور، فإن القضية الكوردية لا تختزل في إطار مطالب فئوية أو إدارية، بل تطرح بوصفها جزءاً من سؤال الدولة السورية نفسه: أي نموذج من المواطنة يمكن أن يبنى؟ وأي صيغة من العلاقة بين الدولة ومكوناتها يمكن أن تضمن الاستقرار دون إقصاء أو تهميش؟
وعليه، فإن أي تسوية سياسية مستقبلية في سوريا لا تأخذ هذه المطالب بعين الاعتبار، أو تتعامل معها بوصفها مسألة ثانوية قابلة للتأجيل، لن تكون قادرة على إنتاج استقرار طويل الأمد. فالتجارب المقارنة في البيئات المتعددة القوميات تظهر أن الاستقرار لا يتحقق عبر إدارة الأزمات بشكل مؤقت، بل عبر معالجة جذورها البنيوية والسياسية بصورة شاملة، تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر عدالة وتوازناً.
سادساً: سوريا بين المركزية والتعددية
تكشف تجربة روج آفا، في جوهرها، عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة السورية ذاتها، وبكيفية تعريفها لوظيفتها السياسية والاجتماعية في مرحلة ما بعد الحرب. فالسؤال المطروح اليوم لا يقتصر على كيفية اندماج روج آفا ضمن الإطار السوري العام، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر تأسيسية: أي نموذج من الدولة ستتبناه سوريا الجديدة في المستقبل؟
هل ستتجه سوريا نحو إعادة إنتاج نموذج الدولة المركزية التقليدية، الذي حكم بنيتها السياسية لعقود طويلة قبل الأزمة، بما يحمله هذا النموذج من تركيز للسلطة في المركز، وإعادة ضبط العلاقة مع الأطراف وفق منطق إداري وأمني تقليدي؟ أم أنها ستدخل في مسار إعادة تأسيس أعمق، يقوم على الاعتراف بالتعددية السياسية والقومية والثقافية بوصفها حقيقة بنيوية في المجتمع السوري، لا يمكن تجاوزها أو اختزالها؟
إن الخيار بين هذين النموذجين لا يعد مجرد تفصيل دستوري أو إداري، بل يمثل جوهر الصراع حول مستقبل الدولة السورية نفسها. فالنموذج المركزي، رغم ما يقدمه من وعود بالاستقرار ووحدة القرار، قد يحمل في طياته خطر إعادة إنتاج الأسباب البنيوية التي أدت إلى الانفجار السابق، إذا لم يعاد النظر في أسسه وعلاقته بالمجتمع. في المقابل، فإن النموذج التعددي الديمقراطي، القائم على الشراكة السياسية واللامركزية الواسعة، يطرح تحديات معقدة تتعلق بكيفية الحفاظ على وحدة الدولة دون الوقوع في التفكك أو التجزئة.
وفي هذا السياق، تصبح روج آفا ليست مجرد حالة إدارية أو ملف تفاوضي، بل مرآة تعكس التوتر العميق في بنية الدولة السورية بين منطق المركز ومنطق التعدد، وبين مفهوم الدولة بوصفها سلطة موحدة، ومفهومها بوصفها إطاراً سياسياً جامعاً لمكونات متعددة.
إن الإجابة عن هذا السؤال الجوهري—أي سوريا يراد بناؤها؟—لن تحدد فقط طبيعة العلاقة المستقبلية بين دمشق وروج آفا، بل ستحدد أيضاً مسار الاستقرار السياسي في البلاد بأكملها. فالدولة التي لا تعيد تعريف علاقتها بتعددها الداخلي ستبقى عرضة لإعادة إنتاج أزماتها، بينما الدولة التي تنجح في تحويل هذا التعدد إلى مصدر قوة سياسية ومؤسساتية قد تفتح مساراً مختلفاً أكثر استقراراً واستدامة.
في الختام، إن إشكالية الاندماج بين روج آفا والسلطة السورية الجديدة لا يمكن اختزالها في كونها مسألة تقنية تتعلق بتوزيع الصلاحيات الإدارية أو إعادة تنظيم الهياكل المؤسساتية، بل هي في جوهرها تعبير عن جدل سياسي وفكري أعمق يتعلق بمعنى الدولة ذاتها، وبطبيعة المواطنة، وبأسس الشراكة السياسية في سوريا ما بعد الحرب.
فالاندماج الحقيقي لا يبنى على منطق الإلغاء أو الإخضاع أو إعادة الصهر القسري داخل نموذج مركزي مغلق، بل يقوم على الاعتراف المتبادل بين الأطراف السياسية والاجتماعية، وعلى صياغة عقد سياسي جديد يعيد تعريف العلاقة بين المركز والمجتمع، ويضمن في الوقت ذاته وحدة البلاد السياسية وحقوق مكوناتها القومية والثقافية والإدارية ضمن إطار جامع.
أما أي محاولة لإعادة فرض الوحدة عبر أدوات المركزية الصارمة، أو تجاهل التحولات البنيوية التي فرضتها سنوات الحرب من حيث نشوء وقائع سياسية وإدارية جديدة، فإنها لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات ذاتها، وإنْ بصيغ مختلفة وأشكال أكثر تعقيداً، لأنها تتجاهل جذور المشكلة بدل معالجتها.
ومن هنا، فإن مستقبل العلاقة بين روج آفا ودمشق لن يحسم فقط عبر مسارات التفاوض السياسي أو التفاهمات المرحلية، بل سيتوقف على قدرة سوريا الجديدة على إنجاز انتقال نوعي في مفهوم الدولة نفسها: من منطق السلطة بوصفها أداة هيمنة، إلى منطق الشراكة بوصفها إطاراً جامعاً؛ ومن ثقافة الإخضاع إلى ثقافة الاعتراف؛ ومن إدارة التنوع كعبء سياسي إلى بنائه كعنصر تأسيسي في بنية الدولة الحديثة القادرة على الاستمرار والاستقرار.